في ظل انشغال الدولة.. انهيار (الجنيه).. منْ المسؤول؟

الخرطوم: مروة كمال
ذهبت توقعات خبراء اقتصاديين بتعافي قيمة الجنيه عقب شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب هباءً منثوراً، حيث توقعوا ان ينخفض في الوقت الراهن إلى (٢٠٠) او (١٨٠) جنيهاً، مستندين الى ما شهدته السوق الموازية من ارتباك كبير وتوقف عمليات التداول بالعملات الأجنبية على خلفية رفع اسم السودان والإعلان عن التطبيع مع أمريكا، حيث تهاوى سعر الدولار الى (٢٣٠) جنيهاً بدلاً من (٢٦٠) جنيهاً خلال ساعات من الإعلان، وسط تخوف كبير من التجار من الخسارة اذا ما تحقق ما تم الإعلان عنه من منح ودعم غذائي للسودان، في ظل إرهاصات بإعفاء السودان من ديونه الخارجية، ولكن لم يستمر الوضع سوى أسابيع، ليعود المارد الأخضر اكثر قوة مكتسحاً الجنيه السوداني، حيث ذهبت توقعات المتعاملين بالنقد الاجنبي بالسوق الموازي الى ان يصل سعر الدولار الأمريكي الى (300) جنيه خلال امس، وكشفت جولة لـ (الإنتباهة) بالسوق عن ارتفاع كبير لسعر العملات الأجنبية خاصة الدولار الذي قفز عشرة جنيهات مقارنة بسعر أمس الاول وسط توقعات بمزيد من الزيادة، وقال احد التجار ــ فضل حجب اسمه ــ  بالسوق ان الزيادة تتم بصورة مخيفة وسريعة خلال ساعات، وسط توقعات بمزيد من انهيار قيمة الجنيه، في ظل زيادة الطلب وانعدام العرض، وأكد ان التجار يجهلون من اين يأتي الطلب.  وقفز سعر الدولار الأمريكي الى (295) جنيهاً للبيع و (292) جنيهاً للشراء، ووصل سعر البيع لكل من الريال السعودي والدرهم الإماراتي الى (77) جنيهاً و (76) جنيهاً للشراء، وارتفع سعر البيع للجنيه الإسترليني الى (400) جنيه، بينما بلغ سعر اليورو (380) جنيهاً للبيع و (370) جنيهاً للشراء، وبلغ سعر الجنيه المصري (18) جنيهاً.
وقلل تجار في السوق من تأثير ارتفاع سعر الدولار بدبي إلى (300) جنيه، لجهة ان الطلب قليل جداً مقارنة بزيادة الطلب على الدرهم الاماراتي.
طفيلية وحرامية
وتظل مطالبة الحكومة بالسيطرة على مصادر الدولار المتمثلة في الذهب والمعادن الأخرى مستمرة دون ان تلقي لها بالاً، ويرى القيادي بالحزب الشيوعي كمال كرار ان انهيار قيمة الجنيه تعود للسياسة الاقتصادية الكلية التي تدعم وتحفز سعر الدولار في السوق الموازي وليس سعره ببنك السودان المركزي، لافتاً إلى عدم إمكانية الحديث عن سعر الدولار أو السيطرة عليه في حال عجز الدولة عن السيطرة على النقد الأجنبي عبر السيطرة على التجارة الخارجية، واضاف ان هذا الأمر غير موجود ولا حتى على بال الدولة ان تتحكم في التجارة الخارجية والنقد الأجنبي، واضاف ان الاقتراحات القليلة التي تم تقديمها في هذا الجانب ضرب بها عرض الحائط بشأن أن تصب عائدات الذهب في البنك المركزي أو تغير سعر العملة لضمان دخول الكتلة النقدية في الجهاز المصرفي، وقال لـ (الإنتباهة) ان من يقرر السياسية الاقتصادية حالياً هم (الطفيلية والحرامية وتجار السوق الأسود) على حد قوله، مؤكداً انسحاب الآلية الاقتصادية من أية صلاحية في الحكومة التنفيذية او وزارة المالية او البنك المركزي في ما يتعلق بقرار إدارة الاقتصاد والسيطرة على سوق العملات الأجنبية، وحذر من حدوث مشكلات أكبر في حال لم يتم تغير السياسة الاقتصادية الحالية، وتوقع ان يصل الدولار لسعر (500) جنيه حتى نهاية العام، وتابع قائلاً: (لا يمكن الحديث عن دولة تعجز عن سيطرتها على سوق النقد الأجنبي)، ووصف الطاقم الاقتصادي بالفاشل، وقال انه فشل فشلاً ذريعاً في إدراة الاقتصاد خلال الفترة الماضية، ورهن إيجاد حل لتغير السياسية الاقتصادية بإزاحة الطاقم الاقتصادي من المشهد الاقتصادي، لجهة أنهم يفتقرون لأفكار جديدة سوى تلك التي قدموها لإدارة الاقتصاد، وجزم بأن الحل في إيجاد سياسة اقتصادية مغايرة للموجودة تضمن سيطرة الدولة على التجارة الخارجية والنقد الأجنبي وعائدات الذهب عبر طريقة وقوانين مختلفة.
مسيرة الصعود
وبسرد بسيط لمسيرة انهيار قيمة الجنيه التي ارتبطت بتعيين وزراء الحكومة، فإنها تشير الى أنه بنهاية عام 2019م كان الدولار بواقع (80) جنيهاً، وعند وقوف الحاضنة السياسية ضد وزير المالية السابق إبراهيم البدوي في تنفيذ سياسته الى أن غادر الوزير وصل سعر الدولار الى (150) جنيهاً .
ولا شك أن هنالك أكثر من سبب يجعل الجنيه مقابل الدولار في حالة من عدم الثبات، لا سيما أن الزيادة ارتبطت بما عرف بتعديلات الموازنة، وهي إحد اشتراطات صندوق النقد والبنك الدوليين التي قامت على أن العرض والطلب يحددان السعر دون تدخل لسعر قياسي، وبالتالي أعلنت عن تخفيض الجنيه من (55) جنيهاً الى (120) جنيهاً بنسبة تخفيض بلغت 118%، إضافة الى ما حدث في الرابع عشر من يناير الماضي بخفض الجنيه من (18) جنيهاً الى (55) الى جنيهاً، بنسبة زيادة أكثر من 205%، ومن الواضح أنه خلال ثمانية أشهر تم تخفيض قيمة الجنيه الى أكثر من 323%، مما أدى الى قفزة في السوق من (60) الى (120) جنيهاً للدولار، وتلتها قفزة الى (١٥٠) جنيهاً، وعندما تدخلت الحكومة في السوق الموازية لشراء تعويضات المدمرة كول ادت الى وصول الدولار لأرقام قياسية بلغت (٢٧٠) جنيهاً مقابل العملة المحلية .
وفي شهر أغسطس شهد أيضاً سعر الدولار قفزات عشرية عند دخول الحكومة لشراء نقد أجنبي لتغطية حاجتها لاستيراد الدواء التي بلغت (90) مليون جنيه، وارتفع سعر الدولار وقتها خلال اليوم أكثر من عشرة جنيهات لم يشهده حينما تم الإعلان عن تعديلات الموازنة التي شملت زيادة رفع الدعم عن الوقود وتحريك السعر الرسمي للدولار وزيادة الدولار الجمركي بنسبة 30%، حيث شهد ربكة في عمليات البيع والشراء وتراوح سعره ما بين (168 ــ 173) جنيهاً، لتعقبها ازمات متلاحقة في الوقود ووقوف بواخر تحمل اطناناً من المحروقات زادت من العبء على الحكومة التي عجزت عن تسديد قيمتها، بل باتت مواجهة بدفع غرامة متأخرات تصل إلى (20) الف دولار في اليوم، مما اضطرها للخروج من السلعة وتركها للقطاع الخاص برفع الدعم عنها، الامر الذي ساهم بصورة كبيرة في انهيار قيمة الجنيه نتيجة للهجمات الكبيرة التي ينفذها القطاع الخاص على السوق الموازي لتغطية احتياجات استيراد الوقود، كان آخرها باخرتان غاز، بالرغم نفي محفظة السلعة لذلك الاتجاه بأنها هي ما تقوم بتمويل شركات الوقود التجاري .
ضبابية الوضع

ولا شك ان تعافي الجنيه يعتمد على سياسات تساعده في الارتفاع متمثلة في تقييد الواردات من الخارج وتحرير سعر الصرف، بحسب الخبير الاقتصادي د. عادل عبد المنعم، خاصة ان سياسات البنك الدولي التي تنتهجها وزارة المالية تساعد في دعم الجنيه عبر رفع الدعم الذي يوفر للحكومة ما يقارب (٥٠٠) مليار جنيه التي كانت تطبع كعملة، ويمكن ان تختفي بين يوم وليلة صفوف الخبز والوقود عبر توفير القمح.
ويرجع عادل انهيار قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية لزيادة الطلب من قبل شركات استيراد الوقود ومحفظة السلع التي تلعب دوراً كبيراً في شراء الدولار، بجانب وجود جهات تشتري الذهب لنفس الغرض، فضلاً عن معاناة البلاد من نقص في القمح، لجهة ان وزارة المالية قامت بتمويل شركات المطاحن لشراء القمح المحلي الموجود، بجانب نقص كبير في إيرادات العملة الحرة، وقال ان الحكومة والحاضنة السياسية لا تنتبه للوضع الاقتصادي بل منشغلون بالمشاكسات بالموازنة واقتسام الحقائب، وأضاف ان الموازنة كان من المفترض ان يصاحبها تعديل في سعر الدولار الجمركي لزيادة الإيرادات الضريبية والجمركية لتفادي عجز بالموازنة وتحقيق دعم الجنيه وتمويل حقيقي للموازنة، مشيراً إلى تصريح كرستينا جورجيفا مدير صندوق النقد الدولي، وسوف تأتي بعثة بنهاية شهر مارس لتقييم مدى استيفاء السودان متطلبات الصندوق ليكون تمهيداً لإعفائه من الديون من بريطانيا وأمريكا وفرنسا، واضاف ان هنالك شروطاً متبقية للصندوق منها الخبز والوقود وسعر الصرف لم يتم التوافق عليها مع المكون السياسي، في ظل عدم معرفة استمرار الوزير في منصبها او تعيين وزير جديد مع احتمالية ان يمضي بنفس منهج سابقته في تطبيق سياسات الصندوق، واصفاً الوضع بالضبابي، وقال إن تقديم المساعدات الخارجية وإعفاء الديون مرهون بتطبيق السياسات المالية والنقدية الخاصة بصندوق النقد الدولي، لافتاً إلى ان هنالك قوة مازالت تعتقد انه يجب ان يسير في طريق الدعم القديم باستنزاف موارد الدولة وطباعة النقود، الامر الذي خلق كتلة نقدية كبيرة جداً خارج الجهاز المصرفي، ويقال ان جزءاً كبيراً منها مزور، ولها اثر في التضخم، إضافة الى دخول الدولة مشترياً للدولار.
ودعا عادل الدولة إلى ضرورة التحرك نحو تغيير العملة لاسيما الفئات الكبيرة، لامتصاص جزء كبير من الكتلة النقدية، وطالب الحكومة بحظر استيراد السلع الكمالية الذي ينعكس بصورة سريعة على انخفاض الدولار ويقلل استخداماته، مشيراً إلى أن الدولار بات محدداً لأسعار السلع المحلية، مؤكداً ان الحكومة غير قادرة على اتخاذ سياسات سريعة لجهة عدم اتفاقهم فيما بينهم، بجانب عدم وجود جهات تتخذ سياسات سريعة.
وتوقع مزيداً من الارتفاع متجاوزاً (300) جنيه مع نهاية الأسبوع في حال لم تُطبق السياسات السريعة، وأوضح ان ارتفاع سعر الدولار غير مبرر، لجهة ان بعض السلع يمكن قياس سعرها بالسعر الحقيقي للدولار بما يسمى أسعار الظل للدولار، ويتبين أن سعر الدولار يجب الا يتجاوز (230) جنيهاً في الوقت الحالي .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى