السودان: د. حيدر معتصم يكتب: السودان.. فرص العبور و حواجز الدم

(12)
إنتهى الحديث في المقال السابق إلى التوقف عند بعض الإضاءات المتعلقة بالهوية إجابةً على السؤال الأول من الأسئلة الأربعة الأساسية المرتبطة بشكل جوهري بتأسيس الدولة و بناء الوطن، و نتوقف هذه المرة في محطة السؤال الثاني و محاولة التأكيد على بعض النقاط الهامة المتعلقة به. ثانيا : ماذا نريد أن نحقق..؟
و هذا السؤال يعد تعبيراً مباشراً عن مجموع الحقوق والأهداف الوطنية المشتركة المرتبطة بتطلعات الجماهير التي تريد أن تحققها مع بعضنا البعض كمؤسسات سياسية مرتبطة بتلك التطلعات و قد ظلت الحقوق والأهداف المشتركة مثلها مثل معضلة الهوية الوطنية عرضة للإستهداف المباشر و التشويه و التجاذب بين الأيدلوجيات و الرؤى السياسية المختلفة و الكل يريد أن يفرض أهدافه الحزبية و الأيدلوجية على الآخرين و على الوطن و فيما أعلم لم تجلس النخب السودانية و لم تتواضع للجلوس و لا لمرة واحدة منذ الإستقلال من أجل وضع أهداف وطنية مشتركة و الأهداف الوطنية دائما تأتي متأخرة في سلم الأولويات و عرضة للتأجيل و المماطلة لأن الكل مهموم و مشغول عن الأهداف الوطنية بفرض أهدافه الحزبية الخاصة من أجل الإنفراد و السيطرة على المشهد و ظلت الدعوة إلى مؤتمر دستوري جامع لوضع الأهداف المشتركة مجرد مطية تستخدمها الأحزاب من أجل المناورة و كسب الوقت و حصد النقاط، و المؤتمر الدستوري نفسه في مخيلة السياسيين السودانيين ليس أكثر من مجرد كلمات هلامية فارغة لا تعبر عن مدلول واضح و معين و الأكثر سوءاً أنه ليس هناك مفهوم مشترك لذلك المؤتمر الدستوري المزعوم عند هؤلاء الساسة حتى داخل المنظومة الحزبية الواحدة و الكل يعبر عنه من خلال منظور و فهم يخصه هو فقط و يعبر عن أجنداته الأيدلوجية و الحزبيةو أحلامه وتطلعاته الشخصية وفق ما يهوى و من المؤسف جداً فإن الإنحناء لتلبية الأجندة الوطنية عند السياسيين يعتبر تنازلاً فكثيراً ما نسمع العقلاء منهم و بوعي كامل يتحدثون عن ضرورة تقديم تنازلات حزبية من أجل التوافق الوطني الجامع و تلك لعمري سقطة وطنية كبرى و إلا فكيف يكون التنازل من أجندة حزبية لصالح أجندة وطنية تنازلا و لنسأل : تتنازل الأحزاب عن ماذا و لأجل ماذا..؟ و قبل الإجابة لابد من توصيف و تعريف دقيق لمصطلح تنازل فحينما نقول مثلاً شخص أو مجموعة من الناس تنازل أو تنازلوا عن شيئ فهذا يعني أنهم تخلوا عن حق أصيل من أجل مكتسبات يحققونها و لذلك فحينما نقول أن الأحزاب تنازلت من أجل تحقيق التوافق الوطني فذلك يعني أن هذه الأحزاب تعلى قيمة مصالحها الحزبية الضيقة و الدنيا على قامة المصالح الوطنية العليا المشتركة و لا نجد في هذه الحالة مايمكن أن نصف به هذه الأحزاب سوى التخلف والسقوط الفكري و السياسي و الأخلاقي لأن الإزعان و الرضوخ و الإنصياع الكامل لقامة الوطن يعد واجبا وليس تنازلاً و شتان ما بين الواجب و التنازل
حينما يغيب التخطيط الإستراتيجي الوطني يغيب الوطن و تغيب الأهداف الوطنية و تضيع و يتحول الحزب أو القبيلة أو الطائفة في الوعي و اللاوعي عند الناس إلي وطن و تتحول تباعا الأهداف الوطنية إلى أهداف حزبية أو طائفية أو قبلية أو مهنية و تصبح التنمية البشرية مثلاً هي حشد الناس لخدمة أهداف و تطلعات الحزب لا الوطن و تصبح التنمية الإقتصادية هي بناء إستثمارات تدر الأموال لمصالح الحزب لا الوطن و تتحول الأهداف الوطنية العدلية إلى دوائر إنتقامية من أجل ملاحقة الغرماءالسياسيين و تستثمر دماء الشهداء في بث الغبائن و سقوط مزيد من الشهداء و ما درينا أن دماء الشهداء هي معاول البناء ولم ندرك يوما أن دمائهم هي أحلامهم و أمنياتهم التي ضحوا من أجلها، و تباعاً و بلا شك فإن غياب الأهداف مضيعة للحقوق، حقوق الناس في الحرية و السلام و العدالة والتنمية و التعليم و الأمن و غياب الأهداف هو غياب الوطن من عقل و وجدان الناس.
ثالثاً : ماذا نملك لتحقيق مانريد..؟ و المقصود هنا ماذا نملك من مقومات لتحقيق مانريد من أهداف و بمعنيً آخر هل نحن فعلاً قادربن على تحقيق ما نريد من أهداف و في هذا الإطار لا يساورني شك في أن السودان هو أرض الحضارات والثقافات بلا منازع بما يحمل من تراكم معرفي ضارب الجزور في عمق التاريخ منذ كوش و النوبة و علوة و المقرة و سنار و الفور و المسبعات و المهدية و كثير من التجارب الإنسانية الأخرى و ما يتميز به السودانيين بين أقرانهم في بلاد المهجر من إنضباط و كرم و شهامة و نصرة للمظلوم و صدق و أمانة و غيرها من قيم لا يمثل إلا النذر اليسير من رصيد ضخم و هائل من مقومات النهوض و الإقلاع الحضاري الغائبةعن المشهد و الحاضرة في دواخلنا ولكن لكي تعود هذه القيم من عمق التاريخ الذي يعيش في أعماقنا و يتحول إلى طاقة إيجابية تملأ و تزين و تقوم الحاضر من أجل بناء مستقبل واعد فإن ذلك عمل يحتاج إلى من يقوم عليه و يهتم به عبر مراكز البحث المعرفي و البعث الحضاري الحقيقي و هو ترجمة ما تحمله الأمة من قيم و تحويله إلى واقع يمشي بين الناس و الشعب السوداني هو شعب قادر على النهوض و صناعة المستقبل و الريادة لو قدر له أن يؤمن بما يحمل من قيم و قديما قيل :
لا أرى في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام
… نواصل

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى