مشروع البغلة (سندس) .. هل أزف وقت الرحيل؟

تحقيق: هويدا حمزة
والمواطنين أصحاب الأرض بثلاثين عاماً بدأت 1992 وتنتهي في 2022م، بعد أن يكون المشروع قد استوفى اهدافه بتنمية الخزانة العامة وتنمية المنطقة التي يقع فيها.
وفي حوار سابق أجريته معه لـ (الإنتباهة) سألت مدير المشروع المهندس الطيب محمد الطيب قبل حوالى خمس سنوات (ماذا انتم فاعلون بعد انتهاء اجل سندس؟) فاجأبني قائلاً: (سنبحث عن تكييف قانوني) وقلت له: (تكييف أم تحايل قانوني)؟
فأجاب بأن نهاية الأجل لا تعني نهاية المشروع، لأن القرار سكت عنها ولم يذكر ترتيبات ما بعد الثلاثين، ولكن ليس من المتوقع أن يعود الوضع كما كان لأن تصرف المشروع والشركة كان بمسوغ قانوني بقرارين رئاسيين هما القرار (92) الخاص بالنزع لـ (30) عاماً من ملكية العين والمنفعة والقرار (150) الذي اعطى الحق للمشروع في إعادة ترتيب الأرض وفق مستلزمات المشروع… وتابعونا في هذه الحلقة الأولى من التحقيق:
مسلسل الف
اعادة ترتيب الأرض هذه كانت ومازالت نقطة خلاف، حيث احتج بعض الملاك لدى إدارة سندس على تحويلهم من منطقتهم لأخرى، لذلك يقول المدير الذي خلف الصافي جعفر انهم لم يعملوا من فراغ وخريطة المشروع مجازة من اللجان التخطيطية في الولايات الثلاث التي يقع فيها المشروع (الخرطوم، الجزيرة والنيل الأبيض)، لذلك قانونياً ليست لديهم مشكلة حسب قوله.
حسناً هذه كانت إفادة المدير ولكن للملاك رأي مختلف، حيث رفعت اللجنة المفروضة منهم شكوى لرئاسة مجلس الوزراء، وحسب ممثل المتضررين في اللجنة ومستشارهم القانوني مدثر النعيم في حديث لـ (الإنتباهة) فقد أصدر المجلس قراراً بتشكيل مجلس للتحقيق والتقصي حول مظلمة المتضرين.
وقد فرغت لجنة التقصي التي شكلها وزير شؤون رئاسة مجلس الوزراء عمر مانيس من عملها ورفعت تقريرها وتوصياتها إلى الوزير يوم 27 أكتوبر بعد 12 اجتماعاً عقدتها لهذا الغرض، وباشرت اعمالها برئاسة كبير مستشاري وزارة العدل وممثل وزير مولانا قريب الله مصطفى والاستاذ عادل عبد الرحمن ممثل وزارة الزراعة والموارد الطبيعية بولاية الجزيرة والاستاذ صلاح الدين عثمان ممثل إدارة مشروع سندس والاساتذة سامي الإمام حنان ومحمد سليمان فضل الله ومدثر النعيم كممثلين للمتضررين، وغياب مسجل عام تسجيلات الأراضي عن جميع اجتماعات اللجنة البالغ عددها أحد عشر اجتماعاً.
محاور المظلمة:
قسمت اللجنة المظلمة الى خمسة محاور رئيسة، أولها أراضي الملاك التي تم نزعها بموجب القرار الجمهوري والقرارات المصاحبة له، وثانيها المشكلات البيئية والصحية الناتجة عن السياسة الزراعية للمشروع، وثالثها الفساد الإداري والمالي وحرمات القرى حول المشروع إضافة للتنمية.
اقتربت النهاية:
ويقول مدثر النعيم المحامي ان مجلس التحقيق توصل من خلال المستندات المقدمة وأقوال الأطراف إلى أن الأراضي نزعت بموجب القرار 95/1993 والقرارات المصاحبة الصادرة عن رئاسة الجمهورية آنذاك ولمدة 30 عاماً منذ 93م وحتى كتابة هذه السطور، فقد تبقى حوالى عام ونصف العام تعود بعدها الأرض المنزوعة لأصحابها تلقائياً.
وفي ما يخص المظلمة البيئية فقد اتضح من أقوال المتضررين المتمثلة في وزارة الصحة الاتحادية وأقوال الوالي السابق وأقوال مساعد المدير العام للمشروع الرشيد الركابي، اتضح أن هناك اضراراً بيئية وصحية نتجت عن زراعة (الرودس) ولم تعالج الإجراءات التي اتبعت المشكلة.
مطلوب لجنة مختصة:
وبما أن أوان الرحيل قد ازف فسنتجاوز نقطة التلوث البيئي الذي خلفه المشروع من خلال (الرودس) قدر الإمكان، وسيكون تركيزنا على الأرض التي يجب أن تعود لأصحابها بعد عام ونصف العام، مع التعويضات الواجبة عن النزع والاستثمار طوال ثلاثين عاماً والتي لا يعلم غير الله في أي جيب او خزانة دخلت.
لجَنة منفصلة:
اما حرمات القرى فلم يستطع المجلس الفصل فيها لأنها تحتاج لجهة فنية وهندسية وخرائط ورفع مساحي لتحديد التعدي من عدمه، وتضاربت أقوال الأطراف وكذلك غاب ممثل مسجل الأراضي عن جميع الاجتماعات، ومن ثم أوصى المجلس بتشكيل لجنة مفصلة من الجهات المختصة للفصل في هذا الجانب.
لعناية إزالة التمكين:
إذا ولجنا إلى الفساد المالي وهذا هو مربط الفرس في هذا التحقيق، فالأمر ليس بيد مجلس التحقيق، إذ انه يحتاج إلى تحقيق خاص من ديوان المراجع العام، حيث قدم ممثلو المتضررين سندات أسهم، وجاء في أقوال فتحى محمد علي إدريس أمام مجلس التحقيق انهم لم يستلموا قيمة اسهمهم منذ تأسيس المشروع وحتى اللحظة.. اما مأمون السني فقد قال إن الشركة تسلمت مبالغ مالية من شركة (بترودار) والهيئة القومية للكهرباء لتمرير خط البترول والضغط العالي، ولم تقدم الشركة ما يفيد انها سلمت هذه المبالغ لأصحابها، وقد ذكر مستشار الشركة أن (بترودار) قامت بتسليم المبالغ الى اصحابها مباشرة دون تدخل من قبل المشروع، ولكن المتظلم احمد الزبير ذكر أنه لم يستلم إيجار أرضه منذ قيام المشروع وحتى الآن، وهذا يستدعي مراجعة مالية وقانونية، ومن ثم فقد اوصى المجلس بتحويل الملف الى لجنة إزالة التمكين أو أية جهة تحكم بعدالة في القضية.
وبخصوص تنمية المنطقة فالمشروع لم يقدم ما يفيد بانه قام بالتنمية، ومن ثم اوصى مجلس التحقيق بالزام المشروع بتخصيص مبلغ من عائداته ليعود على المنطقة في شكل خدمات، وبعض القرى بسبب عدم الخدمات تأثرت بزراعة (الرودس) وكثافة المسكيت وكثرة المياه الراكضة وتراكم البعوض وعدم إمكانية الوصول إليها. ورغم أن المشروع جاء لخدمة السكان ولكن أهله نزحوا وتركوه للأسباب أعلاه، ولا توجد خدمات ولا شيء سوى (الرودس). ويقول عضو اللجنة بروفيسور محمد سليمان ان إدارة سندس عندما شعرت بأن التوصيات انحازت للمتضررين بدأت تقدم خدمات جيدة، ففتحت بعض الشوارع، ولولا عمل اللجنة لما حققوا بعض المطالب. ولكن هل تشفع هذه الخدمات لسندس بالبقاء في أراضيهم بعد انتهاء أجله؟
أين الإيجارات
بروف محمد سليمان قال: المهم في الأمر أن الشكوى الأساسية هي أن سندس نزع أراضي الملاك بنسبة 100% في حين أن القرار أعطاه 40% من ملك العين و50% لمدة 30 سنة من ملك المنفعة، فمن أين حاز سندس هذه الصلاحيات؟ ولماذا عطى الملاك أرضاً أقل قيمة وحولوها لملاك آخرين؟ الملاك رفضوا التحويل وامتنعوا عن الزراعة في الأراضي الجديدة منذ 2007م.
وكونه لم تزرع فسندس زرعها أو أجرها لمستثمر طيلة الـ 14 سنة هذه، ولم يتسلم المالك قيمة إيجار التي رفضت التحويل؟ إذن الإيجارات إلى أين ذهبت؟
الملاك عبر ممثلهم في اللجنة طلبوا تحويل الموضوع إلى ديوان المراجع العام لمعرفة أين ذهبت الإيجارات ولماذا لم تدفع لأصحابها؟ ولماذا تدفع الإيجارات فقط لمن يوفق وضعه مع سندس؟ كما طالبوا باعادتهم لمواقعهم وتساءلوا: ما ذنبنا اذا الأراضي أعطيت لمستثمر؟
ويقول مستشار الملاك مدثر النعيم: (سندس تأخذ شهادة بحث وتعطي صاحب الأرض حواشة، فهل تملك سندس سلطة إيجار أراضي الملاك دون موافقتهم وهم يحملون شهادة بحث؟) هذا ما يحدث في سندس وفاقم المشكلة.
الوقت غير مناسب:
وذهبت لمقابلة مدير المشروع المهندس الطيب محمد الطيب لأخذ إفادة عن توقعتهم لمآل المشروع بعد عام ونصف العام، وجزاه الله خيراً فقد استقبلني استقبالاً طيباً، الا انه اعتذر عن التصريح باعتبار ان الأجواء السياسية غير مناسبة للتصريح ووعدنا بالافادة لاحقاً.
ولأن توصيات اللجنة قد رفعت لوزير شؤون مجلس الوزراء عمر مانيس وهي في انتظار قرار منه، ننشر هذه الحلقة قبل صدور القرار، على أن نكمل في حلقة أخرى ما تبقى من الملف.. فانتظرونا في الحلقة القادمة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى