عبد الوهاب عثمان.. القلب ليحزن

هو فقد جلل وخطب فادح، تسرب مثل سحاب يمر وهو مثقل بالقطر والمطر، الدكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى، وزير المالية الأسبق وأحد أبرز الرموز الاقتصادية في البلاد، غادر دنيانا الفانية في هدوء يشبه سمته وحياته، فقد صبر على المرض في جلد، وأنفق أيام عمره في صلاح ونقاء، فقد كان يعلم أن الحياة تعمر بالخير والزكوات والعمل الصالح فعاشها كما علمها، فلم تكن حياته إلا تجسيداً لهذه المعاني، تقرباً لله وتزلفاً له، عملاً بكلماته التامة وقرآن الفجر الذي لم يزل يرطب لسانه حتى أسلم روحه لبارئها.
يعرف مكانته وقيمته البعيد، ويدرك كنه قلبه وصفاء نفسه وعزتها القريب، لقد عاش كل حياته.. واهبها وتاركها ومفنيها، في عبادة لا تنقطع، العمل عبادة والتفكير عبادة.. وكل حركة وسكنة لم يكن يطلب فيها غير الله وعفوه ورضائه.
تدلى كنجم وشهاب من فضاء بعيد.. فقد كان عالماً عارفاً بالله، يخشاه بإدراك عجيب، فهو ليس خبيراً وبحراً فقط في الاقتصاد وكيفية إدارة شؤونه وسبر أغواره، فقد كان ذا علم ونفاذ بصيرة أدرك مراقيها بقلبه المؤمن وذهنه الوقاد وإيمانه العميق.
والرجل بقامته المديدة، كان علماً من أعلام الفكر الاقتصادي في البلاد، وقد عرك غمار العمل الاقتصادي منذ تخرجه في الجامعة، وعمل في وزارة المالية من وظيفة دنيا «مفتش مالي» وترقى في سلكها حتى وصل إلى درجة الوكيل، ثم صار وزيراً للمالية، عرفت عنه دقته واتساع معرفته الموسوعية بكل قضايا الاقتصاد والنهضة وإشكالات التنمية في العالم، لم يغب أبداً عن أي مشهد اقتصادي، وله العديد من المؤلفات والكتب والمساهمات الفكرية في المؤتمرات والندوات بالأوراق والبحوث في شتى صنوف المعرفة الاقتصادية.. وهو صاحب مبادرات وأفكار متقدمة وقراءات دقيقة يستشرف فيها المستقبل بنظر ورؤية مستبصرة ذات إدراك، وينسب له أنه قرأ مستقبل الحياة الاقتصادية في البلاد، وكان معارضاً فكرة إدخال عائدات البترول السوداني عندما بدأ تصديره في ميزانية الحكومة، ودعا للاستفادة منها في مشروعات التنمية الكبرى الزراعية والصناعية والبنى التحتية، وصدقت الأيام رؤيته وأفكاره، وهو من العلماء والخبراء النادرين في العالم الإسلامي الذي قدم أفكاراً ومناهج تأصيلية حول الاقتصاد ومجالات التأمين والتنمية والعمل المصرفي، وحلل أزمة التخلف في العالم الإسلامي.
عرفت الرجل في منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي ونحن في بداية طريقنا الصحفي بصحيفة «ألوان» الغراء، وكان هو أشهر من نار على جبل، ومن قيادات الجبهة الإسلامية، ونائباً برلمانياً عن دائرة أرقو الحفير في الجمعية التأسيسة، وخصوم حزبه داخل البرلمان كانوا ينصتون له تحت قبة البرلمان وخارجها عندما يتحدث عن المسألة الاقتصادية، وشهدت له منابر السياسة والعلم أحاديث وآراء جريئة وصادقة في شأن الإصلاح الاقتصادي.
وعندما عين وزيراً للمالية في 1996م، شهد له الناس أنه وضع لجاماً على فم الدولار وكبح جماحه ومنعه من القفز خطوات مقابل الجنيه السوداني، وحافظ على سعر الصرف دون أن تكون هناك عائدات للبترول أو موارد ضخمة تحقن في أوردة الاقتصاد السوداني.
وظل وفيَّاً للعلم وهو يواجه المرض بعناد كبير، وكانت كتبه الجديدة تترى في الأسواق، ولم يتوقف عقله عن إنتاج الأفكار ولا تحليل القضايا الاقتصادية، ويدلي بدلائه الكثر في كل الأمور بفائدة علمية محكمة وقبسات من أفكار كبيرة.. ورفد المكتبة السودانية بعدد كبير من الكتب والأوراق الاقتصادية والمساهمات القيمة التي كانت تتناول الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وأعد تقارير ودراسات عديدة لو وضعت موضع التنفيذ لتغير الحال الاقتصادي والصناعي في البلاد. وبوفاته وغيابه يفقد السودان أحد أنجب أبنائه وأخلصهم وأكثرهم كفاءة وعلماً وصبراً، فقد كان رجلاً سمحاً في كل شيء ومتواضعاً وتلك شيمة العلماء، وعزيزاً في نفسه، وعظيماً في كبريائه، ومحباً لإخوته في الله والوطن، ووفياً لعلمه، وأجل ما نعرفه عنه أنه كان صديقاً للمصحف لا يفارق تلاوته آناء الليل وأطراف النار.
رحم الله عبد الوهاب.. ونحسبه في عليين.. فقد صدق الله وسيصدقه الله.. «إنا لله وإنا إليه راجعون».

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى