حادثة اغتيالي عام 1980م (1)

نبض للوطن

في يوم 29 رمضان عام 1980م، والشمس تلملم أطرافها نحو الغروب، وقد أرسلت أشعتها الصفراء كخيوط حرير متدلية على الافق البعيد، وذلك إيذاناً باقتراب موعد الإفطار الذي لم يتبق منه سوى (20) دقيقة، وبينما الجميع يتأهبون للإفطار، كان جدي لأبي (أحمد ود التاي) وهو رجل مشهود له بالحكمة والدهاء والذكاء والثراء في منطقته قرية أم دمور، كان لحظتئذٍ يسرح بخياله بعيداً كأنما يجتر ذكريات أليمة، وبينما هو كذلك، باغت بشكل مفاجئ الجميع بسؤال كأنه الصاعقة على مسامعهم: (وين اولادكم يا ناس، ما فقدتوهم الليلة أصلو..). وكان السؤال موجهاً إلى أبي وعمي التاي، ويضيف الجد الحكيم: (الليلة غايتو الله يستر الاولاد ديل ما من عادتهم يتأخروا في الخلا لحدي الوكت دا الليلة إلا كان حصلت ليهم مصيبة..)…(ونحنا الذين يتحدث عنهم جدي خمسة ابناء عمومة صبية أكبرنا لم يتجاوز الثالثة عشرة، إلى جانب عشرة آخرين من صبية القرية، كنا نذهب للعمل في الزراعة بنظام اليومية مع العمال الذين يستأجرهم جدنا..).
قبل ان يكمل جدي عباراته الاستشعارية التي تنبه إلى أن تأخيرنا عن موعد الرواح غير طبيعي، فإذا بأربعة صبية منّا اقبلوا يركضون حافيي الاقدام.. اثنان منهم سقطا من شدة الإعياء على مقربة من (الخلوة) وهي قطية كبيرة قطرها (13) متراً مبنية من الطوب الأحمر ومعروشة بـ (القش)، حيث يجلس جدي وأبناؤه وبعض الضيوف في انتظار الإفطار… اما الاثنان الآخران فقد أكملا الركض حتى وصلا إلى (الخلوة)… (في شنو يا اولاد اتكلمو؟… قولوا يا اولاد في شنو؟) هكذا كان سيل الأسئلة ينهمر على رؤوسهم…
بعد دقائق التقط الشابان أنفاسهما المتقطعة من شدة الإعياء والركض، وأنفجرا بالبكاء الشديد وبحرقة لم يُر لها مثيل… (يا اولاد كلمونا المات منو؟ ولا منو فيكم كتل منو؟) هكذا كان تتابُع الأسئلة عليهما…أجاب أحدهما بعد رباطة جأش فاشلة: (أحمد ود يوسف كتلوهو العرب يقصدون رعاة الإبل..!!!! وأحمد المقتول هو انا..)… وزاد احدهم ـ ابن جيراننا ـ  وهو ينتحب بحرقة ويحلف: (والله العظيم انا شفتَ منهم أربعة قطعوه بالسيوف، ونحنا جرينا وسكّونا نحنا بالجمال، وجلدونا بالسيطان).
لم يكن ابي ينتظر ليسمع بقية القصة، فقد اكتفى بالعبارة الأولى (أحمد كتلوهو العرب) ولم يستمع  لبقية القصة، واسرع مهرولاً كالبرق، وفتح المخزن واخرج بندقيته الخرطوش، وتبعه عمي بذات الفعل والانفعال … دوّر عمي التراكتور وقرر أبي وعمي وجدي اخذ ثأري فوراً وعزموا على ذلك (كلهم بقوا هريدي، ناس طخ بس جاهزييييين)… كان أبي يردد كلمة واحدة فقط :(علي الطلاق بالتلاتة انا  لو ما كتلت منهم عشرة  ما بدفن أحمد، وما بقبل بي كتل واحد منهم… أحمد بي عشرة..)، تلك كانت عبارة يرددها الوالد…
كانت الأرض ممطورة والأوحال سيدة الموقف والميوع ملأى بمياه الأمطار والطريق وعر للغاية ومجاري شوارع التراكتورات مليئة بالمياه الراكدة.. المهم ركب أبي وعمي، وجدي الثمانيني اصر على اصطحابهما رغم محاولات إثنائه، وكذا أخواني وأبناء عمي لإيصالهم إلى مكان الحادثة، وصحبتهم أمي بإصرار شديد لزوم (التسخينة)… الأشجار كانت كثيفة، والغابات متنوعة والأعشاب والحشائش تنتشر في كل شبر من الارض، وقد اكتسى أديم الأرض إخضراراً وصارت كأنها السندس، ومع ذلك كان يهدد خضرتها لون الدم… دم الثأر القادم بعد لحظات..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.. نواصل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق