محنة الصحافة والمستضعَفين من الصحافيين!!

تواجه الصحافة السودانية مع العسف والتضييق، نوعاً من تسفيه رأيها واحتقار شأنها، كما تفعل بعضُ الجهات الرسمية، للَجْم الصحافة وتدجينها وجعلها مهيضة الجناح، خفيضة الصوت بائسة الأثر تذروها رياح الخوف والرهبة والرغبة..
وصباح هذا اليوم يعلن اتحاد الصحافيين العرب من القاهرة تقريره السنوي عن حالة الحريات الصحفية في الوطن العربي، وبالطبع سيكون موقع السودان متأخراً جداً بعد أن كان لسنوات قبل الربيع العربي في ترتيب لا بأس به نسبة لهامش الحرية النسبي الذي تمتعت به الصحافة من وقت لآخر.. ويلحق السودان بموقعه الذي يعلَن اليوم بمواقعه السابقة في تقارير دولية وإقليمية صادرة عن اتحادات الصحافيين الدوليين والأفارقة والمنظمات المهتمة بالشأن الصحفي وبيئته وظروفه وعوامل وأسباب قهره..
كنا في ما سبق متقدمين حثيثاً، لكننا تراجعنا متقهقرين إلى الخلف، وكان بالإمكان التصاعد للأمام وريادة العالم العربي في مجال الحريات الصحفية، ولم تكن قرارات قصف أقلام الصحافيين وإيقاف الصحف ومصادرتها قرارات تصدر عن الجهات الأمنية، إنما هي قرارات سياسية تؤمَر سلطات الأمن بتنفيذها دون مراعاة لقانون ولا حق التقاضي المشروع الذي يطوِّر تجربتنا في سيادة حكم القانون وإشاعة مفاهيم محتضرة ممارسة الحرية وتحمُّل تباعاتها… أو مراعاة للمظهر السياسي الذي تسبقه الحرية الصحفية على السودان بين أقرانه وأترابه في محيطه العربي والإفريقي..
 بوجود مؤشرات تؤكد أننا في تراجع مهين ومشين في مجال الحريات الصحفية، فإن طامة أخرى تحلُّ بنا وببلدنا في عدم تحمُّل السلطة للنقد وضيقها بالرأي الآخر وتعسُّفها غير المبرَّر في لطم الصحافة وزجرها وقهرها…
ولم نَرَ في عيوب السلطان الباطش بالدولة، عجزاً أكبر من عدم تفهمه لكيفية أخذ الحق وإلزام الصحف الحجة بالقانون، دون الحاجة لليد الغليظة وقتل البعوضة بالمرزبّة كما قال موسى يعقوب قبل عشرين سنة تقريباً..
فالدولة لا يحلو لها ولا يصفو جو إلا وهي قاصمة وقائمة بكعازتها تضرب قفا الصحافة وتكسر عظم ظهرها، في قضايا يسهل التعاطي معها بنص القانون وبالحوار وحسن التوجيه…
ومن عجبٍ أن السياسيين الذين يقفون وراء إصدار قرارات منع الصحف ووأد كلماتها، يملكون ألف وسيلة لإبداء وجهات نظرهم والرد على مخاليفهم وتصحيح ما يرد في الصحف ويُكتب، لكنهم لا يمارسون هذا الحق ولا تستطيع الصحف التابعة لهم رد الغائلة عليهم أو إدارة حوار سياسي وفكر بنّاء وخلاّق يُنهي ويقطع دابر التهاتر والتنابز وعدم الموضوعية الذي تتسم به بعض الكتابات غير اللائقة والكُتاب الذين لا يستنكفون من الولوغ في ما لا يفيد…
لو تُرك كل شيء في حدود المتاح المرشَّد، والمباح الأرشد، لأفرزت التجربة الصحفية الراهنة وحدها ودون تدخل من الدولة وأجهزتها وأدواتها، واقعاً أفضل وأداءً صحافياً يرتقي لمستوى مطلوب في راهن الأوضاع التي نعيشها… لكن لكل فعل رد فعل، كلما تعسفت السلطة وشمَّرت عن زندها المفتول في وجه الصحافة انحدرت الأخيرة للحضيض تلعق جراحاتها، فتصبح إما خائفة مرتعشة وهذه لا خير فيها، أو غاضبة يائسة ليس لديها ما تخشاه فتتلذذ بالانتحار التقسيطي على نصب الحرية الصحفية التي تقدم قرباناً لسلامة السلطة من النقد..
وهناك مفاهيم يجب التواضع عليها في رسم الخطوط والفواصل بين الوطن ومصالحه العليا وواجب الصحافة ودورها الوطني، وبين هواجس السلطة السياسية ووسواسها القهري، وهي تتحسس عضلاتها المفتولة، والصحافة التي لا تعيش إلا في الضفة الأخرى من نهر الحياة العامة ناقدة للسلطة ومنبهة لها ومحذِّرة وإن سلقتها بألسنة حداد…
لقد كان هناك مداد هُريق، طيلة السنوات الماضية، وسالت أحبار كثيرة في مثل هذه المواضيع، وقيل في لقاءات واجتماعات ومكاشفات عديدة عن دور الصحافة الوطني، وواجب الدولة تجاههها، لكن في أي مكان في الدنيا لا تعيش سمكة الصحافة في بر السلطة، مثلما لا تتنفس السلطة الصعداء وهي تعيش وسط حقائق أو توابل الصحافة ونزق معابثاتها أو حتى صدق أقوالها.. فالسلطة تفعل والصحف تقول، وما بين القول والفعل بون شاسع وجسر لا يصل طرفيه حوف الهُوّة الفاصلة… فهل تستطيع أي جهة راشدة تجسير هذه الهُوَّة..
من واجبنا نحن الصحافيين أن نتوحَّد تجاه التعسُّف الذي يمارَس ضدنا، لقد صمتنا جميعاً في مواجهة غول السلطة وهو يلتهم زملاءنا الواحد تلو الآخر بإيقافهم عن الكتابة أو منعهم من ممارسة مهنتهم التي يعيشون منها ويكسبون قوت عيالهم… ولا يجرمننا شنآن قوم أن لا نعدل في مواقفنا، فنحن ضد الجنوح وبذيء القول وساقطه والنقد الشخصي الجارح، لكنه ليس مبررًا لضربة قاضية تجعل الصحفي خارج حلبة الحياة …

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى