محكمة (أب جيقة)..!!

الخرطوم : رقية يونس

في جلسة استمرت لأكثر من ساعة وجهت المحكمة الخاصة المنعقدة بمعهد تدريب العلوم القضائية بأركويت بالامس تهمة للمتهم الشهير بـ ( أب جيقة) بارتكاب جرائم ضد الانسانية والقتل العمد للشهيد حسن محمد عمر رمياً بالرصاص في مظاهرات اندلعت بشارع السيد عبد الرحمن في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 2018م. وانكر المتهم في استجوابه قتله الشهيد حسن او حمله بندقية واطلاق النار منها ضد المتظاهرين يوم الحادثة او الشهيد، وشدد على انه لم يلتقِ بالشهيد طيلة حياته، واكد المتهم في استجوابه تعاقده مع جهاز المخابرات وان عمله مشرف على مكتب معلومات يتيع لهيئة امن ولاية الخرطوم.

تنسيق الأجهزة الأمنية
عند انطلاق جلسة المحاكمة تلا القاضي الاعتراف القضائي للمتهم الذي اقر بكل ما ورد فيه الا عبارة (حمله السلاح واطلاقه نار الذخيرة يوم التظاهرات وقت الحادثة)، حيث شدد المتهم للمحكمة على انه لم يقل ذلك باعترافه القضائي، واردف بقوله: (يوم الاعتراف ما تلوهو لي بس قالوا لي امضي وابصم)، وذكر المتهم في اعترافه القضائي انه وردت معلومات اليهم تفيد بتسيير موكب سلمي من قوى المعارضة، تم تنسيقه مع الاجهزة الامنية بغرض تسليم مذكرة للقصر الجمهوري تتعلق بالاوضاع الاقتصادية والسياسية بالبلاد، كما كشف المتهم في اعترافه القضائي ان هناك قوة من الجهاز كلفت بارتداء زي الشرطة للمشاركة في تأمين تظاهرات موكب يوم 25/12/2018م.
متعاقد مع جهاز الأمن
عندما اشارت عقارب الساعة الى العاشرة والثلث من صباح يوم امس، اعلن قاضي المحكمة عن استجواب المتهم، وبدوره وقف المتهم الشهير بـ (اب جيقة) داخل قفص الاتهام المنصوب داخل قاعة المحاكمة وشرع في الادلاء باقواله على ذمة القضية، حيث استفسره القاضي في البدء عن عمله؟ واجاب المتهم بانه يعمل منذ عام 2010م متعاقداً مع جهاز الامن والمخابرات الوطني، ويتبع ادارياً لفرع شؤون ضباط الامن، مشيراً الى انه في البدء تعاقد لمدة عام للعمل مع الجهاز ومن ثم تجدد عقده تلقائياً كل عام، كاشفاً انه يعمل بالجهاز وفق عقد تم ابرامه من قبل الادارة القانونية لجهاز الامن وادارة شؤون ضباط الامن وهيئة امن ولاية الخرطوم، مضيفاً انه قد اطلع على عقد عمله بالجهاز الا انه لا يمتلك اية نسخة او صورة منه، موضحاً ان عمله بالجهاز هو الاشراف على مكتب معلومات يتبع لهيئة امن ولاية الخرطوم، واضاف ان عمله بالجهاز عمل فني لجمع المعلومات عن كل شيء ومن ثم تسليمها لادارة امن الخرطوم .
رشق بالحجارة
وبعدها مرت الدقائق كسرعة البرق، وانتقل القاضي في استجواب المتهم حول ما حدث يوم الحادثة الموافق الخامس والعشرين من شهر ديسمبر للعام 2018م، وبدوره افاد المتهم بانه وقبل يوم الحادثة بيوم قد تلقى تعليمات من مدير امن ولاية الخرطوم للاشراف على جمع معلومات للرصد والاحاطة بموكب سلمي مصدق من السلطات في طريقه للقصر الجمهوري لتسليم مذكرة حول الاوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد، منبهاً الى انه وقتها تم تكليف عدد من منسوبي هيئة عمليات الامن وعمليات شرطة ولاية الخرطوم لتأمين الموكب باشراف من النيابة لمتابعة اية تفلتات امنية قد تحدث اثناء سير الموكب، منوهاً بانه وفي يوم الحادثة وبعد صلاة الصبح مباشرة اي حوالي الساعة السادسة صباحاً وصل الي نقطة تجمع قوات (هيئة الامن وشرطة العمليات) غرب البنك السوداني الفرنسي وشرق ميدان ابو جنزير، منبها الى ان جزءاً من القوات وصلت لاحقاً لذات الموقع وتم تقسيم القوات لمجموعات على طول شارع القصر منتشرين حسب مسار المسيرة المصدق لها، مشيراً الى انه وعند الساعة الواحدة ظهراً بدأ الموكب من موقف (شروني) بمرافقة القوات النظامية حتى وصوله الى مسافة (800) متر في الاتجاه الجنوب لشارع القصر مع تقاطع فندق المريديان مع شارع السيد عبد الرحمن مع شارع القصر، وحينها ظهرت تفلتات من المتظاهرين بالموكب ورشق القوات النظامية غير المسلحة والمرافقة للموكب بالحجارة.
أعيرة نارية هوائية
وكشف المتهم في استجوابه للمحكمة ان الساعة كانت تشير الى الواحدة والنصف ظهراً، وفي تلك الاثناء تزامن الموكب مع آخر انطلق من موقف جاكسون واخر من المنطقة المركزية العسكرية شرق تقاطع المك نمر مع شارع السيد عبد الرحمن، موضحاً انه وقتها تم تقسيم القوة لصد الموكب المتحرك من جوار المنطقة العسكرية المركزية والاخرى لايقاف موكب شارع القصر، اضافة الى احضار قوة اخرى لقطع الطريق امام الموكب الذي سيأتي من موقف جاكسون، منبهاً الى ان القوة القادمة من اتجاه موكب موقف جاكسون كانت مسلحة بالسلاح الناري وتتكون من (4) سيارات لاندكروزر وهي تتبع للشرطة وهيئة عمليات الامن، مضيفاً وجود دفارين وقتها يتبعان للشرطة، وكشف المتهم للمحكمة ان القوة التي كانت قادمة من موقف جاكسون كانت تطلق الاعيرة النارية في الهواء.
تمشيط الشارع
وواصل المتهم في استجوابه وقال للمحكمة انه وفي تلك الاثناء اصدرت توجيهات للقوة القادمة من جاكسون لمساندة القوات التي اتجهت شرقاً بشارع السيد عبد الرحمن لتسلك شارع (21) اكتوبر، لافتاً الى انه وقتها كان يقف جنوب المريديان، موضحاً انه وقتها تحرك خلف مجموعة من النظاميين ( مباحث/ امنية/ مسلحون بالمسدسات والطبنجات) اضافة الى مجموعة من استخبارات الامن بالولاية بصورة بطيئة لفتح شارع السيد عبد الرحمن وكان متزامناً معه اطلاق نار في الهواء بحد قوله، منوهاً بانه وقتها وبوصولهم بالقرب من مدرسة الاتحاد العليا بشارع السيد عبد الرحمن اتجهت القوات جنوباً بشارع ابو سن وصولا لشارع السيد عبد الرحمن شرقاً، منوهاً الى انه وقتها ان قوات الشرطة بدأت تتعامل مع الموكب باطلاق الغاز المسيل للدموع الا ان القوة لم تستطع حينها التقدم كثيراً لسماعها اصوات اطلاق نيران من جهة المنطقة العسكرية المركزية، وكشف المتهم للمحكمة انه وقتها تم تكليف عربة لاندكروزر بها افراد مسلحون بتمشيط شارع السيد عبد الرحمن، موضحاً ان عربة القوة وقتها قامت باطلاق النار في الهواء ومن ثم تحركت وصولاً الى مستشفى الزيتونة وقامت بفتح الشارع، مشدداً على انه وقتها كان يقف جوار مدرسة الاتحاد العليا ولم يحمل سلاحاً، ونفى المتهم للمحكمة رؤيته وقتها لاي شخص يسقط مصاباً، ونبه المتهم المحكمة الى انهم وقتها وصلوا الى منطقة مركز سوداني للاتصالات بشارع السيد عبد الرحمن، منوهاً بانه وقتها لم يكن هناك متظاهرون بل انسحبوا بمجرد وصول القوات في اتجاه المستشفى جنوباً بعد شارع السيد عبد الرحمن، واكد المتهم للمحكمة انه بعد ذلك صدرت تعليمات اخرى بارتكاز قوات الشرطة والامن بشارع السيد عبد الرحمن وانسحاب بقية القوة الي منطقة ارتكازات المظاهرات المعروفة بـ (ابو جنزير) .
الإدارة السياسية للأمن
وكشف المتهم في استجوابه للمحكمة عن وقوع اصابات وسط القوات النظامية، بجانب اصابة آليات تتبع للشرطة، قائلاً انه وقتها لم ترد اية معلومات بوجود اصابات وسط المتظاهرين في تقرير الموقف الامني في ذلك اليوم، وافاد المتهم للمحكمة بانه تلقى اتصالاً هاتفياً من مدير ادارة أمن ولاية الخرطوم وقتها منتصر حسن للذهاب الى الادارة السياسية للجهاز بخرطوم (2) لاداء عمل فني حيث كان برفقته زميل له يدعي (حسين) الا انه لا يذكر اسم والده، مضيفاً انهما قد وصلا الى الادارة السياسية للجهاز وقابلا شخصاً يدعى (عارف)، ومن ثم اديا صلاة الظهر بمسجد مباني الادارة السياسية لجهاز الامن والمخابرات، منوهاً بانه بعد ذلك عاد مرة اخرى الى مسرح المظاهرات بعد مرور (40 الى 50) دقيقة الا انه لم يجد اي موكب فيه، ولفت المتهم الى انه وبعد ذلك توجه صوب غرفة المظاهرات المركزية بابو جنزير وبرفقته مجموعة من منسوبي الامن وهم (عبد الرحمن عادل وشخص ملقب بزوارق وطارق صلاح وخالد كادوك) وكانت الساعة تشير الى السادسة مساءً، موضحاً انه كان يومها برفقة المجموعة حتى صلاة المغرب بعد مغادرتهم موقع الغرفة المركزية للتظاهرات .
صورة مدبلجة ومعالجة
وانكر المتهم للمحكمة في استجوابه حمله اي سلاح في يده يوم الحادثة، ونفى حمله اي سلاح من اية عربة تتيع للامن او قوة عسكرية يوم التظاهرات، وفي ذات الوقت عرضت المحكمة مستند اتهام (9) تظهر فيه صورة المتهم يحمل بندقية كلاشنكوف يوم الحادثة، وحينها اوضح المتهم ان صورة المستند قام برؤيتها في تطبيق مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك لشخص يدعي (الريح) يسكن الحاج يوسف، مشدداً على ان الصورة جرت عليها معالجة ومدبلجة وليست صورته، موضحاً انه وفي يوم المظاهرات كان يرتدي بنطالاً اسود قريباً لرمادي، اضافة الى ارتدائه قميصاً بلون (بيجي) ولم يكن مخططاً وانما كان (سادة) وبلون واحد، الى جانب ارتدائه (شبط) بحزام جلدي .
شهود خصومة
وانكر المتهم للمحكمة في استجوابه ما ذكره شهود الاتهام للمحكمة برؤيته يحمل سلاحاً ويطلق النار على المتظاهرين يوم الحادثة ويسبهم بالفاظ نابية، عازياً ذلك الى ان شهود الاتهام لديهم خصومة سياسية مع النظام السابق وجهاز الامن والمخابرات الوطني لانهم كانوا معتقلين لديه، ولفت المتهم في استجوابه الى ان القضية بدأت في موقع التواصل الاجتماعي بالفيس بوك لشخص يدعي (الريح ) ويقيم بالحاج يوسف، وانكر المتهم للمحكمة ذكره للمحقق وكيل نيابة الخرطوم شمال محمد الصافي، ان مستند اتهام (9) صورته يوم الحادثة، فيما انكر ذات المتهم للمحكمة معرفته بموقع عمارة الحديد والصلب بالخرطوم، اضافة الى انه لا يذكر اين تقع صحيفة (الجريدة)، الا انه اكد للمحكمة معرفته بان مقر جريدة الجريدة هي غرفة لجمع المعلومات الاعلامية، نافيا للمحكمة مروره يوم الحادثة بالتظاهرات بجوار جريدة (الجريدة .(
القبض بالقوة الجبرية
وكشف المتهم انه تم القبض عليه عندما كان يجلس في محل بائعة شاي باستوب فندق المريديان مع شار شارع السيد عبد الرحمن بالخرطوم، منوهاً بانه ووقتها كان بصدد غسل سيارته، منبهاً الى انه وفي تلك الاثناء حضر اليه (3) اشخاص يرتدون الزي المدني وطلبوا منه مرافقتهم الى نيابة الخرطوم شمال بغرض اخذ اقواله في بلاغ اتلاف جنائي، مشيراً الى انه وقتها طلب من الاشخاص الثلاثة ابراز اوامر قبض عليه الا انهم اخذوه بالقوة الجبرية، موضحاً انه وقتها ذهب برفقتهم الى وكيل النيابة الشمالي وامره بالتوجه الى قسم الخرطوم شمال لاخذ اقواله.
ومن جانبه افاد المتهم في استجوابه بواسطة القاضي بانه عمل في جهاز الامن منذ عام 2001م وحتي عام 2006م وتم فصله من الخدمة بسبب الغياب، منوهاً بانه بعدها عاد للخدمة بالجهاز بموجب عقد في عام 2010م كمتعاقد .
لم أقتل الشهيد
وعرضت المحكمة على المتهم مستند اتهام (6) عبارة عن مقطع فيديو تظهر فيها صورة المتهم وهو يطلق النار من سلاح  الا ان المتهم وبعد تفحصه لمقطع الفيديو انكر انه الشخص مطلق النار بالفيديو، وشدد قائلاً: (ولم ار الزول ده البطلق النار في الفيديو)، فيما اشار المتهم الى انه كان يقف يوم الحادثة جوار مدرسة الاتحاد الا انه وقتها لم يقع بصره صوب عمارة بنك الاستثمار المالي ولم يرها مطلقاً، مشدداً على ان رؤيته فقط كانت مواجهة لمركز انطاليا الطبي بشارع السيد عبد الرحمن، فيما انكر المتهم اطلاقه النار من بندقية كلاشنكوف يوم الحادثة، مشدداً على انه لم يقتل الشهيد حسن محمد عمر، ولم يره في حياته.
قتل عمد وجرائم ضد الإنسانية
وعقب فراغ المحكمة من استجواب المتهم وجهت تهمة للمتهم بارتكاب جرائم ضد الانسانية والقتل العمد للشهيد حسن محمد عمر رمياً بالرصاص يوم التظاهرات بشارع السيد عبد الرحمن في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 2018م .
وقال القاضي د. الصادق ابكر ادم الضو ان المحكمة تتهم المتهم بانه في تاريخ 25/12/2018م وحوالى الساعة الثانية والنصف ظهراً قد قام باطلاق اعيرة نارية بشارع السيد عبد الرحمن ضد مجموعة متظاهرين سلميين ضد سياسة النظام البائد وتوعدت المتظاهرين بالقتل، واشارت المحكمة في حيثيات توجيه التهمة الى ان المتهم وباطلاقه الاعيرة النارية قد اصاب المجني عليه الشهيد حسن محمد عمر في مقدمة عنقه من الامام وتسبب في قطع المرئي والقصبة الهوائية والنخاع الشوكي والفقرتين السابعة والثامنة من العنق بالخلف، وابانت المحكمة ان العيار الناري دخل بمقدمة عنق الشهيد وخرج من الخلف وتسبب في مضاعفات للشهيد  بحسب تقرير اورنيك (8) جنائي وتقرير تشريح الطب الشرعي مستندي اتهام في القضية، وشددت المحكمة على ان اصابة الشهيد ادت الى وفاته وان المتهم وبفعله قد قصد تسبيب الموت للمجني عليه الشهيد، كما اعتبرت المحكمة الفعل الذي قام به المتهم هو مشاركة لعمل ممنهج يوجه ضد مجموعة من المدنيين في مظاهرة سلمية، وقام بتوجيه السلاح عليهم واطلاق النار عليهم واصابة الشهيد. وافادت المحكمة في حيثيات قرار التهمة بان المتهم وبفعله قد ارتكب مخالفة لنص المادة (130) المتعلقة بالقتل العمد من القانون الجنائي السوداني التي تصل عقوبتها للاعدام شنقاً قصاصاً، الى جانب مخالفة المتهم لنص المادة (186) المتعلقة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من ذات القانون الجنائي التي تصل عقوبتها للاعدام شنقاً تعزيراً، ونبهت المحكمة المحكمة في حيثيات قرارها الى ان المتهم سيحاكم امامها وفق مخالفته للقتل العمد والجرائم ضد الانسانية .
إعادة استجواب
وفي خواتيم جلسة امس رفضت المحكمة طلباً للدفاع عن المتهم باعادة استجواب ومناقشة شاهد الاتهام الثاني (بدر الدين صلاح محمد) مرة اخري لتأكيد او نفي بعض المعلومات التي وردت على لسان شاهدي الاتهام العاشر والحادي عشر، وعللت المحكمة رفضها طلب الدفاع بانه لا يوجد سبب مقنع للدفاع باعادة استجواب شاهد الاتهام الثاني، ولفتت المحكمة الى ان مسألة اعادة استجواب الشهود هي مسألة تقديرية للمحكمة متى رأت ذلك، وشددت المحكمة على ان ذات الشاهد سبق ان مثل امامها وادلى باقواله باستفاضة ودونت كل ما ورد على لسانه بيومية المحاكمة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى