سيناريوهات إبقاء (اليوناميد) :نزيف دارفور.. من يشعل الــــنــيران؟!

تقرير: هبة محمود

جرح جديد وموعد آخر مع الألم يتفتق في دارفور التي أفقدتها الحروب والصراعات عذريتها، وانتهكت حقها في ممارسة آدميتها، بعد أن ظلت لسنوات تمني نفسها بالاستيقاظ على واقع أفضل، لكن واقع الحال شاء غير ذلك. فقبل أن تخمد أحداث العنف الدامية جراء الصراع القبلي في الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور الأسبوع الماضي التي راح جراءها عدد من الضحايا، تجدد أمس الأول صراع قبلي جديد بولاية جنوب دارفور بين قبيلتي الفلاتة والرزيقات. وعلى الرغم من أن أسباب الصراع معلومة، وهي صراعات قبلية وليست الأولى من نوعها، إلا أن علامات الاستفهام تتسع بدورها حول توقيتات هذا الاشتعال الدامي في الإقليم الذي بدأ يشهد استقراراً في أعقاب توقف الحرب، مما جعل السودان ينتقل من الفصل السابع إلى السادس الذي يحتم خروج قوات حفظ الأمن والسلام (يوناميد) والانتقال لخانة السند السياسي من الأمم المتحدة. وأصابع الاتهام توجه لبعض الحركات المسلحة على رأسها حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور التي ترفض خروج اليوناميد من السودان المقرر لها الأول من يناير. وبحسب مراقبين فإن أيادي خفية تقف وراء الأحداث، والغرض منها الإبقاء على قوات اليوناميد في السودان، ليظل السؤال حول صحة الاتهامات وحقيقتها وكيف يقرأ الوضع هناك وهل ستنتقل الأحداث إلى الولايات المجاورة بعد ولايتي جنوب وغرب دارفور وما هو السيناريو المتوقع وكيف ستمضي الأوضاع؟

سخاء الانتماء
ظلت دارفور على مدار (١٨) عاماً من الحرب تحاول تضميد جراحاتها، غير أنه يبدو أن لا أحد يستحق أن تمنحه سخاءها بالانتماء، بعد أن سعت لسنوات لإدخال الأمل في مدنها المنكسرة وتجديد بناياتها المتقادمة كالوجوه المنسية. وكانت دارفور تمني نفسها بملء فراغات مدنها التي هجرها سكانها ــ خوفاً من البارود والنار ــ نحو المعسكرات، وتجدد أيضاً حواف طرقاتها القديمة الحزينة، لكن واقع الحال يقول إن قدرها هو الانتقال من مربع صراع إلى آخر.. صراع بسبب العنصرية والتهميش ومطالب الإقليم انتهت بالسلام إلى صراعات قبيلة أفقدتها الكثير من أبنائها .
وفي توقيت مقارب من العام الماضي اشتعل صراع قبلي في الجنينة داخل معسكر كريدنق، تم حله بعقد صلح بين طرفي الصراع، ليتجدد هذا العام ذات الصراع، وتستيقظ المدينة على أنهر من الدماء، وكأن برودة الشتاء عملت على إيقاظ الجروح القديمة. وبحسب مراقبين فإن ثمة علاقة وطيدة ومباشرة بين خروج قوات اليوناميد وهذه الصراعات لاعتبارات الإبقاء عليها، سيما عقب خروجها تماماً من مدينة الجنينة .
فجوة يوناميد
عضو هيئة محامي دارفور صالح محمود، يرى ان وجود القوات من الأهمية بمكان في هذا التوقيت وأن وجودها كان من شأنه تخفيف حدة الأحداث .
واتهم صالح في حديثه لـ (الإنتباهة) حكومة المركز بانحيازها لبعض القبائل، مؤكداً أن الصراع كان يمكن احتواؤه دون التطورات التي صاحبته، وذكر أن السبب الرئيس وراء هذه الصراعات هو تسليح المواطنين، لافتاً إلى أنه نهج انتهجه النظام السابق .وقال: (الحكومة الانتقالية انتهجت سياسة النظام السابق، وتراخت في جمع السلاح وعدم الجدية في تطبيق القانون، والمحاكم والنيابات غير قادرة على تطبيق القانون، ولا توجد إرادة من قبل الحكومة).
وطالب صالح بضرورة تفعيل آلية جمع السلاح، واعتبره مهدداً للأمن الإقليمي والدولي، ويقود للاستقطابات، وقال: (نحن لسنا ضد خروج قوات يوناميد، لكن خروجها بدون بديل مناسب يحدث فجوة وهو الذي حدث في أحداث الجنينة) .
ويتهم مراقبون الحكومة بالتباطؤ في خروج يوناميد وتطورات الأوضاع في الإقليم، بعدم الإسراع في تشكيل قوات حفظ السلام المشتركة التي نص عليها اتفاق سلام جوبا .
نية مبيتة
وتطورات الأوضاع في دارفور عقب هدوئها جعل السودان ينتقل إلى البند السادس وهو الدعم السياسي، بدلاً من السابع الذي يتيح للقوات استخدام القوات المشتركة. فدارفور ومنذ عام ٢٠١٤م تقريباً تشهد هدوءاً تاماً للأوضاع بعد أن استعان النظام السابق بقوات الدعم السريع التي تم تشكيلها لهذا الغرض بغية تطهير الإقليم من حركات التمرد، وقد نجحت في ذلك، بعد أن كانت الضربة القاضية للحركات المسلحة مما مهدها لقبول السلام، لكن بعض الحركات التي ترفض السلام مثل حركة جيش تحرير السودان (عبد الواحد محمد نور) تقف ضد خروج اليوناميد، وقد جمع لقاء ضم عبد الواحد والمبعوث البيضاني الشهر الماضي في كمبالا، طلب فيه عبد الواحد الإبقاء على القوات، وكان المبعوث هو من طلب للقاء، لاعتبارات مركزية وثقل عبد الواحد في معسكرات النازحين .
وشهدت جلسة مجلس الأمن الدولي الشهر الماضي صراعاً بين الدول العظمى بسبب خروج اليوناميد، وكانت ألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول ترتب لبقاء القوات بالسودان، لكن اعتراض الصين وبعض الدول الإفريقية عطل الجلسة، وجعل المجلس في الجلسة التالية يعمد لتمرير مقترح الخروج وفقاً لاتفاق مع بعثة (اليوناتميس).
ستار القبلية
وبدوره نفى المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان محمد الناير، الاتهامات التي تطول الحركة، وأوضح أنها لا تستند الى أي منطق عقلاني راشد .
وقال الناير لـ (الإنتباهة) إن الحركة لا تجني أية فائدة من موت المواطنين الأبرياء في دارفور أو غيرها من مناطق السودان، لافتاً إلى أنها ظلت طوال تاريخها تنادي بحماية المدنيين ونزع السلاح من أيدي المليشيات القبلية التي سلحها النظام البائد في حروبه العبثية، وتوفير الأمن على الأرض ليكون مدخلاً لسلام عادل وشامل ومستدام بالسودان .
وأكمل قائلاً: (بخصوص خروج بعثة اليوناميد ورغم ضعفها البائن، إلا أن الحركة رفضت خروجها في هذا التوقيت الدقيق الذي يمر به السودان وحالة السيولة الأمنية والسياسية وانعدام الأمن في دارفور، ويجب أن تغادر بعد أن يكون هنالك سلام شامل ومستدام بالسودان. والقوات المقترحة لتحل محل اليوناميد غير مؤهلة لحفظ الأمن وغير محايدة، بل هي طرف رئيس في الصراع وقتل وتشريد المدنيين إلى المعسكرات)، ومضى قائلاً: (والنازحون أصحاب الشأن رفضوا خروج البعثة ونظموا مظاهرات واعتصامات تندد بخروجها في أكثر من مائة معسكر) .
واعتبر الناير ما وصفها بالعقلية الصفوية، أنها لم تتعلم من تجارب التاريخ، وقال ان ذات الاتهامات كان يطلقها النظام البائد للتغطية على فشله وعجزه عن حل الأزمات، وقال: (الآن بعضهم يعزف على أوتار الاسطوانة المشروخة ورمى فشله في حماية المدنيين وتوفير الأمن لهم وتحسين سبل العيش لملايين السودانيين) .
وأضاف قائلاً: (نحن ضد قتل أي مواطن سوداني في أي مكان، وندين بشدة كافة أشكال العنف ضد الأبرياء أو العنف الذي تمارسه بعض أجهزة السلطة تحت ستار القبيلة والجهة)، وتابع قائلاً: (شعوب دارفور كانت متعايشة لآلاف السنين وقبل أن تكون هنالك دولة اسمها السودان، إلا أن الأنظمة عملت على ضرب النسيج والروابط الاجتماعية باستغلال أضعف الحلقات في دارفور، وقسمتهم إلى عرب وزرقة لاستدامة الصراع والتغيير الديمغرافي)، وذكر أن المشكلة ليست في دارفور وإنسانها، بل في العقل الصفوي الذي يقسم الناس إلى قبائل وأعراق ويسلح فئة ضد أخرى .
فساد ومأكلة
وبحسب المحلل السياسي نصر الدين عبد الله، فإن هناك نية مبيتة من قبل بعثة اليوناميد في البقاء بالسودان .
وقال نصر لـ (الإنتباهة): (إن يوناميد ليست قوة ضاربة ولا تستطيع حماية نفسها، وفي كثير من الأحيان كانت تستعين بالقوات المسلحة، الأمر الذي يؤكد على أن السعي لبقائها بغرض الاستفادة من الصرف البذخي على موظفيها، وهذا فساد ومأكلة لها على حساب المواطنين).
وأكمل قائلاً: (هناك علاقة مباشرة بين أحداث الجنينة وأحداث قرية الطويل شرق محلية قريضة بجنوب دارفور التي تتشابه فيها أوجه الصراع الذي ظاهرة قبلي، وهذه الأحداث تم احتواؤها قبل شهر بواسطة عبد الرحيم دقلو، فلماذا يتجدد الصراع مرة أخرى؟).
وذكر أن المنظمات الأممية تتابع الصراع عن كثب، وتحاول عسكه للرأي العام على أن الاقليم غير آمن وبحاجة إلى وجود قوات لحفظ السلام، والمتابع للمشهد يقرأ ذلك من خلال بيان الأمم المتحدة الذي أبدت فيه أسفها، وبعده بيان السفارة الأمريكية، وقال: (الأمم المتحدة لم توف بوعدها ولم تسحب قوات اليوناميد في الوقت المحدد لذلك وهو الأول من يناير، لأنها تتعامل مع وجود القوات على أنه باب مورد لها لا تريد إغلاقه) .
واتهم نصر الحكومة الانتقالية بالتقاعس عن الإسراع في تكوين قوات حفظ السلام التي نصت عليها اتفاقية جوبا .
قريضة
وتجددت أحداث صراع قبلي في ولاية جنوب دارفور بين قبيلتي الرزيقات والفلاتة أمس الأول، على خلفية مقتل احد الرعاة بالمنطقة .
وبحسب والي الولاية موسى مهدي في تعميم صحفي، فقد خلفت الأحداث وقوع عشرات القتلى والجرحى، عقب مهاجمة مسلحين قرية (الطويل) شرق محلية قريضة .
ووفقاً للمحلل السياسي عبد الله آدم خاطر، فإن السبب في تجدد الأحداث والصراعات القبيلة، هو عدم حلها جذرياً منذ عهد النظام السابق .
ونفى خاطر في حديثه لـ (الإنتباهة) علاقة يوناميد بالأحداث، موضحاً أن التدابير لخروجها من الإقليم كانت حاضرة منذ وقت طويل، غير أن الصراعات القبلية بالإقليم تتجدد دون السعي لحلها بشكل جذري، وقال: (يوناميد ابلت بلاءً حسناً وحافظت على الإقليم ورفعت وعي المواطنين، ونحن لا نحملها المسؤولية مباشرة حيال ما يحدث في الإقليم، لكن المسؤولية هي مسؤوليتنا في المرحلة المقبلة .(
مكاسب سياسية
ويتهم مراقبون الأمم المتحدة بالتباطؤ في خروج اليوناميد وابتعاث البعثة السياسية يوناتمس، بحسب ما هو مقرر له، فيما يرى البعض أن اختيار التوقيت لهذه الصراعات لتشتيت الحكومة التي تشهد صراعاً داخلياً بين مكوناتها السياسية وعجزها عن تشكيل الحكومة، في وقت يحارب فيه الجيش السوداني من أجل الحفاظ على أراضيه التي استعادها .
وبدوره يرى الأمين العام لشبكة شباب دارفور أبو سفيان مكي، أن الحديث عن مخطط الأمم المتحدة لبقاء اليوناميد بالتواطؤ مع الحركات المسلحة، بحاجة للمزيد من التعمق والتأكد، غير أنه اتهم نخباً محددة لم يسمها، بالاستفادة من استمرار الصراع القبلي بدارفور للمزيد من المكاسب السياسية والاجتماعية.
وقال أبو سفيان للصحيفة إن الحكومة تقاعست حيال الأحداث التي وقعت، ونبه إلى أن تفويض الوالي الحكومة باتخاذ الإجراءات كانت له آثار سالبة، واكمل قائلاً: (الخلاف كان بين شخصين، وكان ينبغي للحكومة لن تكون حاضرة وتحتوي الصراع، والمهم في الأمر كله هو التأكيد على أن الأوضاع الإنسانية في الولاية مزرية للغاية، وهناك أكثر من (٦٠) الف أسرة مشردة والأسواق مغلقة ولا يوجد طعام والظروف الاقتصادية ضاغطة والمستشفيات مكتظة، وهناك انعدام تام للدماء لإجراء العمليات بسبب حظر التجوال وعدم مقدرة المتبرعين على الوصول للتبرع بدمائهم).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى