أيوب صديق يكتب: وقفات مع وزير الشؤون الدينية والأوقاف في أقواله (1-2)

أيوب صديق

استوقفتني أقوال لوزير الشؤون الدينية والأوقاف، السيد نصر الدين مفـَّرح، وهي: (أن وزارته تعمل على إرساء مبدأ الحريات الدينية، وعدم التقيد لأي دين) و (أنه يقف على مسافة واحدة من كل الأديان) و(ربنا ذاتو ما عاوز الناس على دين واحد) وهو يعني بالدين الواحد هنا الإسلام، مستشهداً على ذلك بالآية 99 من سورة يونس: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”. فدارت بذهني تساؤلات كثيرة عن هذه الأقوال، ولكن قبل أن أقول برأيي فيها، رأيتُ الرجوع إلى مؤتمر صحفي، سبق ان عقدته من قبل وكالة السودان للأنباء له ولأركان وزارته، ليُعـرِّف بسياسته الجديدة فيها، فلعلي أجد في حديثه للمؤتمرين مبادئ تستند إليها أقواله هذه. وكان سبب استغرابي لها، أنها جاءت من وزير الشؤون الدينية والأوقاف، بالذات قوليه (أنه يقف على مسافة واحدة من كل الأديان) وتساءلتُ إن كان وقوفه من كل الأديان على مسافة واحدة من ناحية إدارته أم من ناحية عقيدته؟ والقول الثاني وهو الأكثر مدعاة للاستغرابه و(ربنا ذاتو ما عاوز الناس على دين واحد) وهو الذي من المفترض أن يكون أعلم من كثير من الناس بمراد الله تعالى، من خلال آيات كتابه الذي أنزله هداية لعباده في حياتهم الدنيا.

شرح الوزير في مؤتمره ذاك، ترتيبات إدارية اتخذها لإصلاح وزارته، التي قال إنها كانت مترهلة، وأن فيها أقساما متداخلة المهام. وتحدث عن تنظيمات وترتيبات أجراها في مجال الأوقاف والزكاة وأمور الحج. كانت تبدو خطوات طيبة كما أبداها للمؤتمر. ثم تحدث دور وزارته في تدريب الأئمة والدعاة، وفي ذلك قال إنهم أقاموا ورشة في ولاية الخرطوم دربوا فيها مئتي داعية لأول مرة منذ سنة 56، حيث قال إنهم أتوا لها بالمتصوفة، وأنصار السنة والأنصار والإخوان المسلمين جناح الشيخ الصادق عبد الله عبد الماجد، ودربوهم على الاعتدال والوسطية ومحاربة الغلو والتطرف وإدارة التنوع ودور الداعية في بناء السلام ورتق النسيج الاجتماعي. والملاحظ أن وزارته التي قال إنها ترمي فيما ترمي إليه، إلى رتق النسيج الاجتماعي، عندما جاءت إلى الإخوان المسلمين خصت منهم جناح الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، واستثنتجناح الشيخ حسن الترابي، وكأن جناح الشيخ الترابي ليس من نسيج اجتماعي من الضرورة أن تشمله دعوات الرتق. ولكن لنحسن الظن فنقول إنه ربما أراد ضم بعضٍ من جناح الشيخ الترابي فعلاً إلى حلقة الأئمة والدعاة، ولكن لم يَسمح له ذوو الطول في حكومته بذلك، وهم الذين عملوا من قبل على شيطنة دين الإسلام كله عقيدةً وشريعة، في مكوِن هذا الجناح. وهو المكون الذي تواطأ خصومه على تسمية أعضائه بالكيزان، ثم بات وصف كوز يُطلق على كل من يتجرأ بإبداء رأي يدعو فيه إلى الدين، أورأي ينتقد به ما يراه مناقضاً للدين، حتى ولو لم تكن له صلة بذلك الجنح. وكأنَ الدين جاء به الكيزان وأصبح وقفا عليهم، مما جعل بعضا من ممثلي ذلك الرهط ذي الطول، يقول في مستهل حفل أقيم ذات يوم (إننا لن نبدأ هذا الحفل بالبسملة كما يفعل الكيزان) وأن منصةَ لأحدِ الاحتفالات وُجهت إليها التعليم اتٌبعدم استهلال الحفل (بالبسملة ولا بالقرآن الكريم) على طريقة الكيزان.

إن الكيزان أنفسهم باتوا يعتزون بأن الدين بات يُربط بذكرهم. وقد يقالإن هذا الربطَ المقصودَللدين بهم، يُنفِّـرُ العامة من غير ذوي النظر من الدين نفسه، وهذا بعينه ما يرغب فيه ذلك الرهط في حكومة السيد الوزير، وهو لا يزال يعمل على إفراغ وسعه في تبغيض العامة في الدين في شخصيات ذلك الجناح. ولو كان بمستطاعه، لما بقي في السودان دين أصلا حتى تقوم له وزارةٌ ترعى شؤونه. وقدْحُ هذا الرهط في الإسلام في ذوات الكيزان، لهو أسهلُ السبل عنده من القدح في الإسلام مباشرة، ولذا فهويقدح فيمن يدعون إليه ومن ورائهم يقول: (إياك أعني واسمعي يا جارة) وذلك نهج مألوفُ في إرواءِ غَلل الخصومةِ السياسية. ومن قبل سُئل الإمام مالك عن سبِّ الرافضة للصحابة رضي الله عنهم فقال رحمه الله: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه؛ حتى يُقال رجل سوءٍ،ولو كان رجلاً صالحا لكن لكان أصحابه صالحين).

لقد أفلح ذلك الرهط في ارتداف وزير الشؤون الدينية خلفه. ولم يستنكفِ الوزير نفسُه في رأيي عن ذلك الارتداف.فكأني به وقد أوفى بنصيبه فيه، حيث لما جيء به إلى السلطة وزيراً، عمل على ما يبين به مخالفته ذلك الجناح الكيزاني، الذي اختار الإسلامَ وحده فيتطبيق شريعته، فألحق الوزيرُ بالإسلام دياناتٍ  أخر في وزارته، إلى درجة أنه كما قيل؛ سأل عن عبدة الأوثان، زاعما أنه مسؤول عنهم أيضا. وفي واقع الأمر أن الوزير لم يكن متناقضاً في ذلك مع نفسه. وهو يرى أن تسمية وزارته بالشؤون الدينية ليس صائبا، وإنما والصواب هو ما قاله في مؤتمره الصحفي نصا: “أنا أسمي هذه الوزارة وزارة المجتمع، لأن كل المجتمع بكل تفاصيله وبكل مكوناته ومؤسساته عنده دين، مش الإسلام وبس، وإنما كل العقائد الدينية التي يعتقد بها من يسكن هذه الأرض الطيبة التي تسمى السودان الوزارة دي حقته”.هذا قوله  الذي قد يتناقض فقط مع أشواق قاعدة حزبه، الذي يمثله في الحكومة. فهي قاعدة الأنصار ذات العقيدة الإسلامية الراسخة، التي لعلها كانت تشعر بأن الوزير الذي يمثل حزبها في الحكومة الانتقالية، هو وزير لشؤون الدين الإسلامي وأوقافه، الذي هو دين ثمانية وثمانين في المئة من سكان السودان، قبل أن تعرف تلك القاعدة أنه ليس كذلك، وإنما هو وزير لشؤون كل الأديان في السودان،حتى الوثنية منها. ولكنه تعريفٌ قد يلائم قناعة قيادة الحزب، التي تُوصف عند كثير من المراقبين بأنها قيادة علمانية. ولذا ربما كان ذلك سبب قول الوزير الذي ساوى فيه بين الإسلام، الذي هو دين الثمانية والثمانين في المئة من سكان البلاد، وبين أديان إثني عشر في المئة من بقية سكانها، وهذا سبب قوله: (ربنا ذاتو ما عاوز الناس على دين واحد) وهو يعني أن دين الإسلام لم يكن مراد الله تعالى، ويعني أن الله (عاوز) كل تلك الأديان قائمةً يُعبد بها بجانب الإسلام، وليس غير ذلك لقولهمن معنى. والوزير هنا، إما أنه يجهل مقصود القرآن، ويجهل مدلول لغته،وإما أنه يعرف ذلك، ويقول ما يقول عن عقيدة في نفسه، تُنكر نص المحكم من آياته مثل قوله تعالى: “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” (19آل عمران)، وينكر قوله تعالى:” وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” 85 آل عمران. ونتيجةلإنكاره أولجهله، فهو يرى أن الله تعالى ساوى بين الإسلام وبين كل تلك الأديان بما فيها من وثنيات، وارتضاها للناس كلٌ يعبدهمنها كما شاء، بما في ذلك من ألوان الكفر وعبادة غير الله الواحد الأحد. ويكون الله بذلك قد ارتضى لعباده الكفر، وهو القائل في قرآنه:” إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ”( 7الزمر).

 ولذا عند هذا الوزير وعند غيره من مسؤولي حكومة ما بعد الثورة، كما يبدو، ولتحقيق المساواة والعدالة التي هي شعار الثورة، فيجب أن يُطبق مبدأ يُساوي بين دين الثمانية والثمانين في المئة من سكان البلاد وهو الإسلام، الذي يفرض على معتنقيه بنصوصه المحكمات،تطبيق شرائعه فيهم، وبين ديانات الاثني عشر في المئة وهم بقية سكانها، الذينلا تفرض عليهم دياناتهم شرائع تطالبهم بتطبيقها في حياتهم. ويكون تطبيق ذلك المبدأ بإلغاء شرائع دين المسلمين ليتساووا بذلك ، بمعتنقي الديات الأخرى التي ليست لها شرائع، فينتج عن ذلك المبدأ هرمٌ اجتماعي، يُعمل على تثبيته مقلوباً، ليقف على رأسه المدبب، وأن تكون قاعدته العريضة وهي الغالبية المسلمة إلى قوق، وهذا يحتم على الحكومة الانتقالية، العمل بكل الوسائل على تعديل قوانين الجاذبية، حتىي يستقر الهرم على رأسه مقلوبا، وعندها قد تكون دولة المواطنة الخالية من منغصات شرائع الإسلام.

( يتبع)

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى