محمد عبد الماجد يكتب: حكاية (الحراك) رئيس تحرير لمدة (26) يوماً

(1)

قُلت لمُحدِّثي الذي كان يظن أنّ عودتي لـ(الانتباهة) من جديد تنقص من (قدري)، وتُؤكِّد (فشلي) في تجربة (الحراك السياسي) التي شغلت فيها منصب (رئيس التحرير) لمدة (26) يوماً فقط. وحسبة (الزمن) تبدو فارقة في الآيات الكريمة : (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ

يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

وقدرة الخالق تجلت في هذه الصورة : (فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ).

وأظن إن كان البعض يفخر بشغله لمنصب رئيس التحرير لسنوات عدة، فآن لنا أن نفخر بأن المنصب بكل بريقه وامتيازاته لم يرق لنا أكثر من (26) يوماً لأتعافى منه وأتخلّص منه في فترة لم تتجاوز الشهر!!

أقول لمُحدِّثي بدءاً إن كانت العودة لـ(الانتباهة) التي خرجت منها في (سلام) وأنا أردِّد مع خليل فرح (من شعاره دخول المآزق.. يتفانى وشرفك دوام) تنقص من قدري، كيف كان سيكون (قدري) إن مررت قرار (الناشر) في فصل زميلين بالصحيفة، أشهد أنهما كانا أكثرنا عملاً وإخلاصاً وإتقاناً في عملهما،

دون أن يمر القرار برئيس التحرير أو حتى يُخبر به من باب العلم؟!

بل كيف كان سيكون (موقفي) إن قبلت بعد ذلك العمل في صحيفة (الحراك السياسي) براتبٍ أعلى من الذي كُنت أتقاضاه كرئيس تحرير مُقابل كتابة هذا العمود بالصحيفة التي استقلت منها، و(20) صحفياً أو أكثر يُقدِّمون استقالاتهم برفقة (رئيس التحرير)، الذي وافقوه على قرار (الاستقالة) وسبقوه إليها بعد

أن جاء بهم من صحف ثابتة وراسخة ومُحترمة، عملوا فيها لسنوات طويلة ولم يخرجوا منها إلّا إيماناً بالفكرة التي أتينا من أجلها، ليُفضِّلوا البقاء في بيوتهم على العمل في تلك الصحيفة تقديراً لحق الزمالة؟!

(2)

لا أريد أن أتحدّث عن (الحراك السياسي) – ولست أنا من أكشف أو أبخس من صحيفة نحمل لها حق التنافُس وشرفه، ونتمنّى لها التوفيق والسداد ونضع لناشرها (التقدير) و(العذر)، ونفخر بتجربتنا فيها ونسعد.

مع ذلك، لا أستطيع أن أطوي صفحات (الحراك) دون أن أتحدّث عنها، لأننا لم نخرج منها (هرباً)، خاصّةً بعد الروايات التي سمعناها بعد الاستقالة، وقد كانت سعادتنا بالاستقالة منها أعظم من سعادتنا بالعمل فيها، إيماناً بمواقف لا نُزايد عليها ولا نُداهن!!

لا أدري لماذا أذكر الآن هذا الموقف وأنا طالبٌ في مدرسة عبد الله الحسن الثانوية بمدينة شندي، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما هَممت بإصدار صحيفة (حائطية) في المدرسة.. فطلبت مني إدارة المدرسة وقتها مُقابلة (منسقية الدفاع الشعبي) في المدينة للمُوافقة والتصديق على إصدار الصحيفة

(الحائطية).

قد يقول أحد وما هي علاقة (منسقية الدفاع الشعبي) بصحيفة حائطية في مدرسة ثانوية يصدرها طالبٌ في المدرسة؟ – لكن هذا ما حدث والله على ما أقول شهيد.

ذهبت إلى مكتب (منسقية الدفاع الشعبي) في مدينة شندي، والذي كان يبعد عن المدرسة أكثر من (4) كيلو مترات، وعرضت عليهم فكرة إصدار صحيفة حائطية!!

أذكر أنهم كانوا يضحكون بابتسامات (ساخرة) و(مُتهكّمة) و(باهتة) وهم يسألوني عن اسم الصحيفة، وأنا أقول لهم إنّ الاسم الذي اخترته للصحيفة هو اسم (ابتسامة)!! قالوا بـ(ابتسامة) أخرى وهم يسخرون من الاسم – ما جدوى هذا الاسم وما هو فائدته؟ والدولة وقتها كانت كلها تقف (صَفَا وانتباه)

و(أمريكا روسيا قد دنا عذابها) و(فلترق كل الدماء).. أشاروا إليّ أن اسمِّيها (الشهيد) أو (الجهاد) إيماناً بالمرحلة. الآن استرجع هذا الحوار وأربط بين صحيفة (ابتسامة) التي أخرجتها بنفس الاسم، ولكن لم تصمد أكثر من عددين، وبين صحيفة (الحراك السياسي) التي لم أبق فيها أكثر من (26) يوماً.

(3)

كنتُ مثل كل الأجيال – أحسب أن الصحافة توقّفت بعد جيلنا، وأن الأجيال التي أتت بعدنا في الصحافة أجيالٌ أفسدتها (المواقع الإلكترونية) – حتى إذا جاءت (الحراك السياسي) تفاجأت بالجيل الحديث في الصحافة السودانية – وهم يُقدِّمون استقالاتهم (جمع تقديم) إيماناً بالموقف الذي اتّخذوه نصرةً

لزميلين لهم في الصحيفة فُصلا بغير حق!!

لا أنظر لهم فقط من خلال هذا (الموقف)، رغم إيماني أنّ (صحفياً) بدون (موقف) لا يرقى حتى لدرجة (قارئ فطن) والذي نستجدي (فطنته) فقط عندما نقع في (الأخطاء)!! فخورٌ بهذا الجيل الجديد في الصحافة السودانية، وأقر واعترف أنّهم أفضل منّا في كل شيء في العلم والمهنية والتقنية والصبر

والاحتمال والمواقف -.

لقد كنت أزعم أنّني مَهمومٌ بالتعلُّم من الأجيال التي سبقتنا في الصحافة – الآن إقول إنّني أصبحت أكثر هَمّاً وشَغفاً بالتعلُّم من الأجيال التي أتت بعدنا. تشرّفت بالعمل بينهم – وكُنّا شُركاء (استقالة) جمع بينهم موقفٌ واحدٌ!!

أما زملائي أصحاب الخبرة الذين خرجوا من (الحراك) بعد الاستقالة، فلن أوفِّيهم حقّهم ولسان حالهم يتبتل شفاعة بقوله عز وجل: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ). اقدارنا القادمة دائماً هي افضل وأكرم.

سوف يأتي اليوم الذي اكتب عنهم تفصيلاً، وهم شرّفوني بالعمل معهم.

(4)

الإنقاذ برعت وشذّت في صناعة الأجسام (المُوازية).. الجيش والدفاع الشعبي، ثم القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. الشرطة والشرطة الشعبية. تلفزيون السودان وقناة الشروق. القصر والمنشية. العسكر والحزب الحاكم.

غير أنّني لم أكن أعلم أنّ الإنقاذ برعت كذلك في صناعة وجوهٍ (مُوازيةٍ).. وجوهٍ (مُتعدِّدةٍ) لشخصٍ واحدٍ!!

إنّهم مُجرّد (رموز تعبيرية) يضحكون لهدفٍ، ويعبسون لهدفٍ، يزعلون ببرمجةٍ، ويفرحون ببرمجةٍ أخرى، إنّهم عبارة عن إيموجي (Emojis).. هي مشاعر للمُتاجرة!!.. ما أتعس الذين يحملون وجوه (copy and paste) لغيرهم. في الصحافة لا تنظر إلى من يعطيك (سمكة)، ولا إلى

من يُعلِّمك كيف تصطاد (سمكة)، ولكن انظر إلى من يُعلِّمك كيف يكون (الموقف).. ما أسوأ أن تحسبها بـ(السمك) في بورصة (الأخلاق)!!

أحدهم كان يقول (الرجال مواقف) حين يُحدِّثنا عن (اليسع) الذي كان يملك ألف دكان في (مواقف) الخرطوم.. وهو ينظر  شذراً إلى (موقف) استاد الهلال!!

(5)

بغم/

كان يُجيد (الإنجليزية) وشيئاً من (الفرنسية) وفتح باب (العربية).

صناعة من الفسيخ (شربات) في هذا الزمن (الأغبر) لا تحتاج لأكثر من صحفي (ركيكٍ) فَقَدَ حاسّة (الشم).. لا يفرِّق بين الفسيخ والشربات.. والضمير (المُستتر) وألف واو (الجماعة)!!

سوف نظل نعمل ونجاهد ونكتب ونجرّب ونحاول الى ان تقبض الارواح وترفع الاقلام وتجف الصحف.

نحن قوم يمكن ان نحيا بدون (خبز) ، بدون (كهرباء) ، بدون (مرتب) ، بدون (حكومة) ، بدون (ماء)  – لكن لا يمكن ان نعيش بدون ان (نكتب). لا نعرف ان نعيش بدون (مواقف).

(الكتابة) هي حياتنا التي نحاول عبرها ان نصلح ما افسد الدهر.

أعود لأمارس حقي في (الكتابة) وأنا على عهد مع الذين خرجت معهم من (الحراك) ان نكمل مسيرتنا ولو بعد حينقد تفرّق بيننا السبل والصحف ولكن سوف تظل (المواقف) تجمع بيننا.

شكراً لكم – أعدتم لى الثقة في الصحافة السودانية.

شيخ قريتنا كنا عندما نشتط في سوحه غضباً، يقول لنا : نحن نملك قدراً من (التسامح) يغري ويحفز غيرنا على المزيد من (الظلم)!!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى