السودان: صديق البادي يكتب: الإدارة الأهلية والنظارات القبلية بين جماع وشرفي وحميدتي

كان شيوخ القبائل يمارسون مهامهم في حدود الأعراف والتقاليد وقد ورث الكثيرون منهم ذلك أباً عن جد لاسيما في مناطق الرحل ولكن هذه السلطات خفضت بعد صدور تقرير لجنة ملنر في 1919م الذي أعطى رؤساء القبائل مع أعيان قبائلهم سلطات قضائية وإدارية وأيد الحاكم العام في عام 1921م تقرير ملنر وصدر تشريع ينظم ممارسة زعماء الإدارة الأهلية لسلطاتهم وبلغت وحدات الغدارة الأهلية ذات الميزانيات المستقلة ثماني إدارات .
وكان الخريجون والمستنيرون يرون أنهم أحق بأن يكون لهم دوراً فاعلاً في ممارسة السلطة على المستوى المحلي وتعاطف معهم بعض البريطانيين وكان بين جل المتعلمين وبين الإدارة الأهلية ماصنع الحداد . وسعى المسؤولون لحل توفيقي يمتص ثورات المتعلمين ويحافظ على مشاركة الإدارة الأهلية وأصدر سير دوجلاس نيوبولد السكرتير الإداري مذكرة ورد فيها ( لابد على وجه السرعة من إحلال اسم الحكم المحلي محل الإدارة الأهلية فقد أصبحت الإدارة الأهلية مجرد شعار وكل الشعارات خطيرة وخاصة الغامض منها . بينما نجد أن عبارة ( حكم محلي ) فيها قدر من الذكاء ولاتثير حفيظة فهي يمكن أن تشمل سلطنة المساليت كما تشمل مجلس بلدية بورتسودان وهذه العبارة تمتص طموحات الوطنيين وتحت مظلتها وعباءتها يكون المشايخ والأفندية !!)وورد هذا في كتاب الحكم المحلي خلال قرن لمؤلفه دكتور شيخ الدين من الله…
ونال الكثيرون من المنتمين لبيوت الإدارة المحلية عضوية المجلس الإستشاري لشمال السودان والجمعية التشريعية والبرلمانات المتعاقبة في شتى العهود المختلفة وكان لهم وجود مكثف في المجالس الريفية ومجالس الرحل وتولى الكثيرون منهم رئاسة تلك المجالس في بعض المراحل السابقة . وقد تعرضت الإدراة الأهلية لهجوم شرس في الديمقراطية الثانية بعد ثورة أكتوبر في عام 1964م في مختلف المنابر والصحف . وفي بداية عهد مايو صدر قرار بتصفيتها في كل أرجاء القطر بإستثناء مناطق الرحل والبدو وبعض الأرياف وأعد الأستاذ علي جماع بحثاً بعنوان ( تطبيق الإداره الأهلية وكيفية سد الفراغ ) وأوضح أن الغاضبين والناقمين على الإدارة الأهلية يذكرون عدة أسباب لوقوفهمضدها وهي :-
1/ أن الإدارة الاهلية هي أسلوب حياة جامد مبني على جهل رعاياها وعزلهم عن الحركة العامة للمجتمع .
2/ هي إمتداد طبيعي للتربية الإستعمارية ووسيلة مختلفة للحكم فات أوانها .
3/ تأثيرها سلبي على مسار التجربة الديمقراطية لتأثير رجالاتها على أسلوب الأنتخابات الحرة المباشرة عن طريق حجب الجماهير بعيداً عنها .
4/ ظهورها بمظهر التسلط والإستبداد الفردي ومعاداة التحديث خاصة في مناطق ضمور الوعي .
5/ ارتباطها بالاتاوات والرشاوي وإعتمادها في معيشتها على رعاياها .
أما السيد محمد أحمد شرفي الإداري المرموق فقد دافع عن الإدارة الأهلية في كتابه ( الأداء الإداري في السودان 42-73) والملاحظ أنه كتب عن موضوع بدأ معايشته له بحكم بدء عمله الرسمي قبل أكثر من سبعين عاماً وأنتهت صلته به من ناحية عملية ورسمية قبل سنوات طويلة ولا ريب أن متغيرات كثيرة قد حدثت في التركيبة السكانية والبنية المجتمعية خلال هذه السنوات الطويلة وهناك أعداد ضخمة من المواطنين قد نافت أعمارهم على الخمسين عاماً لايعرفون شيئاً عن الإدارة الأهلية ولا تشكل أي شئ داخل وجدانهم . والملاحظة الثانية أن السيد شرفي قد ولد وترعرع وعاش في أمدرمان وليست له مرارات في نفسه مع الإدارة الأهلية لعدم وجودها بصورة مؤثرة في مسقط راسه ولكن تتعامل هذه القيادات بإحترام وتقدير مع إداري كالسيد شرفي يحتل موقعاً مرموقاً وقتها ولكن بمرور الزمن وفي ظل الإتصالات والمواصلات السهلة والوعي المرتفع نسبياً لم تعد بذات الأهمية .
وذكر السيد شرفي أن الإدارة الأهلية جهاز فعال لجميع أجهزة الدولة وإذا كانت هناك حملة تطعيم فإن رجال الإدارة الأهلية يبلغون من دونهم لتبليغ المواطنين وكان جهازاً فعالاً في تحصيل إيرادات الحكومة المركزية والمحلية ( وأتفق مع السيد شرفي في هذه النقطة عن معايشة لصيقة إذ كان والدي المغفور له بإذن الله شيخ العرب محمد أحمد البادي صمداً مرموقاً بمشروع الجزيرة وأحد شيوخ القرى بالإدارة الأعلية قبل حلها عند مجئ مايو ) مع المحافظة على الأمن والمساعدة الفعالة في إكتشاف الجريمة مع حل المشاكل والخلافات القبلية وكان جهازاً مفيداً كمصدر للمعلومات وكان يقوم بالتبليغ الفوري على الأمراض والأوبئة وكان يساهم مع بعض القادة المحليين في تقدير مستحقات الضرائب المحلية كالعشور والقطعان والضريبة التجارية التي تقدرها لجان تتضمن بعض التجار بمساعدة رجال الإدارة الأهلية العالمين جيداً بنشاط كل تاجر بمناطقهم .
وفي الإدارة الأهلية كان يوجد عدد محدود من نظار العموم وناظر العموم برأس عدداً من النظار ويلي الناظر في التسلسل الهرمي شيخ الخط الذي يرأس عدداً من العمد وأن عدداً من شيوخ الخط كان يطلق على الواحد منهم مجازاً لقب ناظر رغم أنه في الوثائق الحكومية الرسمية يعتبر شيخ خط ويلي العمد شيوخ القرى ومنذ عقود خلت أضحت وظيفة شيخ الحلة في كل أنحاء القطر لا وجود يذكر لها وأن وجدت فهي بلا سلطات وتحولت الصلاحيات للجان الشعبية للقرى ورئيس اللجنة الشعبية هو صاحب السلطة الأعلى وفي كافة المناطق التي ألغيت فيها الإدارة الأهلية كونت محاكم شعبية آلت لها السلطات القضائية بدلاً عن الإدارة الأهلية وكونت لجان شعبية في تسلسل هرمي آلت لهاالسلطات الإدارية التي كانت تتمتع بها الإدارة الأهلية …
وتعامل نظام الإنقاذ السابق مع الإدارة الأهلية في المناطق التي لم تحل فيها بطريقة فرق تسد وعلى سبيل المثال في كردفان مثلاًكان يوجد ناظر واحد لكلمنطقة بمختلف قبائلها ( وغير الحسيني في كردفان التسمية من ناظر لأمير ) وقام نظام الإنقاذ بتعيين عدد من الأمراء بالمنطقة بدلاً عن أمير واحد وجعل لكل فرع من فروع القبلية أمير مع تعيين عدد من العمد من خشوم البيوت داخل الفرع الذي ينتمي إليه الأمير وفي هذا تفتيت للإدارة الأهلية بالمنطقة وسعى لتفتيت القبيلة وتؤدي المنافسات بينهم لسعي كل منهم أن يكون أكثر قرباً للسلطة الحاكمة . وفي العاصمة لاسيما في عهد أحد الولاة السابقين منحت بطاقات كثيرة لعدد من المواطنين أطلق على كل منهم وصف عمدة لأبناء القبيلة الفلانية بالعاصمة القومية وليس لهؤلاء العمد سلطات قضائية أو إدارية ولايخضعون للإدارات الأهلية بمناطقهم ولكن تتاح لهم تسهيلات ومنح ومن بين أسباب هذه التعيينات التقليل من شأن العاملين رسمياً في الإدارة الأهلية بمناطقهم وخلق إزدواجية وثنائية بين الطرفين . وكما هو معروف فإن كبار الكباتن فبي العهد السابق الذي كان يركب كل منهم ماكينة رئيس جمهورية كان بعض الملتفين حولهم من قبائلهم لا سيما المنتفعين يشيعون بأن هذه هي المجموعة القبلية لفلان وتلك هي المجموعة القبلية لعلان وقواعد قبائلهم بريئة من الذي يجري بإسمهم . وشهد العهد السابق محاصصات قبلية في تقسيم المناصب الدستورسة واحدث هذا منافسات بين القابئل وصراعات داخل فروع وأبناء القبيلة الواحدة وكل منهم يريد أن يتسلق عن طريق قبيلته ولعل في هذا قصد وسوء نية لتفتيت وحدة هذه القبائل وتمزيق النسيج الإجتماعي الذي كانوا يصفونه بأنه تقليدي ويريدون إعادة صياغته وفق هواهم . وفي كل تلك المحاصصات القبلية كنا نقرا تباعاً قوائم لمجالس شورى هذه القبيلة أو تلك وتتضمن أسماء من ذوي الألقاب المهنية والمؤهلات الرفيعة وعدد من الأثرياء والأعيان وتنشر بعد أيام قليلة في الصحف قائمة أخرى تضم هيئة شورى لذات القبيلة بذات المواصفات وربما تظهر قائمة ثالثة أو رابعة …الخ والمعروف في الإدارة الأهلية التابعة رسمياً للحكومة أن الناظر تكون له سلطات محددة لكل سكان المنطقة وليس للقبيلة التي يتنتمي إليها فقط ولكن ظهرت نظارات للقبائل تكون كل نظارة قاصرة على أبناء القبيلة فقط وليس للناظر سلطات قضائية أو إدارية وليس له محكمة ولا شأن للمنتمين للقبائل الأخرى بنظارته . ويعضهم لا يكتفي بالقول انه ناظر للقبيلة الفلانية في منطقته بل يعلن نفسه ناظراً للقبلية في كل السودان ولو إكتفى بمنطقته لكان ذلك أفضل ولذلك أخذ الكثيرون غيره يعلن كل منهم أنه ناظر نفس القبيلة في كل السودان . ومن حق أي قبلية ان تقيم بين بنيها رابطة تجمعهم وتعمل للتكافل والتأزر والتعاون بينهم …الخ ويتم تبادل زيارات بين الروابط الإجتماعية للقبيلة للتعارف .
وعقد مؤتمر للإدارة الأهلية تحت رعاية وإشراف وتمويل الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي نائب رئيس مجلس السيادة والذي صرف على المؤتمر بسخاء ذهبت بذكره المركبات وحضر المؤتمر من يعمل في الإدارة الأهلية وآخرون من خارجها لبسو لبوسها والمهم الآن الوقوف على المحصلة النهائية وطرح سؤال عن نتائج ذلك المؤتمر كانت إيجابية ملموسة أم أن تلك كانت مجرد تظاهرة إنتهت بإنتهاء المؤتمر . وظهرت نظارات قبلية لا تحصى ليست لها سلطات قضائية أو إدارية وليست لها صفات حكومية رسمية ولذلك ينبغي فك الإرتباط بين الإدارة الأهلية العاملة تحت مظلة الدولة وبين الكيانات القبلية ويقتضي هذا تغيير المسميات وتحديد الإختصاصات ولابد من تدخل ديوان الحكم الإتحادي لوضع الأمور في نصابها لأن حابل الأمور قد إختلط بنابلها .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى