بعد المصالحة الخليجية مع قطر.. قناة (الجزيرة).. هل غيرت خطها الإعلامي؟

الخرطوم: أحمد طه صديق
تعتبر قناة (الجزيرة) التي تم تأسيسها في نوفمبر عام 1996م من أكثر القنوات العربية إثارة للجدل وأكثرها مشاهدة على الإطلاق، فقد بدأت بميزانية قدرها خمسون مليون دولار، وسرعان ما توسعت في خدماتها المقدمة بعدد من اللغات الحية وشبكة ممتدة على الصعيد الإقليمي والدولي بشكل واسع، وكانت
أحدث سبتمبر 2011 وما تبعها من تداعيات تمثل الانطلاقة الحقيقية للقناة، حيث كانت القناة الوحيدة التي بثت شرائط لزميل القاعدة الراحل أسامة بن لادن، وتمكنت من نقل أحداث الحرب في أفغانستان على الهواء مباشرة، ثم كان لها القدح المعلى في السنوات القليلة الماضية في نقل أحداث ثورات الربيع
العربي بشكل مباشر مع إجراء الحوارات والتحليل داخل وخارج الإستديو، وهو ما قاد لاتهامها بأنها كانت الفتيل المباشر لتأجيج تلك الأحداث، كما أن التيار المناوئ للإخوان المسلمين على اختلاف خلفياته الفكرية اعتبرها ذراعاً إعلامياً لحركة الإخوان المسلمين .
اتهامات بالجملة
ولم يكن اتهام القناة بموالاة الثورات العربية وحده، بل قبل ذلك بكثير برز عدد من الاتهامات ضدها بأنها تسببت في اغتيال عدد من المجاهدين الفلسطينيين البارزين بعد إجراء بعض الحوارات مثل الرنتيسي وسعيد صيام القياديين في حماس، بالإضافة إلى رموز سياسية اخرى بواسطة المخابرات الباكستانية مثل
رئيس جماعة جند الله السنية عبد الملك ريغي، وكذلك أحد زعماء القاعدة الشيخ بن الشيبة، وأخيراً القيادي البارز في حماس محمود المبحوح الذي اغتيل في الإمارات العربية في التاسع عشر من يناير 2010م بواسطة الموساد الإسرائيلي.
وربما موقع (إيلاف) السعودي الذي يديره الليبرالي السعودي المقيم في المغرب هو الأكثر وضوحاً في شن اتهامات قوية للقناة بضلوعها في عمليات اغتيال الكثير من الشخصيات العربية التي قامت بمحاورتها، ويقول المحلل السياسي سالم جمعة في عام 2010 عندما سأله الموقع حول انطباعاته عن
الاتهامات التي توجه لقناة (الجزيرة) القطرية في هذا الشأن قال: (إن الفصل لم يعد ممكناً البتة بين اعتقال أو اغتيال نشطاء وبين استضافة القناة لهم على الشاشة، لأن المعلومات التي بحوزة اجهزة استخبارية عربية تشير إلى أن الفضائية القطرية تستخدم وسائل الإلحاح الشديد تجاه من ترغب في استضافتهم،
وعلى منعطفات الطرق المسدودة تلجأ إلى المغريات المادية لاستمالة الضيوف الذين يتجنبون غالباً وسائل الإعلام لأسباب أمنية، وكي لا تشكل إطلالتهم الإعلامية وسيلة لتعقبهم وبالتالي تسهيل مهمة الإيقاع بهم إما اغتيالاً أو اعتقالاً، إذ إن قائمة البراهين طويلة جداً، لكن الغريب جداً أن يختفي هولاء النشطاء
سنوات طويلة جداً بلا أي ظهور إعلامي، يكونون خلالها في مأمن تام، حتى أن أجهزة استخبارات محترفة تلاحقهم في الليل والنهار دون أن تتمكن من النيل منهم، لكن مقابلة بسيطة للفضائية القطرية كفيلة بالإيقاع بهم بسهولة تامة)!! ويستطرد المحلل سالم جمعة حديثه باتهام القناة بالتسبب في مقتل رئيس جماعة
جند الله السنية عبد الملك الذي توصلت إليه اجهزة المخابرات الباكستانية رغم تخفيه في اسلام أباد، ويقول سلمان: (ان إطلالة قصيرة له على فضائية (الجزيرة) في برنامج (لقاء اليوم) بعدها سلمته باكستان إلى إيران التي تطالب برأسه حياً أو ميتاً لمسؤوليته عن هجمات دموية ضد منشآت إيرانية، رفضاً
لحكم الملالي في إيران)، ويقول المحلل إن إيران كانت تبحث عنه دون هوادة، وحاولت اصطياده أكثر من مرة، إلا أنه كان يفلت باستمرار من قبضة المخابرات الإيرانية، ووفقاً لسلمان فإن مقابلة لقناة (الجزيرة) عبر برنامج (سري للغاية) الذي يقدمه مقدم البرنامج المستقيل من القناة صبري يسري، كانت
كفيلة بإيقاع العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمر عام 2010م خالد شيخ محمد الذي ظهر إلى جانب مساعد مهم جداً له هو رمزي بن شيبة وهما مغطيا الوجه ليرويا ما سمياه بالطريق إلى غزوتي واشنطون ومانهاتن في إشارة إلى استهداف برجي مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع
الأمريكية (البانتاغون)، إذ بعد أيام على إذاعة (الجزيرة) للبرنامج كانت قوات من المخابرات الباكستانية تحاصر مقر اختباء شيخ محمد وبن شيبة في إحدى قرى إسلام أباد، وتقوم لاحقاً بتسليمهما للولايات المتحدة الأمريكية.
قناة (الجزيرة) تنفي
لكن من جهة أخرى نفى مسؤول في قناة (الجزيرة) آنذاك لصحيفة (الوطن) الكويتية أن تكون القناة قد انتجت او ساهمت في إنتاج فيلم (التبادل) الذي احتوى على مقابلة مع القيادي في حركة حماس محمود المبحوح الذي اغتاله المساد الإسرائيلي في دبي، ويظهر الفيلم الذي بثته (الجزيرة) عقب عملية
الاغتيال وهو يعترف بخطف وقتل جنود إسرائيليين، ويأتي نفي قناة (الجزيرة) في اعقاب تصريحات نشرتها صحف إسرائيلية بأن المقابلة مع المبحوح التي بثتها (الجزيرة) ساهمت في التعرف على المبحوح لتصفيته، بيد أن المسؤول في قناة (الجزيرة) قال (للوطن الكويتية) إن قناته لم تنتج فيلم (التبادل) ولم
تساهم بأي شكل من الأشكال في تمويل إنتاجه أو العمل عليه، وأضاف أن الفيلم صور على خلفية برنامج تبادل الأسرى بين إسرائيل وبعض الفصائل الفلسطينية وأبرزها حركة حماس. وأوضح أنه لا يتذكر هوية منتج الفيلم ومتى أشترته القناة أو متى تم تصويره، وقال: (نحن اشترينا الشريط من منتجه الذي
يوجد في الأردن، وقررت القناة بثه بعد عملية الاغتيال التي تعرض لها المبحوح)، وأضاف قائلاً: (أوضحنا اكثر من مرة أن قناة (الجزيرة) ليست مسؤولة عن إنتاج الفيلم، ولم نبين حتى حين عرضه أنه خاص بنا أو من إنتاجنا(.
ماذا قال الخبراء الأمنيون عن الاتهام؟
ويرى العديد من الخبراء الأمنيين أن قناة (الجزيرة) يصعب اتهامها بالتورط في الاغتيالات أو الاعتقالات التي تمت للعديد من الرموز الفلسطينية أو العربية الأخرى، وذلك من منطلق خطها الإعلامي الذي لا لبس فيه تجاه القضايا الفلسطينية وحركة حماس بصفة خاصة، بالإضافة لتعاطفها الواضح مع تيارات
الإسلام السياسي في المنطقة، لكن لا يستبعدون أن تكون تلك اللقاءات التي أجرتها القناة قد تسببت فيها دونما قصد في تصفية واعتقال عدد من تلك الرموز المستهدفة من أجهزة المخابرات العالمية أو الإقليمية، فقد تكون تمكنت من تتبع المكالمات التي أجرتها القناة مع الكوادر الوسيطة التابعة لهولاء الرموز
باعتبار أنها تعلم توجه القناة وإمكانية القناة للوصول لهم نسبة للثقة التي تتمتع بها لديهم، فضلاً عن حاجتهم لإيصال رسالتهم في قناة تعتبر هي الأكثر مشاهدة على صعيد المنطقة بأسرها، وكنت في عام 2010م قد اتصلت بالخبير الأمني حسن بيومي عبر الهاتف حول هذه القضية، فقال لي إن أجهزة
المخابرات العالمية لها مصادر متعددة، وليست بالضرورة أن تستقيها من مقابلات الفضائيات، وإن عمليات الاغتيال تحتاج إلى تخطيط دقيق لدراسة مسرح العملية وجمع المعلومات من مصادر متعددة، وهو ما درج عليه الموساد الإسرائيلي، وحين سألته عن احتمال تنصت الموساد على اتصالات قناة (الجزيرة)
أو بواسطة مخابرات دول صديقة نفى بيومي هذا الاحتمال، كما استبعد أن تكون المعلومات قد تسربت من القناة بشكل أو بآخر عن مكان الشخصيات المستهدفة للأجهزة المخابراتية المختلفة، مشيراً لاحتمال تسريب المعلومات من مصادر أخرى ربما من داخل الجهات التي تتبع لها الرموز التي تم استهدافها،
واوضح أن المخابرات تتبادل المعلومات فيما بينها، وهو أمر متاح في قضية المبحوح أو غيرها .
ضغوط متواصلة
وفي أعقاب سقوط عدد من الأنظمة العربية في تونس ومصر واليمن وثورات مشتعلة دامية في سوريا حتى الآن، أحست العديد من الأنظمة العربية خاصة المحافظة والقابضة بالخطر من تداعيات رياح التغيير، سيما عندما تبين أن جل المحركين لها كانوا من التيارات الإسلامية السياسية والسلفية بشقيها المعتدلة
والمتطرفة، لكن في ما يبدو أن تلك الأنظمة كان أكثر خوفها من تيار الأخوان المسلمين باعتباره ذا نزعة اممية ويسعى لتصدير نهجهم الفكري في المنطقة، علاوة على تحالفه البرجماتي مع إيران، وهي مخاوف كانت مشتركة أيضاً لدى القوى الغربية والولايات المتحدة أيضاً .
ومن هنا فإن دول الخليج خاصة السعودية والإمارات العربية لم تكن راضية عن الخط الإعلامي للقناة الذي تعتبره يشكل دعماً قوياً ومباشراً لحركة (الإخوان المسلمين) ويعمل على تقوية أذرعها الشعبية في المنطقة، مما يهدد استقرار أنظمتها ويمهد تلقائياً للنفوذ الإيراني وبالتالي المد الشيعي .
القناة وثورة ديسمبر
ولعبت قناة (الجزيرة) دوراً إعلامياً بارزاً في نقل حراك الثورة منذ شرارتها الأولى، كما اتاحت للعديد من النخب السودانية المعارضة للنظام التعبير عن آرائهم وجلهم كانوا من قيادات الحرية والتغيير لاحقاً، إذن القناة بالرغم من أنها تميل إلى خط الاسلام السياسي وهو نهج يتبناه نظام البشير البائد، لكنها كانت
الأقرب لجناح الشيخ الترابي، وهو ما دفعها لانتهاز الفرصة بتبني خط  اعلامي مناوئ لنظام الانقاذ إبان حراك ثورة ديسمبر بتوظيف يتخفى حول الحياد الاعلامي بإتاحة الفرص للمعارضين، بالاضافة لعدم رضائها من تقارب نظام الانقاذ مع محور السعودية والدول المساندة في حصارها الاقتصادي قبل فترة
قصيرة من رحيل النظام .
تحول إعلامي
وبعد نجاح ثورة ديسمبر وبروز تيار الحرية والتغيير المناوئ لايديولوجية الاسلام السياسي وعزل جماعتها من المشاركة السياسية ضمن منظومة الثورة، فإن ذلك بدا في خطها الاعلامي لاحقاً.
هل غيرت القناة خطها الاعلامي؟
المعروف انه بعد حصار قطر من قبل السعودية ودول خليجية أخرى أخذت قناة (الجزيرة) بآلية اعلامها القوية تشن هجوماً اعلامياً شرساً تجاه تلك الدول، مما شكل عقبة لاحقاً في التقارب بينها وبين دول المقاطعة، وتقول المصادر إن إيقاف القناة كان ضمن شروط التطبيع مع قطر.
الا أنه بعد المصالحة وفك الحصار المفروض على قطر لمدة تجازوت ثلاث سنوات بقليل، تم الاتفاق على ايقاف الحملات الاعلامية بين البلدين، وبالتالي تغيير الخط الاعلامي الساخن الذي كانت تتبناه قناة (الجزيرة) في مرحلة الخصومة مع تلك الاطراف .
لكن من الواضح حتى الآن، أن القناة لم تغير خطها الإعلامي تجاه الاسلام السياسي، لكن بشكل اقل سفوراً من خلال التوظيف الاعلامي، وذلك من خلال تغطيتها الخبرية وبرامجها التحليلية الموالية، أما تعاطفها مع حكومة ثورة ديسمبر بشقيها المدني والعسكري فهو سيظل في خانة التجمد الشديد، سيما بعد
تقارب الخرطوم مع اسرائيل وتطبيع العلاقات بينهما، لكن من المتوقع أن تتيح فرصاً إعلامية أكبر لجماعة جبريل ابراهيم بعد مشاركتهم في الحكومة، وربما منح فرص أخرى لحزب المؤتمر الشعبي، وستنداح بالطبع بصورة أكثر عند اقتراب الانتخابات العامة في البلاد .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى