قال إن بقاء رموز النظام السابق دون محاكمة يتناقض مع شعارات الثورة .. الكباشي .. في أي بريد أرسل رسالته؟

الخرطوم: هبة محمود سعيد

حالة من التناقض ربما اعترت تصريحات عضو مجلس السيادة الفريق أول ركن شمس الدين الكباشي خلال لقائه بالنيل الأزرق (أمس الأول) بشأن بقاء رموز النظام السابق المعتقلين بكوبر، مؤكداً على أن بقاءهم بدون محاكمة حتى الآن يتناقض مع شعارات الثورة. وعلى الرغم من أنه أبدى عدم ممانعتهم في مثولهم أمام المحكمة الجنائية، الا انه وضع ثقته في القضاء السوداني والمحاكم الوطنية

هذه التصريحات أثارت جدلاً كبيراً داخل الأوساط السياسية، وعدها البعض خطوة أولى في إطار التسوية مع الإسلاميين والمصالحة معهم، فيما يرى الآخرون ان في الأمر التفافاً ومحاولة للتهرب من المسؤولية، في أعقاب حالة الاستنكار الواسعة واصابع اللوم التي طالت الحكومة عقب وفاة شقيق الرئيس المعزول البشير عبد الله متأثراً بإصابته بفايروس كورونا، بعد اعتقاله لعام ونصف العام دون توجيه اتهام في حقه.. مراقبون اكدوا لـ (الإنتباهة) أن كباشي بتصريحاته أراد إرسال رسائل (التبرؤ) في بريد المكون العسكري، بالقائه اللوم على النائب العام والمؤسسات العدلية!!
ضغوط
لم يكن ضمن حسابات المكون العسكري منذ سقوط النظام السابق في أبريل ٢٠١٩م تقديم الرئيس المعزول عمر البشير ومن معه للمحكمة الجنائية الدولية، وقد أعلنها الفرق اول ركن عمر زين العابدين رئيس اللجنة السياسية وقتها في أول مؤتمر صحفي له، رداً على دعوات تقديمهم إلى المحكمة الجنائية، مؤكداً على محاكمتهم في البلاد دون تسليمهم. وتصريحات زين العابدين عضدتها لاحقاً تصريحات للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الذي أكد على ذلك، غير أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر، واصبح مسار تسليم البشير للجنائية ياخذ منحى آخر جراء ضغوط من الشق المدني سجلت على اثرها مدعية المحكمة الجنائية فاتو بنسودا زيارة للبلاد قبل أشهر.
وبحسب بعض المراقبين فإن تصريحات الكباشي حول ثقته في القضاء السوداني ليست سوى التفاف بعد تعالي الأصوات بضرورة تقديمهم للمحاكمة بدلاً من الإبقاء عليهم دون محاكمة حتى الآن.
مطلب ثوري
وصدرت في حق البشير وبعض معاونيه مذكرة اعتقال من قبل المحكمة الجنائية الدولية لارتكابهم جرائم الإبادة الجماعية في دارفور، وعقب سقوط النظام تعالت الدعوات بضرورة تقديمهم للمحكمة الجنائية، وتباينت الآراء حول ذلك أو محاكمتهم في الداخل، غير أن تسليمهم للجنائية أصبح أحد مطالب الثورة.
ويتحفظ على المعزول وقادة نظامه لأكثر من عام ونصف العام، دون تقديم أية تهم لهم سوى انقلاب ٨٩م على الشرعية الدستورية، ويقول الموالون لنظام البشير إن ما يحدث لا يعدو كونه مكايدة سياسية، وان السودان غير موقع على ميثاق المحكمة الجنائية، فيما يرى خبراء قانونيون أن تسليم الرئيس السابق للجنائية أمر يقدح في نزاهة القضاء السوداني، مؤكدين على أنه ــ اي القضاء السوداني ــ قادر على محاكمة اي شخص دون تدخلات من الخارج.
وانطلقت الدعوات للإفراج عن المتهمين واخضاعهم للإقامة الجبرية في منازلهم عقب انتشار فايروس كورونا، الا ان السلطات مازالت تتحفظ عليهم.
تهرب
ويرى البعض في تصريحات الكباشي محاولة للتهرب من المسؤولية حيال ما يواجه قادة النظام من اعتقال دون توجيه أية تهم فساد أو إبادة جماعية في حقهم، ووفقاً لمراقبين فإن أصوات من داخل المؤسسة العسكرية موالية للبشير وجهت اللوم للمكون العسكري، في تقديم الرئيس السابق للجنائية، وهو ما يتعارض مع آداب المؤسسة العسكرية واعرافها في التعامل مع قادتها، وقد كان المعزول القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس البلاد.
ويحمل المحلل السياسي الأستاذ عبد الماجد عبد الحميد في حديثه لـ (الإنتباهة) عضو مجلس السيادة الكباشي مسؤولية ما يحدث للبشير، مؤكداً أن ما تم من زيارة لمدعية المحكمة الجنائية كان بمباركتهم ورضائهم لأنهم شركاء في الحكم، قائلاً: (كان على الكباشي قبل أن يتحدث عن قادة الرموز السابق، أن يشير إلى أن البشير كان القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية، وان التعامل معه يجب أن يكون مختلفاً، ولذلك فإن حديثه نوع من التهرب غير المقبول من المسؤولية المشتركة.(
تكتيك سياسي
ونفى عبد الحميد أن تكون التصريحات متعلقة بالتسويات مع الإسلاميين أو دعوات المصالحة التي أطلقها قادة الحركات المسلحة بشأن المصالحة مع الإسلاميين المعتدلين والا يتم الإقصاء لأي مكون، ووصف الأمر بالتكتيك السياسي من قبل الطرفين، قائلاً: (هذا تكتيك سياسي ونوع من التناقض في هذه التصريحات الغريبة، وهو ليس من المفترض أن يتحدث هكذا وكأنه غير شريك)، وأضاف قائلاً: (الكباشي أراد إلقاء اللوم على النائب العام ليتهرب من المسؤولية، لكن المسؤولية جلها تقع على عاتقهم داخل المجلس السيادي .(وقطع بالقول: (إن مؤسسات الدولة المختلفة تعمل كل على حدة، وكل له قرار، وهذا يؤكد حالة التناقض التي تعيشها البلاد.(
خارج السرب
ومن جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة إفريقيا العالمية د. محمد الخليفة، أن حديث الكباشي رد غير مباشر على حديث حمدوك في حواره مع التلفزيون القومي، ويوضح أن هناك علاقة متأزمة بين المكون العسكري والمدني، قائلاً: (رغم أنهم يعملون في إطار واحد لكن يبدو أن هناك جزراً معزولة، والكباشي يغرد في سرب ونائب رئيس مجلس السيادة يغرد في سرب آخر، والجهاز التنفيذي في سرب ثالث وجميعهم ليسوا على قلب رجل واحد). واستبعد الخليفة في حديثه لـ (الإنتباهة) أن يكون حديث الكباشي في بريد قواته المسلحة أو التبرؤ، لأن المعتقلين لا ينتمون كلهم للمؤسسة العسكرية، وطالب بتنفيذ العدالة على الجميع وألا تكون عدالة انتقائية، وقال: (هناك أفق واضح في حل القضايا، وهناك تأزم في كل الأمور، والوضع لا يتحمل وسطاء، والجميع مشغولون في قضاياهم والحكماء يتساقطون)، وأضاف قائلاً: (يجب على الشعب السوداني بمكوناته المختلفة والإعلاميين عبر الوسائط المتعددة، أن يرسلوا رسالتهم ويطرحوا رؤى مختلفة للخروج من هذه الأزمة).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق