اغتيالي عام 1980م (3)

نبض للوطن

ثم تقدم الركب شرقاً حيث اعتدى الرعاة علينا، وكان أول متهم تم القبض عليه قد أرشد الركب الى مكان بقية الرعاة المتهمين الكبار الذين تعدت اعمارهم الثلاثين، وكان عددهم يزيد عن العشرة هم في طريقهم إلى سهل البطانة.
وما أن داهم ركب ُالفزع كبار الرعاة المسلحين حتى هربوا ولاذوا بالأشجار الكثيفة واحتموا بها، وانبرى لهم الاهالي وابدى بعضهم مقاومة شرسة … وانطلق  كبير الرعاة المتهمين بقتلي على ظهر بعيره هارباً وانطلق خلفه الاستاذ احمد البخيت مدير المرحلة الثانوية السابق، (سنار) الذي كان في ذلك الزمان مدرساً  بالولاية الشمالية، وهو عداء لا يُشق له غبار، ويمتاز بساقين طويلين وهو رجل فارع الطول نحيف لكنه قوي البنية شجاع جريء فارس ومغامر لا يهاب شيئاً… المهم انطلق ود البخيت خلفه والمتهم الهارب اطلق العنان لبعيره المنطلق بسرعة الصاروخ، ولما اقترب منه احمد البخيت وشعر انه بات قاب قوسين او ادنى من اللحاق به جرد المتهم الهارب سيفه وطفق يضرب بالسيف في الهواء، إلا ان الاستاذ أحمد تحاشى الضربات وقفز قفزة عالية أذهلت الجميع وامسك بخطام البعير (الرسن) فتوقف البعير واستسلم المتهم واقتاده ود البخيت ولحق به بعد ذلك جمع من الناس.
أما أبي ـ رحمه الله ـ فمازال مصراً على قتل عشرة، ويناشد الناس إلا يمس أحد منهم الرعاة لأنه يريد ان يأخذ الثأر بنفسه ويتحمل المسؤولية وحده.
بعد الحصار المحكم للغابة ظهر المتهم الثالث وكان شاباً قوياً وسيماً تحاوز الثلاثين من عمره يُزينه شنب كث داكن اللون في شكل حدوة حصان، وانطلق هو الآخر وولى هارباً وانطلق خلفه عمي التاي رحمه الله إمام مسجد القرية، وكان حكيماً صبوراً قليل الكلام، واطلق عليه عدداً من الاعيرة النارية بغية توقيفه لكي يستسلم، وقد فعل وسلّم المتهم الثالث نفسه بعد مقاومة لم تدم طويلاً، واقتاده عمي التاي إلى حيث توجد بقية زملائه المقبوض عليهم، وكان كل خمسة او ستة من اهل القرية يطاردون متهماً من الرعاة ويأتون به إلى مكان تجميع المتهمين، ليبدأ أبي مشوار القصاص رمياً بالرصاص حسب السيناريو الذي رسمه الغضب وقتذاك.
المهم ألقوا القبض على خمسة او ستة وكانوا مكبلين في انتظار مصير حالك السواد، وقد نبأهم بذلك المصير القاتم ذلك الشرر الذي كان ينبعث من عيون اهل القرية والغضب الذي كان يتفجر داخل صدورهم، والتنهدات الحارقة التي كانت تخرج من بركان يغلي في الصدور.
حكمة جدي ود التاي اقتضت أن يتم القبض على كل الرعاة وتسليمهم إلى الشرطة بتلك الوقائع والمعطيات وقرائن الأحوال التي كانت كلها تؤكد أنني قُتلتُ بالسيوف وتم تمزيقي بها إرباً إرباً حسب رواية الشباب الأربعة الذين بلغوا أبي وعمي وجدي بخبر مقتلي، والدليل الثاني إفادة أول متهم يتم القبض عليه حينما قال: (أنا ما كتلتو كتلوه ناس أبو سيوف دييييلك)، والدليل الثالث حينما ادعى أن بقع الدم الظاهرة على فاسه هي (دم طيرة) كما قال… ثم أخيراً الهروب والمقاومة من كل المتهمين.
أما أبي فلا يرى إلا قتل عشرة منهم مقابل إزهاقهم روح العبد لله، ولا أحد من الكبار كان يوافق أبي الرأي في الثأر إلا الشباب الهائجين الذين كانوا يندفعون نحو المتهمين لقتلهم، وكان أبي يمسك ببندقيته الخرطوش يريد أن ينفذ ما بدا له حينها..
… اللهم هذا قسمي في ما أملك..
نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.
(نواصل).     

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق