اليسار في الانتقالية.. هل انتهى شهر العسل ؟

قراءة : أحمد طه صديق

بعد إذاعة بيان التشكيل الوزاري لحكومة مايو برئاسة جعفر نميري التي قفزت إلى السلطة في العام الخامس والعشرين من مايو1969 في ذلك الوقت انطلقت العديد من الهمس والشائعات حول الهوية السياسية للانقلابيين الجدد ومعظم الهمس انصب حول تبيعتهم للحزب الشيوعي وعن الدور الذي قام به في الانقلاب، وهو أمر أغضب الرئيس نميري واستدعى بابكر عوض الله الذي نفى أي دور للشيوعيين فيه أو أي انتماء للوزراء بالحزب الشيوعي، إلا أن هذه الشائعات وجدت أرضية قوية عندما شارك الشيوعيون بكثافة في موكب التأييد في الثاني من يونيو 1969م بشعاراتهم الحمراء التي لم يكفوا عن رفعها في العديد من الحشود واللقاءات الجماهيرية، وبالمقابل حاول نميري أن يظهر لوناً مختلفاً لحركته مغايراً للفكر الماركسي مثل شعار الوحدة الوطنية في مقابل وحدة القوى الثورية، كما حرص على أن يتحدث عما سماه الاشتراكية السودانية التي تستلهم مبادئ الإسلام في إشارة لرفضه الاشتراكية العلمية.

بداية التوجس

 وإزاء إصرار الشيوعيين على إعلان احتواء النظام الجديد كان نميري يعتزم إعلان موقف الحركة الرافض للشيوعية والتعاون معهم، إلا أن أعضاء مجلس الثورة كما أورد مؤلف كتاب «الرجل والتحدي» كانوا يرون أن إعلان هذا الموقف هو مبادرة عداء لعناصر لم تشترط إعلان هويتها الفكرية والعقائدية في إطار مساندتها للثورة، غير أن الرئيس نميري لم يقتنع لأسباب عدّدها عبر كتاب الرجل والتحدي الذي كتبه كما أشرنا من قبل السكرتير الصحفي للرئيس نميري ونسبه لكاتب مصري يدعى عادل رضا وجاءت الأسباب على النحو التالي :

/ 1إنه بتجربته الشخصية في أكتوبر 1964م ثم مايو 1969م قد واجه التنكر الشيوعي لأية مبادرات لا يتولون قيادتها أو على الأقل لا يكون لهم دور رئيس فيها.

2/ إن التحرك الشيوعي رغم عدم إعلانه عن هويته بصورة سافرة، إلا انه يطرح شعارات ويخلق شائعات يهدف إلى إيهام الجماهير بأنه المهيمن على الثورة أو على الأقل المحدد لاتجاهاتها .

3/ إنه يرى وعن اقتناع أن هدف الشيوعيين من التظاهر بتأييد الثورة، إما يتمثل في إتاحة الفرصة لهم لممارسة العمل العلني برضا الثورة أو رغماً عنها كمرحلة سابقة للانقضاض عليها.

4/ إن النشاطات المكثفة للتنظيمات الخاضعة لسيطرة الشيوعيين الفكرية أو التنظيمية أو التي تقودها عناصر شيوعية ملتزمة إنما هي جزء من خطط لاحتواء الثورة أو الانحراف بها عن طريق تحقيق أهدافها المعلنة، وإنه سيقف أمام هذا المخطط بصلابة. واستمر الرئيس نميري في إبراز خط متمايز عن الشيوعيين ولكن دون إلاشارة إليهم بصراحة .

تلك كانت اتهامات الرئيس المخلوع نميري للشيوعيين في بداية سنوات حكمه القابضة وهي اتهامات تجددت كثيراً من خصومهم السياسيين في هذا العهد الذين يرون أن الحزب الشيوعي يعارض الكثير من السياسات المعلنة سواء أكانت من الحكومة أو من منظومة الحرية والتغيير ليس من منظور أيدولوجي فقط ولكن من أجل تكتيكات براغماتية تسعى للكسب السياسي بغرض محاولة استقطاب للحراك الثوري الشاب .

وربما يرى كثيرون أن الشيوعي يقوم بتصعيد سياسي وشعبي عن طريق كوادره أو على الأقل تحريك العناصر الشابة التي يتم التأثير عليها بحكم الاخفاقات العديدة في مسار الثورة السياسي أو الاقتصادي التي طرأت بفعل التحديات العديدة التي واجهت الحكومة أو بسبب الاستقراءات الخاطئة أواتخاذ بعض القرارت الخاطئة .

غير أنه في كل خطوات التصعيد التي يقوم بها الحزب بدا وكأنه يصطف دون انتباه مع اعداء الثورة بتقوية خطابهم السياسي المغرض بالرغم من اختلاف الخطاب بين الطرفين وهو ما افضى في النهاية إلى اضعاف تيار الحرية والتغيير مما أخل بالموازنة الثورية المدنية داخل منظومة الحكم وتأثيرها في آلية الشارع كوسيلة ضغط ورقابة فاعلة .

مستقبل اليسار في الانتقالية

ويرى المتابعون للشأن السياسي أن الحزب الشيوعي لم يكن وحده الذي مارس نوعاً من المعارضة المتشنجة التي افتقدت الاحساس الحصيف بالتداعيات الاستراتيجية والظرفية المرحلية للفترة الانتقالية وإن كان اليسار القومي أقل حدة وصوتاً من الشيوعي بيد أن تناغمهم معه في العديد من المواقف وبذات الآلية الهتافية جعلت التيارات المحافظة والتي انتهجت الواقعية السياسية خياراً أن تكسب الجولة وهو ما بدا في تكوين مجلس الشركاء الانتقالي الذي اثار جدلاً في قيامه وصلاحياته وتكوينه وممارسة ادوار ظلت محل جدل في اتساقها مع الصلاحيات التي قيل إنه سيلتزم بها، كما أن خروج الاحزاب اليسارية من الحرية والتغيير أو على الأقل تجميد نشاطها عمل على منح الجناح المحافظ في الحرية والتغيير المتحالف مع المكون العسكري والمتناغم مع الحركات المسلحة مساحة لاحداث تحولات جذرية في السياسية الداخلية والخارجية تبلورت في التطبيع مع إسرائيل واتخاذ سياسات اقتصادية لبرالية تمثلت مؤخراً في رفع الدعم عن الوقود وتبني سياسات المؤسسات النقدية العالمية كان آخرها تعويم الجنيه السوداني الذي لاقى اعتراضاً متوقعاً من الاحزاب اليسارية بيد أن الحكومة الجديدة التي جاء تشكيلها مخاضاً للتحولات السياسية التي حدثت في الساحة السياسية بعد ابتعاد اليسار من تلك المنظومة يبدو أنها مصممة على المضي في إنفاذ سياستها دون التفات لأي اعتراضات من اليسار بعد أن لمست عدم قدرة اليسار في تحريك الشارع الشبابي كما كان في السابق فضلاً عن أن قرارها الأخير بتعويم الجنيه السوداني اعاد ترتيب الأوراق مجدداً وجعل العديد من القطاعات الشعبية الوطنية تؤيد تلك الخطوة وتعلن دعمها غير المحدود لها باصطفاف لم تكن الحكومة بتركيبتها الجديدة تتوقعه .

حمدوك مهندس التغيير

لم يكن د. عبد الله حمدوك رئيس الوزراء بعيداً عن التحولات التي افضت إلى خروج اليسار من الفعل السياسي المؤثر على منظومته الحاكمة فقد بدا متضامناً في صمت وسرية مع التيار المحافظ والعسكري بغرض إنقاذ مركب الفترة الانتقالية من الغرق وتجنب الفشل التاريخي بالعبور الآمن والسلس للبلاد نحو تحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة وبسط السلام .

ولعل التغييرات التي احدثها د. حمدوك في مكتبه بمجلس الوزراء بخروج عناصر محسوبة على اليسار تؤكد تصميمه على نفض يده من قبضة اليسار وتحويله الى رصيف الفرجة والاحتجاج من على البعد .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى