السودان: سهير عبد الرحيم تكتب: أبكي أباك يا رباح

قال لي الصديق العزيز والقنصل السوداني السابق في الأسكندرية محمد حمد قال لي : ( توقعت أن تكوني أول شخص يكتب عن وفاة السيد الإمام الصادق المهدي عليه رحمة الله..!! لماذا لم تكتبي …!! ) .
قلت له دعنا أولاً نبكي الإمام جيداً… كما اني أنتظر أن ينفض مولد قال لي الإمام و أقترح علّي المرحوم و كان قد تشاور معي الصادق المهدي و ضحك معي و عقدنا أتفاقاً و أشاد بي و…و… الى آخره من الروايات التي يحكيها البعض عقب وفاة أحدهم ، وما عليك الا الصمت فمن أين لنا بألسنة الذين رحلوا ليصدقوا او يكذبوا روايات مابعد موتهم . أقول انتظرت أنفاض سامر القصاصين ،
ويممت وجهي صوب بيت الامام بالملازمين ، كنت كمن يحمل عبئاً ثقيلاً لدخول بيت الامام ، لم أكن أخشى الإنهزام امام ابنائه عبدالرحمن وبشرى ومحمد او بناته مريم و رباح وغيرهما ، لكني كنت أخشى لقاء سكرتيره الخاص وظله وعينه ورفيق دربه محمد زكي . نعم محمد زكي ذلك الرجل الذي كان يتوضأ من مشراب طهره و يضيء قناديل الفجر بتعويذة الحبيب و يتسكع في دروب الوفاء لا يمل الإنصات ولا يضجر من سؤال ، هو حالة سيولة في حب الامام غير قابلة للجفاف او النضوب . زكي كان بالنسبة لي روح الإمام و صندوقه الأسود حافظ خطاويه و درويش محراب حبه ، زكي الذي جاب مع الامام كل العالم ثلاثة مرات ، كان على استعداد ليجوب معه العالم مجدداً ثلاث و خمس وعشر مرات دون ان تنطلق منه تنهيدة .
وصلت بيت الإمام الحبيب الصادق المهدي عليه رحمة الله عقب صلاة العصر و في اليوم الرابع للعزاء ، جلست داخل العربة لأكثر من ساعتين دون ان استطيع الدخول للبيت ، لأول مرة أحس ان خطاي تتثاقل في طريقها الى المنزل كنت كمن يحمل عبئاً ثقيلاً لدخول بيت الامام سحبت زجاج السيارة قليلاً فجاءني صوت المقريء وهو يتلو آيات من سورة الواقعه عبر المايكرفون ، انتظرت حتى أنتهت التلاوة ثم سرت الى المنزل امام منزل الامام وقف محمد زكي يخفي نصف وجهه خلف الماسك الطبي ولكن عيونه كانت تحكي اللوعة و اليتم و التوهان ، لأول مرة ألتقي زكي دون ان يكون متهللاً بشوشاً وهويسبقك الخطى الى صالون الامام . رفعت يدي بقراءة سورة الفاتحة فلم أدري هل كانت ترتجف يداي أم يدي محمد …!! لم أبكي و لكني أحسست بقلبي وكأن أحدهم يعصره كما نعصر قطعة ملابس في الغسيل من الماء . لأول مرة يأتيك صوت زكي متحشرجاً بالعبرة دون ان يكون حديثه اهلين استاذة اتأخرتي مالك الامام موجود بس ضيوفه ما طلعوا ..!! لأول مرة يتحدث معك زكي بلغة حزينة و قلب مذبوح و خاطر مكسور و عين دامعه ، لأول مرة يقف زكي في الحديقة دون ان يهرول الى أعلى عبر السلم العتيق وهو يقول ياحبيب الجماعه جوا سواء أكنا مجموعة او فرادى . حين كنت اتابع الاخبار السيئة عن تدهور صحة الامام كنت أسرع. بالاتصال ب زكي للأطمئنان ولكن صوته المرتجف رغم محاولاته اليائسة للصمود و إنكار الواقع كانت تؤكد ان مرض الامام إيذاناً بالرحيل . وحين بلغني نبأ رحيل الامام أول من تبادر الى ذهني محمد زكي ، كيف يستطيع تدارك فجيعته تلك بل كيف يتدارك الوطن الفجيعه الاكبر قطع حبل أفكاري صوت زكي وهو يقول اتفضلي …سرت بمحاذاة زكي حتى وصلت الصالون الارضي دخلت و جلست على أريكة عتيقة متوسطة الطول سندت رأسي على ظهر المقعد ورفعت عيوني الى أعلى لأجد في مواجهتي على الحائط الآية القرآنية ١٠٥ من سورة الانبياء منقوشة في برواز ذهبي بأمتداد نصف الحائط (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّالِحُونَ) …
وفي الحائط المقابل لوحة فنية باذخة الجمال لخيول عربية مذهبة وهي في حالة ركض بعضها خلف بعض . انتظرت قليلاً و زكي يأتي الي كل حين بواحد من ابناء الامام لنقوم بقراءة سورة الفاتحة مجدداً على روح الامام. بعدها خرجت من الصالون مسرعه الى الحديقة وأنا اشعر بأختناق و غصة و غربة في غياب الامام ، سألت زكي ماكان آخر حديث للأمام …؟ قال لي قبل سفره طلب أن أتيه بكشف يحوي اكثر من ٣٥ أسرة من الايتام و الارامل و المحتاجين كان قد تعود ان يصلهم منه مرتب ثابت بداية كل شهر ، وحين كان قد تبقى على بداية الشهر عدد من الايام قلت له مازال الوقت مبكر قال لي الافضل أن ننجز هذا الظروف ما معروفة . ثم أوصاني بنحت الآية الكريمة (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الآية (٢٥) من سورة الحديد . وأوصاني أيضاً بنحت الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) الآية (١٣٥) من سورة النساء
وطلب تعليقهما في مكتبه ، وحين سافر الى الامارات للعلاج قمت بزخرفة الآيتان و نحتهما و تعليقهما في مكتبه و قمت بتصوير الآيتان القرآنيتان بالفيديو وطلبت من مرافقيه ان يشاهدهما ، و قد اعجب بهما كثيراً
خارج السور:
قبل أن يخوض الزير سالم حرب البسوس أنتقاماً لمقتل أخاه كليب بن ربيعة كان يمر بفترة نواح و بكاء و عويل أستمر لعدة أشهر حتى بدأت ابنة اخاه وشقيقته تقللان من قدرته على ادارة الحرب .
رد عليهم الزير سالم حينها قائلاً أبكوا كليباً ….أبكوا اخيكم …ثم اشهر سيفه و مارس التقتيل في بني شيبان و احلافهم قبيلة بكر بن وائل لعدد من السنوات أستمرت أربعون عاماً .
لذلك فأنه آوان البكاء يا رباح … البكاء فقط أبكِ أباك

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى