السودان: أيوب صديق يكتب: مكانةُ البرهان ولجنة إزالة التمكين

حدثني ذات يوم البطل، العسكري السوداني البكباشي، زاهر سرور السادات، عليه رحمة الله، عن وجه من أوجه الإنضباط العسكري الصارم في الجيش إبان عملهم فيه. فقال لي إنه في سني الحرب، وأثناء معركة من المعارك، بدا يظهر على قوتهم المقاتلة شيءٌ من التراجع، فإذا بأحد الضباط فيها يصح ( سونكي رَكِبْ)، العبارة التي دلت على حالة من الإلتحام بالعدو. فقال إن هذا النداء أحدث قوة من الإندفاع في نفوس القوة المقاتلة، فقاتلت قتالاً عنيفاً حتى إنتصرت في تلك المعركة. وأقيم فيما بعد حفلُ تكريم لأفراد تلك القوة، ولكن ذلك التكريم لم يشمل ذلك الضابط الذي أصدر أمر (سونكي رَكِبْ)، الذي ولد الحماس في نفوس المقاتلين حتى إنتصروا. وبعد نهاية التكريم، جاء ذلك الضابط محتجاً على استثنائه من التكريم، فقال له قائد تلك القوة: أهو أنتَ الذي أصدر ذلك الأمر؟ فأجابه بنعم. فقال له القائد من أمرك بذلك؟ أما كان هناك أركان حرب لهذه القوة؟ ثم قال له أنت كنتَ تستحق المحاكمة على هذا التصرف الذي يدل على عدم إنضباطك ، ولكن أكتفينا بدلاً من محاكمتك بحرمانك من التكريم.
تذكرتُ هذا الموقف العسكري الصارم، وأنا أنظر إلى وقفة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، وهو يضاحك صلاح مناع ووجدي صالح ورفاقهما، في لجنة إزالة التمكين، التي أسمعه أعضاؤها ما لا يليق بمقامه الرئاسي، وبالذات من صلاح مناع وجدي صالح، اللذين أنستهما نشوة السلطة، التي لا معقب لها، والتي منحها االفريق أول البرهان نفسه،فأرتد عليه صنيعه منها بما رآه الناس وسمعوه في حقه. فقد أنتقده صلاح مناع على رؤوس الأشهاد متهماً إياه بإعاقة أعمال لجنتهم، في نغمة تعالٍ تحمل في طياتها السخرية منه والحط من مكانته. أما زميله وجدي صالح، فهو الآخر ولاستبداد نشوة السلطة به، جعل ينظر إلى نفسه في مكانة مساوية لمكانة البرهان. فقد تجلى ذلك منه لحظة علمه بأن هناك توجيهاتٍ عُليا تلزم بإيقافهم خارج أسوار القصر، فقال:(إن القصر الجمهوري مؤسسة سيادية تتبع للدولة وليس للبرهان، ولجنة إزالة التمكين أيضاً مؤسسة سيادية، وليس للبرهان حق في أن يمنعهم من دخول القصر) ولعل السيد وجدي صالح، من فرط غروره تناسى أن رئيس الدولة التي يتبع لها كلٌ من القصر ولجنة إزالة التمكين، هو البرهان الذي يستخف به بهذا الأسلوب الصَلِف. وقد ذاق البرهان من هذه اللجنة ما يقوله المثل الشعبي( ضُوقْ سَنَّك يا حَداد).
إن الفريق أول البرهان حرٌ في أن يضع نفسه أنى شاء من مكانة، من حيث الإحترام أو عدمه، أمام صلاح مناع وجدي صالح وغيرهما، من أعضاء لجنة إزالة التمكين، التي شكلها هو، ومنحها من السلطات التي تَنتقي بها من تشاء، ممن تصادر ممتلكاتهم بمعاييرها السياسية، ثم تعقد المؤتمرات الصحفية، للتشنيع والتشهير بهم، وهي تعلم أنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ولا الرد عليها، وذلك من أخس أساليب الخصومة. والبرهان مسؤول أمام الله تعالى عن كل ظلم يلحق بأحد من الناس من هذه اللجنة، سواءً كان ذلك بمصادرة ممتلكاته ظلماً، أو بإغتيابه علناً بشتى الإتهامات في مؤتمراتها الصحفية. فالبرهان حر في أين يضع نفسه من كل ذلك، إلا أنه ليس من حقه أن يفرض تلك اللجنة الظالمة، على الناس لتفعل بهم ما تشاء، دون معقب على أعمالها، وقد سدَّ هو نفسه طرق محاسبتها، ليُبقي كل مظلوم من مظاليمها، طاوياً نفسه على جراح ظلمه، طالما ظل الفريق البرهان راغباً في ذلك وراضياً عنه. وما قولي ذلك عنه، إلا لأنه هو الراعي الأول، المسؤول عن رعيته، أمام رب يحاسب على مِثقال الذرة وليس بينه وبين عباده رِحمٌ أو نسب.
إن الأمر الغريب حقاً، هو ما صدر من إجتماع البرهان باللجنة، وهو دعمه لها فيما تقوم به، وما تقوم به هو الظلم بنفسه.ثم الطلب من رئيسها المستقيل الفريق ياسر العطا، العدول عن استقالته والعودة إليها ليواصل عمله فيها. والمعروف عن الفريق العطا عندما قدم استقالته من رئاستها، وطالبها بحل نفسها، ومطالبته بتعيين مفوضية لمكافحة الفساد محلها، علل ذلك بأنها كانت تعمد أحياناً إلى التشفي والإنتقام، وهاتان صفتان قادحتان جداً، في عمل لجنة تتوخى الإنصاف وإعادة الحقوق إلى أهلها. وفي هذا اليوم الذي كنتُ أعد فيه هذا المقال، قرأت في الصحف أن الفريق ياسر العطا يتعرض إلى ضغوط شديدة، من أجل العدول عن استقالته والعودة إلى رئاسة هذه اللجنة، التي رأى منها ما خشي منه على نفسه أمام ربه، وكأنَ الإنتقام والتشفي في عرف البرهان وأعضاء لجنته ليسا بشيء، مع أنهما من أكبر درجات الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله محرماً على الناس. ولربما أن إغضاب الله تعالى عند البرهان ولجنته، أهون من إغضاب جماهير الثورة،الذين يصر بعضهم على عدم حلها، طالما أنها تروي غل أنفسهم بالتشفي والإنتقام من ننأنفيهمأهل الإنقاذ.
وأمر استخفاف صلاح مناع ووجدي صالح وغيرهما بالبرهان، وهو رئيس الدولة ورمزُ المؤسسة العسكرية، أمر له سوابق تسبب فيها العسكريون لأنفسهم. فبعد إندلاع الثورة، التي كان لهم فيها النصيب الأكبر بإقصاء نظام الإنقاذ عن السلطة، شكلوا أي العسكريون إثر ذلك، مجلسهم الإنتقالي. ولكن مرت بذلك المجلس ظروفٌ ومواقفُ، أظهر فيها أعضاؤه سلسلة من التناقضات في الأقوال وضعفاً في المواقف، نكثوا فيها عهوداً قطعوها أمام الناس على أنفسهم. فقد رأينا مجلسهم العسكري يُقصي عدداً من أعضائه، إنصياعاً لرغبة فئة من المدنيين، لم ترغب في استمرارهم في عضويته، ولم يستطع ذلك المجلس الدفاع عنهم. ثم سمعنا على لسان المتحدث الرسمي باسم المجلس، أن المجلس رد وثيقة أعدها المدنيون لتسيير الحكم، لأنها تجاهلت إبقاء الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع،كما تجاهلت اللغةَ العربية لغةً رسميةً للدولة، ولم يمر طويلُ وقت، فإذ بذات المجلس قد إنصاع وقَبِل تلك الوثيقة، التي رفضها بالأمس، وقد حُذفت منها الشريعةُ الإسلاميةُ واللغةُ العربية معاً. ورأينا ذلك المجلس أيضاً يقول إنه لن يجعل السلطة في يد فئة سياسية واحدة دون غيرها، وإنما سيجعلها في يد حكومة كفاءات محايدة تمثل الجميع، فإذا به يسلم السلطة إلى الفئة التي سلمها إياها، فجاءت الحكومة المرتجاة حزبية صرفة. وقال أكثرُ من عضو في ذلك المجلس، إن الدين بالنسبة إليهم خط أحمر فلن يسمحوا بالإعتداء عليه، ولن يُؤتى من قبلهم، فإذا بالدين كان هو الهدف الأول لحكومة البرهان، حيث إجترأت على الطعن في ثوابته وأحلَّت محرماته، في تحدٍ لكل ما وعد به العسكريون بقيادة البرهان.ولضعف مواقفهم وتناقض أقوالهم فيما سبق، رأى المدنيون منهم ما جرأهم عليهم أقوالاً وأفعالاً، وما ناله البرهان من لجنة شكلها بنفسه، إلا حصاد ما غرس هو وفاقه.هذا، وتأسيساً على الإنطباعات التي أخذت عليهم من تلك المواقف السابقة، يقول الناس الآن في مجالسهم، إن العسكريين يقولون الآن إنهم لن يسلموا الرئيس السابق البشير إلى محكمة الجنايات الدولية، بأعتباره كان القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية، ويعتبر رمزاً لها، فما هو الضمان بألا ينكثوا عهدهم هذا، كما نكثوا عهوداً قطعوها على أنفسهم من قبل؟!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى