كان الأكثر حلماً.. المهدي.. رجل الديمقراطية الأول

الخرطوم: أحمد طه صديق
من الصعب أن تجد سياسياً يصبر على النقد القاسي والساخر في كثير من الأحيان مثل الإمام الصادق المهدي ففي فترة توليه رئاسة الوزراء في العام 1964 والتي لم تكن طويلة لكن كانت سهام النقد الساخن تنتاشه كثيراً سواء كانت عبر المقالات أو الكاركتيرات ، وكان رسام الكاركتير الراحل عز الدين عثمان متخصصاً في السخرية من الشخصيات العامة وكان حظ المهدي من هذه السخرية الكثير من السهام الساخرة، بيد أنه كان يتحمل بحلم وصبر كبير كل ما يكتب أو يعبر بالرسم ضد سياساته، تماماً مثل رئيس مجلس السيادة الزعيم الأزهري الذي كان ينال نصيباً كبيراً من سخرية قلم الكاركتيرست عز الدين حتى أنه رسم رأسه ذات يوم رأس ماعز، بيد أن كلا الزعيمين البارزين لم ينفعلا بكل ذلك السيل الساخر والساخن ولم يلجأا للقضاء كما يفعل الكثير من السياسيين عندما يصيبهم رشاش من النقد .
وفي الفترة الديمقراطية الأخيرة التي ترأسها مجلس وزرائها الإمام الراحل الصادق المهدي والتي أعقبت الفترة الانتقالية 1986 بعد تفجير انتفاضة السادس من أبريل 1985 كان يتعرض الإمام لنقد حاد وساخر من بعض الصحف المحسوبة على حزب الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الشيخ حسن الترابي فقد أطلق عليه كاتب ورئيس تحرير صحيفة لقب السندكالي باعتبار أنه كان قد استخدم هذا المصطلح ذات يوم في أحد خطاباته فالمعروف أن الإمام المهدي يربط بين الفكر والسياسة لكن بلغة سهلة بعيدة عن التقعر واستعراض العضلات الفكرية والثقافية .
وبالرغم من أن تلك الصحف قد استمرأت النقد الساخر ضد الإمام الصادق المهدي لكنه لم يلجأ إلى القضاء كما لم يستخدم نفوذه ومنصبه كرئيس وزراء لاتخاذ أي إجراءات انتقامية ضد تلك الصحف المتطرفة في النقد .
كذلك تعرض الإمام الصادق للكثير من النقد الجارح في فترة حكم البشير البائد من قبل بعض الأقلام المحسوبة على النظام ، بيد أنه كانت هناك أيضاً بعض الأقلام التي انتقدت بموضوعية بعض مواقف الإمام السياسية ، وهو ما قابله بالصبر والحلم الجميل ولم يكن يميل إلى إرسال الردود للصحف رداً على ما يكتب فيها نقداً لتصريحاته أو نهجه السياسي ، كما لم يوكل بالوكالة بعض الأقلام المحسوبة على حزبه أو حتى استقطاباً لبعض أقلام المقاولات الذين طفحوا في تلك الفترة الكالحة من تاريخنا السياسي من أجل الدفاع عنه أو الترويج السياسي له .
فقد كان يعتمد على قدرته الخطابية البليغة والتي كان يمزج فيها بين العامية والأمثال الشعبية في بعض الأحيان ، لكنه كان قادراً على إفحام خصومه السياسيين ببضع كلمات قليلة ومعبرة . وكان نظام الإنقاذ البائد يدرك تأثير خطابه السياسي وقدرته التعبيرية المؤثرة والكارزيما التي يتمتع بها كزعيم سياسي وديني فاعل ، لهذا كان يضيق عليه سياسياً وأمنياً حتى إنه أضطر للهجرة خارج البلاد بسبب تلك المضايقات القاسية من قبل نظام الإنقاذ التعسفي.
عاشق الديمقراطية
لم يكن الإمام الصادق المهدي من الزعماء الذين يميلون لسياسة القبض السلطوي فقد كان يميل لسياسية الانفتاح السياسي وتوسيع المشاركة السياسية ولم يدعم طوال مسيرته السياسية عندما كان في سدة الحكم أي تشريعات استثنائية تحجم التعبير الديمقراطي سواء كانت ضد حرية الصحافة أو حرية التعبير أو المسيرات السياسية.
وعندما سئل العميد الراحل عبد الرحمن فرح الذي تولى مسؤولية الإشراف على جهاز الأمن في فترة الإمام الصادق المهدي عندما كان رئيساً للوزراء عن عدم قدرة جهازه الأمني على كشف مخطط انقلاب الجبهة الإسلامية التي اطاحت بالمهدي من رئاسة الوزراء وأنهت التجربة الديمقراطية واستبدلتها بنظام شمولي انتهازي ، قال العميد فرح وقتها عبر حوار صحفي ( كنا نعلم اين يجتمعون وماذا يقولون وماذا يأكلون ويشربون ، وقد أطلعنا الإمام الصادق المهدي بحقيقة ما يجري من مخطط وطلبنا منه أن يسمح لنا باتخاذ الإجراءات لتوقيفهم ، بيد أن المهدي رفض فقد كان ديمقراطياً اكثر من اللازم ) .
والحدث يكشف مدى التزام الإمام المهدي الصارم بالمبادئ الديمقراطية فهو يرفض حتى اعتقال عصبة تجتمع من أجل تقويض النظام الديمقراطي الذي يتولى رئاسة وزرائه .
رحم الله الصادق المهدي فقد قدم دروساً مجانية لكل القابضين على السلطة في كل مكان من قارتنا السمراء أو دائرتنا العربية ، إن شبق السلطة واستنساخ القوانين الاستثنائية لا تزيد من عمر النظام يوماً واحداً بل ثانية واحدة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى