الحملات الأمنية على تجار العملة.. استراتيجية مضادة

الخرطوم: هالة حافظ

بعد قرارات التأميم والمصادرة قبل (٥٠) عاماً بدأت معاناة السودانيين في الحصول على العملات الصعبة بغرض تسيير امورهم ومعاملاتهم الخاصة والتجارية، واصحاب المصانع والشركات السودانية كانوا اول من تضرر بسبب ندرة العملات الاجنبية، وساءت احوالهم لدرجة ان بعض الشركات المعروفة اضطرت الي اعلان الافلاس واغلاق مصانعها. ومنذ ذلك الوقت مع انتشار اية حملة من الحملات الامنية بدأت تشهد اسعار العملات الاجنبية بالسوق السوداء تذبذباً في الاسعار وارتباكاً واضحاً كما حدث في الايام الماضية بعد القاء القبض على عدد كبير من تجار العملات الاجنبية، وشهدت العملة الوطنية (الجنيه) خلال الأسبوع الحالي انخفاضاً غير مسبوق في قيمتها حسب جولة لـ (الإنتباهة) حيث تم تداول سعر الدولار في السوق السوداء بواقع ٣٣٤ جنيهاً للشراء و٣٣٥ جنيهاً للبيع، بينما بلغ سعر الجنيه الاسترليني ٤٠٠ جنيه لللشراء و٤٠٥ للبيع، وارتفع سعر اليورو الى ٣٧٠ جنيهاً للشراء و٣٧٥ للبيع، وبلغ سعر الدرهم الاماراتي ٩٢ جنيهاً للشراء و٩٣ جنيهاً للبيع، بينما وصل سعر الريال السعودي الى ٨٩ جنيهاً للشراء و٩٠ جنيهاً للبيع، ووصل سعر الجنيه المصري الى ٢١ جنيهاً للشراء و٢٢ جنيهاً للبيع.

عجز الميزان التجاري:
الى ذلك قال الخبير الاقتصادي بقوى الحرية والتغيير د. الهادي محمد ان هذه الاجراءات التي تتمثل في ملاحقة تجار العملة بالعديد من الطرق تم تطبيقها مراراً وتكراراً من قبل، منوهاً بان القضية ليست خاصة بتجارة العملة بالخارج فحسب وانما لارتباطها ايضاً بالعجز الموجود بالميزان التجاري بين صادرات السودان ووارداته، مبيناً ان الواردات تصلالى  حدود تسعة مليارات دولار في العام، بينما تبلغ الصادرات حوالى خمسة مليارات دولار، وتابع قائلاً: هذه فجوة كبيرة ما بين الصادر والوارد، لجهة انه يمول من السوق غير الرسمي، مما يعني ان هنالك تجاراً يعملوا على توفير هذه العملة سواء بالداخل او الخارج، واضاف في حديثه لـ (الانتباهة) ان الحديث حول معالجة الامر عبر جهات امنية عبر مختلف الاجراءات كان يتم منذ عهد الرئيس الراحل جعفر نميري ولم يحد من ارتفاع الدولار، وذلك لجهة ان الاحتياج للطلب عالٍ جدا مقابل العرض الموجود بالداخل والعرض الموجود لدى الدولة، واوضح انه حال وفرت الدولة الدولار كان من الممكن الا تحتاج لمطاردة تجار العملة لجهة انها المتحكم الاول بالعملة وسعر الصرف، بالاضافة لعرض وطلب الدولار، واردف قائلاً: حال توفرت لبنك السودان المركزي احتياطات كبيرة سيستطيع ان يقوم بإدارة سعر الصرف بطريقة مرنة اي ما يسمى سعر الصرف المدار بأن يتدخل في حال وجود طلب عالٍ ويقوم بطرح الدولار للتقليل من الطلب، ويتدخل كمشر في حال وجود عرض عالٍ يؤثر في انخفاض سعر الدولار المثبت، وبالتالي يقوم بتثبيت سعر الصرف بهذه الآلية وهي تدخل البنك، اذ ان لديه احتياطات ضخمة وتستطيع ان تسهم، وتابع قائلاً: طالما ان هنالك عجزاً في الميزان التجاري والموازنة واحتياطيات النقد الاجنبي فهذا يقود لارتفاع اسعار الصرف بالسوق الموازي، لأنه حال توفر العرض من الدولة فإنه يؤدي لاستقرار السعر، وعندما يرتفع الطلب يؤدي الى الندرة ويكثر السريحة الذين يعملون على تجميع الدولار القليل الموجود بالسوق لصالح التجار الكبار الذين يلعبون دور توفير الاحتياجات سواء من الموردين البسيطين من التجار او للدولة نفسها عندما تحتاج الى شراء الدولار من هؤلاء التجار، وتساءل قائلاً: هل عمليات المطاردات سواء كانت محلياً عبر الامن وخارجيا عبر الانتربول ستكون مجدية؟ وذكر ان الانتربول لا يستطيع ان يضبط اي شخص الا بجريمة وحيثيات محددة، بالاضافة الى انه عندما يحدث تدهور في قيمة العملة الوطنية نتيجة مضاربات او اي نوع من الاعمال يمكن ان تؤدي لانخفاض العملة وارتفاع العملات الاجنبية باللجوء لحفظ المدخرات بالتفتيش للملاذات الامنة بغرض عدم تدني القيمة وذلك بالذهب والدولار وقطع الاراضي، لافتاً الى ان هذه العملية تساعد بصورة او بأخرى في ارتفاع اسعار الصرف وتخفيض قيمة العملة وزاد قائلاً: ان هذه الاجراءات غير خلاقة وفشلت مراراً وتكراراً ولا جدوى منها، ونبه الى ان التجار لديهم استراتيجية مضادة لاي عمل تقوم به الحكومة فيقومون بإتباع اسلوب تهدئة اللعب الى ان تستقر الامور على نقطة معينة ويعودون الى تنشيط إجراءاتهم لينطلق الدولار بصورة اكبر مما كان في السابق، وهذا امر معروف للمتابعين، وابان ان الحل في امتلاك الدولة احتياطيات قوية من النقد الاجنبي لدى بنك السودان ليستطيع التدخل لحماية سعر الصرف، بالاضافة الى السيطرة الكاملة على عائدات الصادر مما يعني توفر الدولار لدى الدولة سواء في البنوك الخاصة او البنك المركزي وضبط الوارد، وترشيد كامل للاستيراد الا للضروريات بمحاربة الكثير من السلع الضرورية التي تستنزف الدولار، الى جانب جذب مدخرات المغتربين بسياسات تحفيزية عالية افضل من السوق السوداء، اضافة للحد من التهريب.
أسوأ القرارات:
ووصف الخبير الاقتصادي د. كمال كرار قرار ملاحقة تجار العملة داخلياً وخارجياً عبر الانتربول كمحاولة لوقف انهيار العملة بأنه من أسوأ القرارات الادارية والأمنية، وقطع بعدم مساهمته في معالجة المشكلات الاقتصادية، مؤكدا ان ارتفاع العملات الاجنبية مقابل الجنيه السوداني يرجع الى الجوانب الاقتصادية، واردف قائلاً: طالما ان السياسة الاقتصادية خارج سيطرة الدولة فمن الطبيعي ان يكون الاقتصاد في يد السوق الاسود، وجزم بأنه حال عدم تعديل هذه السياسة بان تكون الصادرات الرئيسة تحت سيطرة الدولة وترشيد للواردات بحيث يتم تقليل الطلب على النقد الاجنبي، فلن ينخفض سعر الدولار سواء بالتشديد على التجار عبر الانتربول او بالاسواق، بل على العكس تماماً سيؤدي ذلك لرفع سعره عند بدء هذه الاجراءات الامنية، لجهة ان التعامل سيتم في اماكن بعيدة جغرافيا واماكن مغلقة، وبالتالي يزداد الطلب على الدولار جراء هذه الاجراءات ويصل من ٣٤٠ جنيهاً الى اكثر بمراحل، واكد في حديثه لـ (الانتباهة) ان الحل الامثل ان يتم التحكم في الدولار بالسيطرة عليه تحت يد الدولة، ونوه بان السياسة الاقتصادية بعد الثورة جعلت الدولار تحت هيمنة التجار والسماسرة، وتابع قائلاً: هذه النتيجة الطبيعية للسياسات المطابقة لصندوق النقد الدولي، واوضح ان هذا القرار لا يعتبر علاجاً ولا حتى مسكناً، وطالب كمال الدولة بعدم اللجوء لمثل هذه الاجراءات التي لا جدوى منها، واضاف كرار ان سبب ارتفاع الدولار يرجع الى انه اصبح سلعة في حد ذاته، إذ ان اية جهة لها مدخرات معادلة بسعر الجنيه للمحافظة على قيمة الجنيه لجهة انهياره مع ارتفاع نسب التضخم الاقتصادي تقوم باستخدام الدولار وليس بالضرورة ان يتم شراء الدولار لشراء سلع او اي شيء آخر وانما يتم شراء الدولار بغرض الاحتكار، الامر الذي يساعد في الطلب على الدولار، واكد كرار ان سياسات الحكومة دفعت المواطن لزيادة الطلب على الدولار، واهمها عدم سيطرة الحكومة على التجارة الخارجية التي يتحكم بها افراد او شركات بما فيها الذهب، منوهاً بان قوانين الصادر تجعل المتحكم في عائدات الصادر المصدرين وليس الحكومة، وتابع قائلاً: بما ان الحكومة فقدت السيطرة على التجارة الخارجية فهذا يعني فقد سيطرتها علي الدولار، مما يعني ان السوق اصبح يخضع اما للعرض والطلب او ان يخضع لتبديل الارصدة السودانية بالوصول للعملات الاجنبية، او ان لها علاقات اخرى بمدفوعات بالدولار سواء مرتبات او ايجارات، مما يساهم في تدمير الاقتصاد، جازماً بشراء الحكومة نفسها للدولار بإقرار المسؤولين انفسم عندما تم دفع تعويضاات حادثة المدمرة كول، مما يعني ان من يدير الاقتصاد تجار السوق الاسود، وتوقع كرار ان يزيد سعر الدولار خلال شهر او اثنين اكثر من ٤٠٠ جنيه، ونوه بان كل ما يحدث مبني على فلسفة اقتصادية فاشلة، وذلك بجعل الامور تمر كما هي دون تدخل الدولة لجهة التزامها بشروط صندوق النقد الدولي او ما يسمى برنامج مراقبة الاداء، وابان ان الضرر المباشر يلحق بالمستهلك، لجهة ان اي ارتفاع لأسعار الدولار يعني ارتفاع اسعار الواردات وتدهور سعر الجنيه، وبالتالي يزداد الفقراء فقراً ويعيش المواطن في ضنك ووضع معيشي اصعب، وطالب كرار الدولة بالسيطرة على النقد الاجنبي وذلك بتغيير سياسات الصادر والوارد، بحيث يصبح بنك السودان المسؤول عن حصائل الصادر خاصة الذهب وتحديد السعر المناسب له، ونوه كرار بضرورة تخفيض الاستيراد للسلع الكمالية، الامر الذي يساهم في تخفيض الطلب على الدولار، واضاف أن تخفيض الطلب ايضاً يعتمد على وجود انتاج، قاطعاً بعدم وجود انتاج دون التعدين، وطالب الدولة بالاهتمام ببقية القطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية التي تقوم بالتصدير عبر شركات عامة مملوكة للدولة لتكوين احتياطي من العملات الصعبة، واضاف انه دون وجود احتياطي من العملات الصعبة سيذهب الاقتصاد الى الهاوية، واوضح كرار ان تصاعد الدولار امر طبيعي لجهة ان من يسير الاقتصاد المافيا الموجودة حالياً، وذلك لعدم وجود اية قوانين وسياسات تعمل على خفض سعر الدولار وتقوية الجنيه والسيطره عليه، ونوه بان هذا الامر لمصلحة جهات محددة مستفيدة من هذا الوضع، اي نفس سياسة النظام البائد ان لم تكن اسوأ.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى