ما بين  حمدوك وكباشي تقاطعات الأيدولوجيا والسياسة

تقرير: أحمد طه صديق

من النادر جداً أن يهتم رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك بالرد على أي تصريحات سياسية تمس سياساته ونهجه في الحكم ، لكن فيما يبدو أنه أول أمس أدرك أن الرد على تصريحات الفريق ركن شمس الدين كباشي عضو مجلس السيادة يصعب تجاهلها أو القفز عليها بكلمات تتسم بالرمزية والعمومية ،

حيث كان كباشي قد قال معلقاً على لقاء حمدوك مع عبد  العزير الحلو في أديس أبابا ( إن حمدوك أعطى ما لا يملك  لمن لا يستحق) مما اضطر د.حمدوك ان يرد عبر حوار أجراه التلفزيون القومي أمس الأول قائلاً ( من يملك ليعطي ومن يعطي لمن لا يستحق) واستطرد قائلاً ( إن رئيس الوزراء أتت به الثورة العظيمة للشعب وتنظم عمله الوثيقة الدستورية التي حددت بوضوح أن تتم إدارة ملف السلام من قبل الحكومة التنفيذية) مشيراً إلى ان فكرة وجود شخص يوزع الاستحقاقات ، لمن لا يستحق ولا يستحق تصور قاصر، مؤكدأ أن ما قام به في أديس أبابا مع عبد العزيز الحلو يصب تماماً في مسؤولياته كرئيس وزراء، مبدياً استعداده التام للذهاب إلى أي شخص ما دام ذلك في مصلحة الشعب، مبدياً استغرابه ممن  يطلقون دعوات عطاء من لا يملك لم لا يستحق، وأضاف حمدوك أنهم يعملون على تطوير العلاقة بين العسكريين والمدنيين بالصبر عليها وحل تعقيداتها ومشكلاتها حتى لا تنزلق البلاد إلى ما يحدث في البلدان الأخرى، مشيراً الى أن أي شخص يعتقد بأن البلاد يمكن أن يديرها فصيل بمعزل عن الآخر واهم .
تباينات الفكر والسياسة
تدرج الفريق الركن شمس الدين كباشي العديد من المواقع العسكرية الرفيعة سيما في عهد الإنقاذ حيث تمت ترقيته حتى وصل إلى رتبة الفريق وتولى بعدها منصب نائب رئيس قائد أركان القوات البرية ، ثم تولى منصب رئيس هيئة العمليات.
وعندما قامت انتفاضة ثورة ديسمبر المجيدة  تم تعيينه ناطقاً رسمياً باسم المجلس العسكري، وشارك في المفاوضات المارثونية بين المكون المدني والعسكري حيث كان يقدم تقريراً لأجهزة الإعلام عن ما توصلت إليه المحادثات ، وعندما كونت الحكومة المدنية وتم تكوين مجلس السيادة بموجب الوثيقة الدستورية كان ضمن المكون العسكري داخل مجلس السيادة ليتولى عدة ملفات مهمة من بينها السلام مع الحركات المسلحة .
لقد عاصر الفريق كباشي نظام الإنقاذ المباد منذ العام انقلاب 1989 وتقلد رتباً رفيعة ما بعد حقبة الألفية الثانية وهو ما يعني أن له العديد من الصداقات والمعارف داخل المنظومة العسكرية التي كان الإسلاميون يسيطرون على مفاصلها بعد ان أجروا بها عملية إحلال وإبدال واسعة، ويكفي أن في العام 2006 بلغ عدد المفصولين من القوات المسلحة خمسة وثلاثين ألف عسكري من ضابط إلى ضابط صف وجندي بحسب حوار أجرته (الإنتباهة) آنذاك مع رئيس لجنة مفصولي القوات المسلحة الذي أكد صحة معلوماته وقال إنه يمتلك أسماء المفصولين ورتبهم العسكرية وأرقامهم ، ففي تلك الأجواء حدثت استقطابات عديدة داخل المجتمع السوداني من قبل النظام البائد وبعضها كانت ذات طابع سياسي أو اصطفاف مرحلي لتحقيق بعض الغايات .
ومن الصعب الجزم بان الفريق كباشي كان منضوياً تحت راية الإسلاميين لكنه على الأقل أيضاً من الصعب نفي أي تأثيرات وجدانية أو فكرية في تلك الأجواء الملغمة لأي شخص تولى مناصب رفيعة ومؤثرة في تلك الفترة .
بالمقابل نجد أن د. عبد الله حمدوك كان منتمياً للحزب الشيوعي وبحسب القيادي صديق يوسف إن لم يلتق بحمدوك في ردهات العمل السياسي داخل الحزب منذ العام 1988 . فمن الواضح أن حمدوك الذي عمل في أروقة المنظمات الدولية بات أكثر ليبرالية فكرية وأكثر انفتاحاً على الفكر الغربي الاقتصادي والسياسي ، كما أنه بتركيبته وخلفيته السابقة وحضوره العملي الدولي بدا بعيداً عن أفكار الإسلام السياسي وأقرب إلى علمانية الفكر ، لكن بمنأى عن العصبية والتشنج الأيدلوجي .
ولهذا فعندما بدت إرهاصات الانقلاب على الحكومة المدنية ونشطت بعض المكونات العسكرية في الانفتاح السياسي سارع حمدوك بمخاطبة الأمم المتحدة وبحسب الأنباء آنذاك أنه طلب تعديل ولاية الأمم المتحدة في بلاده من الفصل السابع إلى السادس.
و يمنح الفصل السادس الذي تطالب به الحكومة السودانية ،إمكانية تكوين بعثة أممية خاصة لدعم السلام تشمل ولايتها كامل أراضي البلاد، دون أن تشمل قوات عسكرية ، بيد أن هذه الخطوة لم ترق للمكون العسكري وبعض التيارات السياسية واعتبرتها من شأنها ان تخرق السيادة وبعدها اضطر حمدوك من تغيير صيغة الخطاب ، بيد أن الخطاب نفسه يكشف قلق حمدوك على الفترة الانتقالية والمهددات التي تحيط بها، كما يكشف مدى اهتمامه بالسند الدولي من أجل الحماية والعبور بالفترة الانتقالية بأمان من مخالب الانقلابات .
لكن رغم التباين الذي يظهر هناك وهناك بين المكون العسكري والمدني غير أن د. حمدوك ظل يتسم بالمرونة مما كان له أثر في التقارب بين الجانبين حتى في قضية التطبيع مع إسرائيل ، غير أن تصريحات الفريق كباشي الأخيرة لا يمكن اعتبارها العودة لمربع الخلافات بين المكونين، ولكن ينبغي أن تفهم في إطار أدوار سياسية يقوم بها الفريق كباشي في ظل الوهن الذي تعانية الحكومة المدنية وحاضنتها السياسية ومحاولات الفرز التي تنشط في الساحة السياسية والاصطفاف المتعدد الألوان وصولاً لتكوين تيار سياسي بديل يفرز مجلساً تشريعاً يحمل نفس اللون والرائحة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق