مسار دارفور.. متاريس في طريق عـــودة (الإقـلـيـم)!!

زالنجي: بابكر القاسم
عقب سقوط نظام الإنقاذ بعزل الرئيس المشير عمر البشير واستجابة القوات المسلحة للمد الثوري المنادي بالتغيير، وتكوين أو تشكيل الحكومة الانتقالية في السودان بشقيها العسكري والمدني، وفي أولى خطوات الاستقرار السياسي وحلحلة المشكلات الاقتصادية والمجتمعية.. شرعت الحكومة في مفاوضات السلام بين وفد حكومة السودان برئاسة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو وحركات الكفاح المسلح في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، عبر وساطة اتسمت بروح التعاون والنوايا الحسنة، وهذه المفاوضات افضت للوصول لسلام شامل ينهي سنين من الصراع الدموي طوال الفترة الماضية،
ولتسهيل مهمة التفاوض وتعدد الأطراف ابتدعت فكرة المسارات وفقاً للمناطق أو الأقاليم على مستوى البلاد، وفي هذه المساحة وعبر صحيفة (الإنتباهة) نريد أن نسلط الضوء حول مسار دارفور وتحديد البند الذي تم الاتفاق حوله على اعتماد الأقاليم كنظام حكم بديل لنظام الولايات الحالي، للوقوف على مزاياه وسلبياته وإيجابياته من خلال استنطاق المختصين في هذا الشأن والمراقبين وبعض المواطنين، لتكوين فكرة صحيحة لكليهما دون فرضيات. وكان المتداخلون قد اجمعوا على أهمية عقد مؤتمر عام وطرح الموضوع للشعب ليقرر فيه بدلاً من فرضه سياسياً، وذلك لأن جوهر المسألة هو إصلاح حال الحكم وتدفق الخدمات والتنمية والسعي لرفاهية المواطن في ظل حكم راشد.
حقيقة مسار دارفور
ومن خلال الاطلاع على مسودة الاتفاق فإن مسار دارفور يشمل (حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السُّودان جناح مني أركو مناوي وتحرير السُّودان ــ المجلس الانتقالي وتجمع قوى تحرير السُّودان(.
أكثر تعقيداً
وكانت اتفاقية مسار دارفور هي الأكثر تعقيداً، لأنها قامت على ثمانية بروتكولات شائكة ومتشعبة، تشمل تقاسم السلطة والثروة وحيازات الأرض والحواكير والعدالة الانتقالية والتعويضات وجبر الضرر وتنمية قطاع الرُحَّل والرعاة والنازحين واللاجئين والترتيبات الأمنية الخاصة باستيعاب قوات الحركات المسلحة في أجهزة الدولة، وفي ما يتعلق بإدارة إقليم دارفور استند بروتكول تقاسم السلطة إلى المادة (10/2) من اتفاق القضايا القومية التي نصت على إعادة نظام الأقاليم القديم خلال ستين يوماً من تاريخ التوقيع النهائي على اتفاقيات جوبا، وتقضي الإعادة بتوحيد ولايات دارفور الخمس في إقليم واحد في ظل نظام حكم فيدرالي، ويكون تمثيل الأطراف المكونة لمسار دارفور في إدارة الإقليم بـنسبة 40% وتمثيل الحكومة الانتقالية 30% والحركات الموقعة الأخرى 10% وأصحاب المصالح المحلية 20%. ونص بروتكول تقاسم الثروة على تطوير قطاع الرُحَّل وتنميته من خلال فتح المسارات التي تضمن سلامة حركة الرعاة وفض النزاعات التي تحدث بينهم وبين المزارعين، وتوفير الخدمات اللازمة للقطاعين، وتشجيع الصناعات التحويلية لمنتجات الثروة الحيوانية والزراعية وربطها بالأسواق الاستهلاكية في داخل السُّودان وخارجه. ولضمان سلامة التنفيذ، اتفق الطرفان على إنشاء مفوضية تنمية قطاع الرُحَّل والرعاة خلال (60) يوماً من تاريخ التوقيع على الاتفاقية النهائية، وعلى أن تعمل هذه المفوضية في تناغمٍ تامٍ مع السلطات المحلية والإدارات الأهلية، لتنظيم حركة الرُحَّل وتنظيم العلاقات التي تجمع بينهم وبين المزارعين.
إعادة الإعمار
كما اتفق الطرفان (حكومة السُّودان الانتقالية وأطراف مسار دارفور) على استنفار الدعم المحلي والإقليمي والدولي اللازم لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتأهيل البنية التحتية وتنفيذ برامج إعادة الإعمار والتنمية التي نصت الاتفاقية عليها، وإلى جانب قضايا الرعاة والرُحَّل أوصى بروتكول الأرض والحواكير (الحيازات التقليدية) بضرورة إعادة ترسيم الحدود الإدارية داخل الإقليم، وتحديث قانون تسجيل الأراضي وحيازتها، وإنشاء مفوّضية للنظر في دعاوى استرداد الأراضي التي تم انتزاعها من مالكيها عن طريق سلطات النظام السابق أو تم الاستيلاء عليها نتيجة للحروب الأهلية التي شهدها الإقليم. وارتبطت أيضاً اتفاقية مسار دارفور بقضايا العدالة الانتقالية المتمثلة في تسهيل عملية العودة الطوعية للنازحين الذين هُجروا من ديارهم في أثناء فترة الحروب الأهلية أو اللاجئين الذين استقرّوا في بعض الدول المجاورة، وجبر الأضرار التي لحقت بهم بما في ذلك استرداد الأراضي التي سلبت أو صودرت منهم وتعويضهم مادياً عن ممتلكاتهم المنقولة والثابتة، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية للمتضررين الذين يعانون من آثار التهجير واللجوء.
أما بروتكول الترتيبات الأمنية فقد نصَّ على ضرورة إعادة هيكلة القوات المسلحة وقوات الكفاح المسلحة في جيش مهني واحد يؤسس على عقيدة جديدة تهدف إلى حماية الوطن والمواطنين والدستور، كما أقرَّ البروتكول إنشاء قوات مشتركة باسم (القوى الوطنية لاستدامة السلام في دارفور) تتشكل من القوات المسلحة (الجيش) والشرطة والدعم السريع وحركات الكفاح المسلحة، وشدد البروتكول أيضاً على الترتيبات الأمنية الخاصة بمعاملة شهداء الحركات المسلحة خلال فترة الحرب في دارفور، حسب قوانين ونظم القوات المسلحة السُّودانية من حيث التعويضات المادية والرعاية الصحية، كما نصَّ على تشكيل لجنة خاصة للإشراف على ملف أسرى الحركات المسلحة ومفقوديها، ومعالجة مشكلاتهم وقضاياهم حسب اللوائح والنظم القانونية المعمول بها.
مزايا حكم الإقليم
ولما سنحت الفرصة للحديث حول مزايا نظام الحكم الإقليمي في السودان ودارفور خاصة (الإنتباهة) استنطقت المحلل السياسي والخبير في قضايا الحكم الأهلي والسلم المجتمعي المهندس صديق محمد بشارـ وقال: (لا يمكن البت في الأمر وفق الأهواء الشخصية أو وجهات النظر ذات الأبعاد السياسية أو حتى وفق مصالح المجموعات إن كانت ذات صبغة جهوية أو قبلية أو حتى وفق أشواق تاريخية، أو على أسوأ الفروض بالاندفاع نحو العاطفة الوجدانية، بل يجب وضع هذا الموضوع في إطار المعالجة الكلية لقضايا الحكم والإدارة في السودان، والنأي به عن المحاصصة والنقد السياسي للتجارب السابقة أهم، الحكم الإقليمي سابقاً تجربة لها كثير من الإيجابيات في وقتها وسياقها الزماني والمكاني وأبعادها التاريخية، وكذلك لها كثير من السلبيات في ظل إدارة دولة مترامية الأطراف وتطور طبيعي لحاجات ومتطلبات الإنسان من خدمات أساسية ورغبة مطردة في التمثيل على الخريطة السياسية. ويرى بشار أن بساطة ومركزية الحكم واستلهام التجربة الإنجليزية المركزية القابضة جعلت نقل التجربة الإقليمية ممكنة، ويمكن تطبيقها في مجتمع ناشئ وخارج من تجربة استعمارية، الى حكم استقلالي بملامح وطنية، مستوعباً معه وضع اقتصادي مريح وبنية تحتية موروثة من الاستعمار ولا تعاني من القضايا المطلبية العاجلة والمتأزمة ولا تعاني حتى من نقص في الخدمات العامة والاساسية .
إضعاف الإدارة
وأشار إلى تطور المفاهيم وانتشار التعليم والتقلبات السياسية على مستوى المركز وتطور الحركات المطلبية ونمو الحركات المسلحة وظهور توجهات جديدة لنظرية الحكم من الحكم الكونفدرالي والذاتي الى دعاوى تقرير المصير، مع إضعاف كيان الإدارة الأهلية والاستقطاب الحاد الذي حدث بها مع خلخلة النسيج الداخلي للحكم ونظامه في التدرج نحو القيادة والحكم، وأوضح أن تلك من أكبر الأسباب التي جعلت نظام الحكم الإقليمي يضمحل ويصغر ويتقوقع في نظام الحكم الولائي، بالإضافة الى ذلك الدعاوى المطلبية بالتنمية والتطور المناطقي منظورة ومقارنة مع تطور يحدث فقط في عواصم الأقاليم متجاهلة بقية المناطق، جعلت كل المناطق تسعى نحو صولجان السلطة وبريقها الذي يأتي مع كثير من الخدمات الأساسية والتنمية الموجهة نحو العواصم المضاءة بالكهرباء المركزية والمحظية بالليالي السياسية والمستهلة بالتنمية والخدمات دون سائر المناطق والتي يكثر فيها ضجيج الساسة ويملأها زخم الأحداث ولا تنقطع عنها هبات المركز وعطاياه.
كذلك تنامي الخطاب القبلي وارتباطه بنظام الحكم القائم، وعلى ضوئه توزعت الدوائر الانتخابية، جعل كأن النظام الإداري للحكم أصبح نظاماً قبلياً.
صوت القبيلة الأعلى
وفي غضون ذلك يذهب بشار وبناءً على المبررات سالفة الذكر، الى القول: (صارت القبيلة تسعى لإنشاء الولاية وخشوم بيوت القبيلة تسعى لإنشاء المحليات، وللأسف صارت الولايات والمحليات تخضع للمحاصصة القبلية، ولكن ذلك لا يخفي تلك الخدمات التي توزعت على مدن كانت منسية، وأصبحت اصوات دعاوى التنمية والخدمات اعلى صوتاً، بل صارت مراكز اتخاذ القرار اقرب للمواطن وعلى مرمى حجر من القرية والفريق والدامرة، نعم تقلصت المسافات وتقطعت حبال البيروقراطية اللعينة في وطن مترامي الأطراف، ولكنها كذلك ألقت بعبء إضافي على كاهل الدولة، وبالتالي اقتطعت من قوت المواطن كثيراً من الصرف على نظام حكم مترهل في بلدٍ وعِر التضاريس والسلوك والمضارب، فتكاثرت للأسف عربات الدفع الرباعي الفارهة وتقاصرت معها الخدمات المطلوبة.
ولكن نوعاً ما وفي ظل مجتمعات محلية تهتم بالشكليات في الحكم أكثر من المضامين ومخرجات الحكم وجدوى التجربة (سلطة للساق ولا مال للخناق)، جعل كثيراً من المجتمعات المحلية تجد راحة مؤقتة في حكم (ضُل ضحى) لا يسمن او يغني عن نقص خدمات المواطن في أشد الحاجة لها، وجعل للأسف النخبة المركزية الحاكمة تلعب على تناقضات تلك المجتمعات وتدير مصفوفة الحكم بها وفق مصلحة واحدة بُغية الحفاظ على كُرسي الحكم.
ويقول صديق إنه ووفقاً للتجارب السابقة في إدارة الدولة بين نظامي الحكم الإقليمي أو الولائي، حسب رأيه الشخصي ومع كامل التقدير للجهد الذي بُذل في طاولة مفاوضات جوبا، إلا أن مثل تلك القضايا الأساسية والقومية والمحورية التي تحدد مستقبل الحكم في السودان، تحتاج إلى دراسة متأنية وبعيدة عن الغرض والتقاطعات السياسية والشحن الزائد، ونحتاج لمؤتمر عام وشامل لمناقشة قضايا الحكم والإدارة وفق رؤى علمية وسياسية متخصصة بوجود عدد من بيوت الخبرة الاستشارية ومراكز البحث.
مع الفكرة
ويرى المدير المالي لمحلية غرب جبل مرة الحاج آدم باب الله، أن المطالبة بنظام الأقاليم هو الكنفدرالية بعينها التي ظلت تطبَّق صورياً في قديم الزمان، لذا فإن مثل هذا النظام له محاسنه التي أُغفلت تماماً وظهرت المساوئ وحدها، وتم التركيز عليها حيث الإملاء على الشعب بأن نظام الإقليم سيخلق مركزية إقليمية خانقة برئاسة الإقليم، مشيراً إلى أن المواطنين سيظلون يتكبدون مشاق الذهاب والإياب إلى عاصمة الإقليم بحثاً عن الخدمات بدلاً من أنها كانت على مرمى حجر منهم في نظام الولايات، وتناسوا أن نظام الأقاليم سمح لأي اقليم بتخويل قانوني نيابة عن المركز وبصفته مستوى من مستويات الحكم إبرام اتفاقيات دولية في شتى مجالات التعاون الدولي، الشيء الذي أضاف له مساحة للتعاقدات الخدمية والاقتصادية أيضاً حتى مع الشركات العالمية، وذلك لتنميته وتطويره دونما أي تدخل سافر من المركز، فهنا تكمن أهمية المطالبة بالكنفدرالية حسب نظام الانجلو سكسوني للحكم، كما بالمقابل تحتاج الأقاليم إلى حكام أقوياء قادرين على إدارة تنوع المحافظات ومحلياتها المنتشرة.
ومن جهته قال الصحافي كباشي موسى يعقوب، إن هذه الخطوة إيجابية في تقليل الكم الهائل من شاغلي المناصب الدستورية عبر الولايات والمحليات، وربما تُسهم في تقديم الخدمات الأساسية بعض الشيء، ولكن تكمن الصعوبة في بُعد الظل الإداري، وسيقابل ذلك ضعف في الخدمات الأساسية للقرى والمناطق النائية عن حواضر الإقليم.
تجارب سابقة
وتباينت الآراء والمواقف حول تأييد فكرة الإقليم أو الأقاليم كنظام للحكم في العهد الجديد، وذلك لعدة اعتبارات منها التجارب السابقة ومدى فشلها أو نجاحها بجانب اشتراطات أو مهام ينبغي للحكومة القيام بها قبل الدخول في تطبيق الفكرة، خاصة أخذ رأي الشعب ورغبته في شكلية نظام الحكم.
ضد الفكرة
ويرى مصطفى هارون بربري أن نظام الأقاليم معقد وسيؤخر تقديم الخدمات وصعوبة الوصول الى الموظفين المسؤولين عن تقديم الخدمات، كما أن نظام الإقليم أيضاً تصعب معه مشاركة أبناء المناطق في إدارة شؤون وتنمية مناطقهم، الأمر الذي ربما يعمل على تعثُر تنفيذ اتفاق السلام، ويصنع جبهات جديدة للاحتجاج بحجة أن الحكم في الأقاليم أصبح لدى مكونات محدودة والأقاليم.
وأن مسألة إعادة نظام الحكم الى الأقاليم الأفضل أن تُعرض في استفتاء شعبي، مؤكداً أن اتفاق سلام جوبا نفسه أعطى حركات الكفاح المسلح حق الاحتفاظ بقواتها بكامل أسلتحتها، ومع إعادة نظام الحكم الى الاقاليم ستعود دارفور الى المربع الاول مربع الحرب، لأن دارفور ذات خصوصية من حيث الجغرافيا والمهددات الأمنية مع الشريط الحدودي لدول الجوار الإفريقي، مع انتشار تجارة السلاح والمخدرات والترويج لها، إذن لا بد من إعادة النظر في نظام الحكم والإبقاء على الوضع الحالي، مع الأخذ في الاعتبار تجربة السلطة الانتقالية المحدودة. وأضاف مراسل تلفزيون السودان من وسط دارفور إبراهيم عبد المالك بقوله: (كان ينبغي على أطراف الاتفاق تنوير المواطن بالنظام المطروح، وهل يكون هناك رئيس للإقليم مع وجود ولاة الولايات أم تُلغى مناصب الولاة ويكون هناك رئيس إقليم فقط؟ لأن الأمر به ضبابية، أما من ناحية التفضيل فنظام الولايات أرحم، لأنه يُقصر الظل الإداري والخدمي للمواطن، وما أظن أن فكرة الإقليم الواحد ستخدم المواطن في ظل تردي الخدمات والبنية التحتية للدولة بصفة عامة وإقليم دارفور المقترح بصفة خاصة).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق