ماذا يقصد كرم الله..؟

أن يتبرّع والٍ في أحد أهم ولايات السودان، بوصف واضعي سياسات الدولة بأنهم أناس مضطربون ..!! والسياسات نفسها مضطربة ..!! فهذا يعني الكثير والكثير جداً، ويعقد حاجب الدهشة لكل من سمع وقرأ ما قاله والي ولاية القضارف …!الذي عليه إما العمل والياً تحت قيادة من وصفهم بالمضطربين وسياساتهم المضطربة أو يتقدّم باستقالته فوراً للأسباب التي ساقها، فذاك أكرم له وأجدى من التأرجح بين الرغبة والرفض
يمكن لهذا الحديث أن يصدر عن أي مواطن عادي أو مراقب من بعيد أو قريب لا يتوفر على كل زوايا الصورة وأبعادها، لكن مجرد صدوره من والي ولاية يلتقي برئيس الجمهورية ونوابه ومساعديه والوزراء الاتحاديين وكبار مسؤولي الدولة، ويناقش مع كل مستويات الحكم قضايا ولايته ويشارك هو بنفسه في وضع السياسات المتعلقة بالولايات وتخصيص الإيرادات لها وكيفية أخذ أنصبتها من أموال التنمية والدعم في بنوده الممركزة وغيرها، فإن كل هذا يدعو للاستغراب والدهشة والتعجب…
ومن عجب أيضاً أن الحكومة الاتحادية وقيادة الدولة لا تأبه كثيراً لمنتقديها من الولاة وتترك لهم الحبل على الغارب ليفعلوا ما يريدون، بعد أن تلاشت القبضة الصارمة وتعضدت سلطة الولاة كونهم جاءوا بالانتخاب من الجماهير مباشرة، وهذا أغراهم بكشف المحجوب والمستور ، ومنهم من يجرؤ على الكلام المباح وغير المباح، الخطير في هذا الأمر أن تصريحات الولاة ومخاشنتهم للمركز وتزيُّدهم السياسي عليه تارة بالتهميش والظلم وعدم إيفاء المركز بما عليه للولايات، يكون في الغالب مدعاة لهذا النوع من الأحاديث التي يقصد بها الرأي العام المحلي داخل الولاية قبل أن يكون سهماً يتصيّد ويترصد مقاتل المركز وحكومته الاتحادية..
وهذه النماذج موجودة في عدد من الولايات، فهناك ولاة غاضبون بطبيعتهم وجبلاتهم التي هم عليها وطويتهم التي بين جنباتهم، مثلما هناك ولاة يؤثرون السلامة ويمشون كما يقول عرب دارفور الفُصاح «بين الضل والحراية».! بيد أن الولاة أنفسهم خشوم بيوت وخيار وفقوس في مدى قربهم وابتعادهم عن المركز، وهناك أولي الخبرة والدراية والكياسة والحصافة والتحاذق يعرفون كيف تؤكل الكتف وكيف «يجزون صوفة من شنب الأسد»، وهناك من لا يلوي على شيء ويقول كلمته ويمشي ولا يلتفت لما تخلفه وراءها وليكن ما يكون.
إن من أهم مقومات السلطة الراشدة الولاء التنظيمي، والتقيُّد بالمسؤولية الكاملة في تراتيب الدولة ونظمها وقوانينها، وحسن تدبير العلاقات الأفقية والرأسية فيها واحترامها، والعمل لإبداء الرأي من داخل مؤسسات صنع القرار مهما ضعفت وبهت لونها وذهب ريحها، فهي المكان الأوفق للنقد الذي لا يمكن أن يذهب للهواء الطلق ولا ينبغي له، إلا في حال واحدة أنه خاتمة المطاف ولا شيء سواه ويحرق بعدها صاحبه كل مراكبه وينصرف ….!
ولا يعني هذا أن في المركز ما يغري بالتأدُّب والصمت واختيار السوح الداخلية لممارسة التمرينات الساخنة في القول والانتقاد والتصريح والتلميح، فكثير من منافذ التناصح وقول الحق ضيّقت وسدت إلا خِرَقاً ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع، فحاجة الحكومة الاتحادية وقيادة الدولة للاقتراب أكثر من هموم الولايات هو الدريئة الوحيدة من أي تفلّت والخروج عن النص، وحتى لا تكثر الـتأويلات وتذهب بالناس الظنون…
تجربة الولايات وعلاقتها بالمركز وعامل الاستمزاج الشخصي في متانة العلاقة وضعفها، وبين الوالي والقيادة هنا في الخرطوم، يجب مراجعتها وضمان سلامتها حتى لا يتحوّل الوصف من الاضطراب لشيء آخر لا تحمد عقباه…   
 

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى