اغتيالي عام 1980 (4)

نبض للوطن

قلت أمس إن أبي أقسم ألا يقبل إلا بقتل عشرة من الرعاة، وكان يمسك ببندقيته الخرطوش يريد أن ينفذ ما بدا له حينها.
معذور أبي فقد كنتُ احب الأبناء إليه وكنتُ عنده بمنزلة يوسف من يعقوب عليهما الصلاة والسلام… لقد مزق نبأ مقتلي كبده مثلما فعل بأمي التي كانت مضرب المثل في الصبر ورباطة الجأش… لقد  قضى والداي ساعات عصيبة تفرى الكباد وتحرق الحشا وتلظي القلوب ناراً تُصلي.. معذور والدي لقد طار لُبه وتصدّع فؤاده وفقد الصواب وتعطل عنده المنطق واستعصى عليه الصبر على فقد أحب ابنائه إليه دون ذنب جناه إلا انه ذهب مع إخوته يزرع ويلعب ويرتع وجاء الناعي يخبره ان ابنه قُتل غدراً وتعددت روايات مقتله وقد راى على الفأس دماً كذباً فماذا تراه ان يفعل، فهل تراه يصبر كما «صبر» يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم، رغم ان يعقوب عليه السلام نبي ابن نبي ابن نبي يتنزل عليه الوحي والمتهمون ابناؤه والمتهم الثاني «البريء» هو الذئب ، لكن ابي المسكين لم يكن نبياً ولا وحي يتنزل عليه فماذا عساه ان يفعل الم اقل لكم انه معذور وقد فقد احب ابنائه إليه..
في صبيحة يوم الحادثة 29 رمضان 1338،الموافق أغسطس 1980 جاء عشرة من أقراننا كان أكبرهم لم يتجاوز عمره الـ (14) عاماً وكان عمري وقتها 12 سنة، يطلبون العمل ولكن جدي اعتذر لهم لأن اليوم يوم «التيسوعة» وغداً سيكون العيد والتمس لنا ولهم الراحة ، ولكنه وافق تحت وطأة إلحاحهم واشترط علينا أن نعود مبكراً ـ لزوم العيد وكدي ـ المهم ذهبنا واشتغلنا و(لهطنا البني كربو) ـ والبني كربو هو عبارة عن وجبة تتكون من عصيدة وإيدام من السمك الناشف أشبه بملاح التقلية ـ وهو زاد الخلا والوجبة الرئيسة لأهل الزراعة البعيدة ، وأصدق ُ قرائي القول إنني حتى هذه اللحظة لم تطب نفسي إلى تذوق طعام قط أكثر من الـ (بني كربو) ليس لأنه الأفضل والأشهى بل لأنه لا يوجد غيره ولا أفضل منه في المشاريع الزراعية، ولأن زاد الخلا دائماً أشهى وإن كان عصيدة وماء وملح  وفي الغالب تتكاثر عليه الأيادي مثل أداء القسم عند الوزراء والمسؤولين، وهذا ما يضفي عليه مذاقاً شهياً وكثيراً من البركة…
منذ الساعة الرابعة تأهبنا للمغادرة إلى القرية لنصل في وقت مبكر حتى نتمكن من الاستحمام لـ (العيد) ولأبناء جيلنا القرويين طريقة خاصة لاستحمام العيد الذي ربما يستغرق أكثر من ساعة نقضيها (كرش ودعك بالليفة والصابونة)، لكي نتباهى بالنظافة والملابس الجديدة…المهم قفلنا راجعين إلى القرية وفي منتصف الطريق والشمس أوشكت على المغيب رأينا كميات كبيرة من الإبل في طريقها إلى البطانة في رحلة (النشوق) حيث السهول الرملية والأعشاب النضرة وانعدام الحشرات والبعوض..استوقفنا الرعاة وسألونا عن العيد، وبعض الأسئلة التي لا معنى لها لكي نطمئن وحتى لا نعدو جرياً منهم … طبعاً هناك عادة سيئة لدى الرعاة في ذلك الزمان فمتى ما وجدوا مزارعاً لا يعرفونه أوصبية المزارعين يوسعونهم ضرباً بالسياط، وذلك في إطار العداء التاريخي بين الرعاة والمزارعين…
المهم استوقفونا وبدأوا يتصنعون الأسئلة الهايفة حتى يتجمعون ويحاصروننا كي لا نهرب، ثم بدأ بغتة صليل السياط على ظهورنا كليلٍ تهاوى كواكبُه..
… اللهم هذا قسمي فيما أملك..
نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.
نواصل 

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق