الأمن الشعبي .. أخطبوط (الإنقاذ) القمعي

إعداد: القسم السياسي
استردت اول امس لجنة إزالة التمكين أكبر شركات ما يسمى جهاز الأمن الشعبي التابع للنظام (الانقاذ) المدحور، حيث تم استرداد كل الأسهم التابعة لشركة (هولبورج) وهي تمثل احدى الواجهات التمويلية لذلك الجهاز القمعي الذي اشتهر بارتكابه العديد من الأعمال التعسفية والدموية ضد الطلاب والشباب الذين خرجوا عبر انتفاضات ضد النظام آنذاك .
لكن كيف تمدد ذلك الجهاز وما هي آلياته ومتى تم إنشاؤه؟ فعبر هذا التقرير نحاول الإجابة عن تلك التساؤلات عبر معلومات استقيناها من عدة مصادر.
يقول موقع (العين الإخبارية) ان الأمن الشعبي أسسه زعيم الحركة الإسلامية السياسية حسن الترابي، عام 1976م كجهاز معلوماتي لخدمة التنظيم الإخواني، وتغلغل في المجتمع بشكل سري، وكان موازياً لجهاز الأمن والمخابرات في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري.
وتمدد الأمن الشعبي في البلاد حتى أصبح أداة القمع الأولى، ويمارس القتل والتعذيب بلا تورع، لا سيما خلال السنوات العشر الأولى من حكم الإخوان للسودان (1989 ــ 2000م) التي شهدت أبشع أنواع البطش للسياسيين ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضين لسلطة الحركة الإسلامية السياسية.
ويقوم عمل الأمن الشعبي على زرع عناصره وسط الأحياء السكنية بصورة تصعب معرفتهم وقد يكونون مواطنين عاديين متعاونين، بغرض جمع أكبر حجم من المعلومات لخدمة أجندة التنظيم الإخواني الإرهابي.
وبعد انقسام تنظيم الحركة الإسلامية السياسية عام 1989م اهتز الأمن الشعبي، حيث ذهب بعضه مع عمر البشير والآخر مع حسن الترابي، قبل أن يستجمع قواه مجدداً ويعود للمشهد بصورة أكثر دموية.
مهام خفية
ويتولى الأمن الشعبي إلى جانب جمع المعلومات وقمع الخصوم، مهمة اختيار المسؤولين بالدولة، حيث لا يتم تعيين أي وزير أو موظف رفيع في الحكومة إذا لم تتم إجازته من قبل جهاز الأمن الإخواني، وذلك من أجل المحافظة على سلطة الحركة الإسلامية السياسية من الاختراق.
ووفق مقربين فإن الأمن الشعبي يشترط أن يكون كل وكلاء الوزارات الاتحادية من عناصره المنظمة ولا يسمح بسواهم، وكان ذلك يسري طوال فترة حكم الإخوان للسودان من 1989م إلى أبريل 2019م.
أعمال إرهابية
وفي عام 1995م قام نظام الانقاذ البائد بمحاولة اغتيال فاشلة للرئيس المصري محمد حسني مبارك، حيث أشارت المصادر الى أن عناصر من الأمن الشعبي شاركت في التخطيط والتنفيذ، وقالت المصادر إن المشاركين تمت تصفيتهم بأساليب وحيل مختلفة .
كذلك للجهاز علاقات مباشرة بعدد من الجماعات المتطرفة داخل وخارج السودان، واستخدم الجهاز هذه الجماعات فى عمليات تهريب السلاح، فعلى المستوى الداخلى هناك علاقة قوية للجهاز بجماعة (التكفير والهجرة) التى تعد الأقدم بين الجماعات من ناحية التأسيس، ومعظم أعضائها كانوا من المنتمين للحركة الإسلامية، وتم زرعهم داخل هذه الجماعة بواسطة الجهاز حتى تتسنى له السيطرة، وتوجد هذه الجماعة بصورة أساسية فى ولايتى الخرطوم والجزيرة، ولهذه الجماعة مقار سرية لعضويتها ولكنها معروفة للجهاز، وتُخزن فيها كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمفرقعات مختلفة الأنواع، أما على المستوى الخارجى فإن للجهاز علاقة بجماعة (أنصار الشريعة) التى تنشط فى ليبيا بصورة ملحوظة.
وعقب قيام انتفاضة ديسمبر المجيدة وضعت قوات الدعم السريع يدها على أحزمة ناسفة وأسلحة ومتفجرات وأجهزة اتصالات حديثة وذلك في منطقة شرقي الخرطوم، ووجهت أصابع الاتهام لجهاز الأمن الشعبي التابع لنظام الانقاذ.
قمع الانتفاضات الشعبية
وبحسب موقع صحيفة (الموجز) الالكترونية المصرية، فإن جهاز الأمن الشعبى لعب دوراً فعالاً فى إخماد انتفاضة سبتمبر 2013م، وذلك من خلال محورين أساسيين، أولاً حل سياسى، وتم ذلك بعد الاتصال ببعض المصادر القيادية فى بعض التنظيمات الحزبية السياسية، حيث قضى الاتفاق معها على رفض دخول تنظيماتها كأجسام سياسية، وإلا فإن العنف الذى سيُقابل بعنف يُمكن أن يُطول القيادات فى حال انفلات الزمام، وتحديداً فى أحزاب المؤتمر الشعبى وحزب الأمة والحزب الاتحادى الديمقراطى، ولذلك يجب أن تُقاوم رغبات أحزابها فى الدخول للمعترك والمشاركة فى المظاهرات، وذلك بدعوى أنها ستؤدى إلى خلق مشكلة كارثية فى السودان نتيجة تدخل إقليمى متوقع لمؤازرة الحركات المُسلحة، مما يُمكن أن يُصعب من الحلول السياسية للمشكلة فيما بعد.
أما الحل الأمنى فتمثل فى منع الأجهزة النظامية الأخرى مثل الشرطة والقوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات (الرسمى) من المشاركة فى إخماد تلك المظاهرات، والاكتفاء فقط بتأمين منشآتهم والمنشآت الأخرى المهمة فى الدولة، وبالفعل تحركت (كتيبة الطوارئ) التابعة لجهاز الأمن الشعبى فى كل أرجاء ولاية العاصمة المُثلثة وضواحيها، وتتكون (كتيبة الطوارئ) من كوادر اختيرت بعناية من عدة إدارات مختلفة فى الجهاز، وتلقت تدريبات خاصة شملت كل شيء، وتمتلك أسلحة خفيفة متطورة جداً ومعدات أخرى على ذات النمط، بجانب أن لديها تعليمات بصورة مُطلقة باستخدام كل الوسائل، وانطلقت فى شوارع العاصمة المُثلثة وهى تُمارس ما تدربت عليه لأول مرة لسنين بتلك الصورة الواسعة والكبيرة، وأصبحت هذه الكتيبة هى المسؤولة عن مقتل جميع المتظاهرين فى انتفاضة سبتمبر 2013م.
إرهاب نائب الرئيس
وذكر موقع (الراكوبة) الالكتروني في وقت سابق أن مصادر مطلعة قالت لـ (الراكوبة) ان الفريق اول بكري حسن صالح الذي تولى منصب نائب الرئيس المخلوع ورئاسة الوزراء زاد من افراد الحراسة الذين يتناوبون على حراسته في القصر الجمهوري وفي المنزل، وخاصة بعدما علم ان كثيرين داخل حزب المؤتمر الوطني لا يؤيدون صعوده في المناصب.
وأخيراً ظل البشير يعتمد على مجموعة محدودة من العسكريين مقابل تهميش المؤتمر الوطني الذي خرج من دائرة التأثير في القرارات المهمة، التي اضحت حكراً على دائرة ضيقة تحيط بالبشير جلها من العسكريين.
وقطعت المصادر التي تحدثت لـ (الراكوبة) وهي وثيقة الصلة بالحركة الاسلامية والامن الشعبي، بأن زيادة افراد حراسة بكري تعود ايضاً الى أن بكري تلقى تهديداً شديد اللهجة من جهاز الأمن الشعبي المحسوب على الحركة الاسلامية، وذلك بعدما طالب بكري في مرة سابقة بحل جهاز الامن الشعبي.
ولفتت المصادر الى حادثة اغتيال احد افراد حراسة بكري حسن صالح تمت بطريقة غامضة، مما جعل كثيرين يفسرونها بأنها رسالة تهديد من جهاز الامن الشعبي الى بكري لانه يسعى لتجفيفه. وقالت المصادر: (إن حادثة اغتيال احد افراد حراسة بكري كانت بمثابة رسالة بحروف من دم في بريد بكري حسن صالح).
واشارت المصادر الى ان حُراس بكري حسن صالح يصل عددهم الى ثلاثين فرداً، يتحركون معه في اية فعالية يشهدها خارج القصر الجمهوري. وقالت المصادر ان عدد حراس بكري أكبر من عدد حراس البشير نفسه، مما يمكن تفسيره بأنه مرتبط بخوف بكري وعدم ثقته في قادة حزب البشير وحركته الاسلامية وجهاز امنه الشعبي.
مازال اللغز مستمراً
وحتى الآن لم يُزح الستار عن كواليس جهاز الأمن الشعبي وما قام به من اعمال إرهابية سرية ودوره المؤثر في ظل النظام البائد، وهو أمر يبدو صعب المنال في ظل وجود قوي ومؤثر حتى الآن من عناصر النظام القديم في العديد من مفاصل الدولة المختلفة

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى