اسم على غير مسمى.. مستشفى التميز بلا تميز !!

تحقيق: هويدا حمزة

* وأنا في طريقي اليه لزيارة مريضة ظننت انني ساجد (حاجة أبهة كده)، لأن أي شيء له من اسمه نصيب، ولكني وجدته اسماً على غير مسمى كمن سمى صالحاً وهو غير، او من سمى صادقا وهو ليس كذلك، فمركز (التميز) للطوارئ والاصابات بلا تميز، بل يفتقر الى ابسط الأساسيات الضرورية لراحة المرضى وتقديم الخدمة لهم، مع العلم انه ليس هناك من يقدم الخدمة اساساً سوى نفر قليل من الكوادر الطبية لا يكفي لتغطية العدد الكبير من للمرضى وليس من بينهم طبيب. ورغم حالة مريضتنا المتأخرة الا انني لم أستطع منع نفسي من الخروج بهذه المادة خاصة ان احد اسباب تدهور حالتها الإهمال، وما ساعدني على انجاز مهمتي انني لم أجد من يمنعني أو يصادر هاتفي كما كان سابقاً، ليس إيماناً بحق الصحافي في الحصول على المعلومة، ولكن لأنه لا يوجد اساساً رقيب ولا عتيد، فالمستشفى نستطيع أن نقول (ماشي ساي).

عندما دلفت الى داخل المركز لفتت نظري الأسقف (المشلعة)، وبالاقتراب أدركت ان مكان هذه الحفر كانت مكيفات تخص وزير الصحة الولائي الأسبق بروفيسور مأمون حميدة، وانه قام باستردادها بعد ذهابه، كما افادني بعض الكادر الطبي الموجود، ولم تقم الحكومة الجديدة بشراء مكيفات جديدة لتحل محل المشلعة لتبريد العنابر والصالات التي تبدو كالافران من حيث السخونة و (الكتمة) بصورة لا يطيقها الأصحاء ناهيك عن المرضى.
خرق النظام!
عندما دخلت في عنبر الاطفال الذي تقيم به مريضتنا، وجدت ابناءها ــ وهم شباب ــ في حالة من الضيق بسبب حالة الأم التي لا تعي من أمر الدنيا شيئاً، وقد ازداد ضيقهم لأن بعض الكادر احتج على وجودها في هذا العنبر الذي تم نقلها اليه بواسطة محضر العمليات عصام لمدها بالاوكسجين، لأنهم لم يتمكنوا  من توصيل الأوكسجين الى العنبر الذي يفترض أن تقيم به، وقال لهم: (هنا ما في زول بضايقكم لأنه مافي أطفال)، وكان الأبناء يتمنون لو ان استطاعوا نقلها لمستشفى آخر تجد فيه عناية افضل، ولكن المستشفيات في حالة اضراب، حسب ابنها هشام الذي قال ان أحد الكوادر احتج على وجود والدته بعنبر الاطفال دون اذن، واعتبر ذلك خرقاً للنظام، مما أثار تعجب هشام والأسرة، إذ كيف يكون الاهتمام بالنظام اكثر من حالة المريضة. وطلب الكادر من هشام النزول معه فنزل، ولكنه لم يجد ما يقوله له سوى انه قال له: (انا بوجه فيك عشان ما تدخل الحراسة)، فقال هشام: (ما في حاجة بتدخلي الحراسة، وعشان حالة امي بتحمل اي حاجة). ويضيف هشام قائلاً: (اساساً العنبر ما فيهو أطفال، ونحن ما جينا من نفسنا، ولكن محضر العمليات عصام كتر خيرو نقلنا هنا لمدها بالاوكسجين، وفي الأساس نحن عاوزين منهم تقرير فقط عشان ننقلها لأي مستشفى آخر، لأن المريضة تعاني من ثقل في اليد والرجل اليمنى، وهي تعاني من جلطة وطلبوا منا فحوصات أخرى منها الكورونا وطلعت النتيجة للمرة الثالثة سلبية! وعاوزين يصلوا لشنو ماعارفين. ونرسل صوت شكر لدكتور محمد الأمين، ودكتور يس طلب منا الاتصال به اذا احتجنا ليهو).
شكاوى أهل الدار
احدى الممرضات اشتكت من نقص عددهن وسوء التهوية إذ لا توجد مراوح (أحدهم قدم لي قطناً لامسح به العرق المتماطر من جبيني، مع العلم ان الدنيا مغرب ويفترض ان الجو بارد، فما بالك بمنتصف النهار، وأساساً المرضى يشتكون من ضيق التنفس)، كما اشتكت محادثتي من عدم وجود استراحات.
احد الكوادر الطبية لاحظت انه يبذل جهده لمساعدة المرضى ويحاول تقديم حلول قدر استطاعته، وقد قال لـ (الاإنتباهة): (نحن بنعمل في ظروف قاسية والمستشفى تابع للولاية، وظالمننا ظلم الحسن والحسين، وحتى حوافزنا ما عاوزين يدونا ليها، نصرف على اسرنا من وين).
محدثي اشتكى كذلك من عدم وجود الماء وقت صلاة الفجر وفي احيان كثيرة، وقال انهم في كل مرة يجلبون مولداً ولكن بلا فائدة!
ومن المفارقات أنني ألقيت نظرة على دورات المياه الداخلية، فوجدتها متسخة وأبوابها مكسرة والمواسير محلوجة والمياه تتدفق بلا ضابط، بينما تنعدم المياه في دورات المياه الخارجية، مما يصعب معه استخدامها في كلتا الحالتين بواسطة مرضى يعانون من جلطات!
علامات استفهام
واشتكت المرافقة يسرية لجدها من تسيب السسترات، وقالت انهن لا يأتين لمتابعة حالة المرضى الا اذا ذهب المرافق واتى بهن، وأضافت قائلة: (امس في مريض عندو قلب وجلطة توفي وهم ما جايبين خبر، الا انني مشيت ناديت السستر), واشتكت محادثتي من عدم توفر الادوية والفحوصات، وقالت إنهم يجرون كل الفحوصات لمريضهم الذي يعاني من جلطة في الخارج، وهم يطلبون من المرافقين إجراء الفحوصات في مستشفيات معينة معروفة باسعارها الغالية، مع العلم ان الدكتور نفسه يداوم هنا ولكن لديه عيادة خارجية في المستشفى ذلك! يعني الواحد لو ماعندو قروش يموت، إضافة لذلك المكيفات ما شغالة والمراوح بتشتغل وتقيف براها)، وتضيف شقيقتها عائشة محمد عمر قائلة: (من امس متلتلين تلتلة شديدة.. يقولو لينا ودو المريض عشان يعملو ليهو فحوصات برة، واعملو ليهو دلك طبيعي والمريض ما بتحرك، اسي زي ده يودوهو كيف؟)، وتشير لجدها المسجي بلا حراك وجسمه ممتلئ بالأنابيب وأضافت قائلة: (المفروض يودوهو، ولا ناس الدلك يجوهو في محلو؟ ومافي ممرضين ومافي دكاترة بس مريضك يموت تشيلو وتمشي بيهو).
الموت سمبلا
وفي ذات العنبر وجدت شابين يحرسان مريضهما أيضاً ونساءً يجلسن على الأرض المتسخة.. اقتربت منهما وطلبت منهما وصفاً للواقع، وما اذا كانا يعانيان من اية مشكلات تتعلق بتقديم الخدمة للمريض، فطلبا التحفظ على اسميهما، ثم اشتكى احدهما من عدم توفر الأطباء والكادر الصحي، وقال انهم اشتكوا للإدارة ووعدوهم بحل المشكلة، الا ان أحداً لم يأتهم او يفعل شيئاً.. ثم انتحى بي الآخر جانباً وقال لي: (امبارح في ناس عندهم جنازة, ومن الساعة ستة لحدي الساعة الرابعة مافي زول مرة على العنبر عشان يعرف الحاصل شنو، وقربت تحصل مشكلة كبيرة وضرب).
النظافة مش ولابد
نعيمة آدم من الأبيض مرافقة لمريضة تحتاج لعملية في الرأس، قالت إنها لا تستطيع أن تتحدث عن التقصير لأنهم حلوا بالمستشفى حديثاً، ولكنهم احتجوا على عدم النظافة، فأفادوهم بأنهم في حالة اضراب عام، وقالت انهم يقومون بالتنظيف احياناً، ولكن ليس بالقدر المطلوب لمستشفى يستقبل مثل هذا العدد من المرضى.
إحدى السسترات دافعت عن نفسها وزملائها، فقالت إن المرضى والمرافقين لا يريدون ان يذهب الكادر للصلاة أو العشاء، فإذا ذهب يشتكون من عدم وجودهم، قلت لها: (اذا كانت هنالك حالة تستدعي عدم ذهابهم للصلاة او العشاء)، فردت بأنهم لا يذهبون جميعاً في وقت واحد.
سيدة بسيطة جاءت الى بنك الدم وانا اجلس هناك في انتظار طبيبة المختبر.. ويبدو على السيدة التوهان فهي لا تدري الى اين او الى من ستلجأ ليسعف ابنتها التي فقدت دمها إثر نزيف بعد ولادتها بالمنزل.. السيدة اصبحت تسقط على الأرض في غيبوبة لأنها لا تأكل، فذهبوا بها لمستشفى ابراهيم مالك واستلموا المريضة وطلبوا منهم إحضار متبرعين حتى يتم مدها بالدم، فاحضروا خمسة، ولكن قالوا لهم لا يوجد دم في بنك الدم لأن الدم لا بد أن يخضع للفحص، وحالة المريضة لا تسمح، وطلبوا منهم الذهاب لمستشفى التميز، فوجدوا زجاجة واحدة والمريضة في حاجة لثلاث زجاجات، وتم تحويلهم مرة أخرى لمستشفى سعد ابو العلا لجلب الزجاجتين، وقالت ام المريضة: (نحن عندنا متبرعين مفروض يشيلو منهم لأنه حالة البنية ما بتتحمل التأخير، وقالو لينا امشوا سوبا ما لقينا دم، مشينا استناك قالوا مافي.. اكتر من كده نمشي وين؟ ما ضروري الدم من البنك، ليه ما يشوفوا فصيلتها شنو ويشيلو من المتبرعين ويفحصوهو بدل الجرجرة دي.. يعني البت تموت في يدينا( .
توضيح مهم
نائب رئيس مجلس أمناء المستشفى مدير إدارة الرصد والمتابعة والتقييم بوزارة الصحة الخرطوم مدير عام المستشفى سابقاً الدكتور محمد نقد الله عبر الهاتف نقلنا له ملاحظاتنا و شكاوى المرافقين فأفادنا بالآتي:
المستشفى تم تصميمه ليخدم إحتياجات الجامعة الأكاديمية وبالتالي إحتياجات الطلاب يعني به قاعات دراسية وتدريبية . من الأشياء المعروفة أنه أي مستشفى حكومي به استراحات أطباء واستراحات ممرضين. هذا المستشفى لا يوجد به لا (ميز) لا استراحة، الترددات كانت قليلة لأنه صمم لأغراض تدريبية محددة ولم يكن وجهة لكل مرضى الولاية. البنية التحتية للمستشفى مصممة بشكل غريب جداً فالآبار لا تصلح لعمارة ناهيك عن مستشفى رغم شكله الوجيه من الخارج والإضاءة الجيدة والأجهزة الحديثة ولكن لا توجد بنية تحتية تستوعب هذه الخدمات وهذه أخطاء هندسية فادحة وتكلفة معالجتها قد تكون أعلى من تكلفة تأسيسها من البداية.
إذن ما الذي جعل يتغير من مستشفى الأكاديمية إلى مستشفى عام؟
يجيب محمد نقد (المستشفى وقف للمرحوم محي الدين حاج المرضى وهذا كان اسم المستشفى وتغيير الاسم إلى الأكاديمية ثم سار على اللسان (الأكاديمي) وهذا أيضاً خطأ فادح لأنه وقف وبدأ كمركز صحي في الثمانينات ومنحه لوزارة الصحة وعندما جاءت وزارة الصحة الإتحادية ثم الولائية على أساس يخدم المواطنين في المنطقة مثل إبراهيم مالك ومستشفى حاج الصافي في بحري وتم التعاقد بين الأكاديمية وزارة الصحة الولائية وعلى رأسها في ذلك الوقت بروفيسور مأمون حميدة وكان هناك توجهاً لخصخصة المستشفيات الحكومية كلها حتى مستشفى الخرطوم وكانت هذه وجهة نظر سياسية حينها وفي ذات الوقت فيها شيء من التفريغ للصحة بمعنى أن الحكومة تتخلص من أعباء الصحة والمواطنين لصالح القطاع الخاص وكانت إدارة المستشفى لا تتم عبر وزارة الصحة رغم العقد الذي يمنح الوزارة حق إدارته بينما للجامعة حق التشغيل فقط وليس مسك أصول الحكومة.
وهذه كلها (اشكاليات).
المستشفى لا توجد به خرط توضح بداية ماسورة الصرف الصحي مثلاً والبنية التحتية تمت بشكل أشبه بالمقاولات فهناك (8) آبار وكلما يمتليء بئر يتم إنشاء بئر آخر بدلاً عن معالجة الخطأ السابق وهي آبار مثل آبار البيوت العادية.
بخصوص مشكلة الكوادر كان التركيز على جلب متدربين من المستشفيات لتغطية الورديات والغرض الرئيس كان التدريب لأن الأكاديمية كانت في قلب المستشفى وكان يعتمد على الطلبة على أساس أنهم يتدربون ويعملون وعدد المرضى كان قليلاً وعندما تم سحب الطلبة بعد أن عادت المستشفى لوزارة الصحة بعد الثورة أصبح هنالك نقص كبير في التمريض فأصبحنا مضطرين لجلب إختصاصيين ونتعاقد معهم من البداية لأن القانون في عهد مأمون حميدة يلزم الطلبة بعمل تعاقدات مع المستشفيات التي يريدون التدرب فيها ولا مانع وهنالك. سوم رمزية يدفعونها مقابل ذلك ولكنهم لم يقبلوا و قد كانت الكلية في قلب المستشفى وهذه َمسألة لا تصح لأن المستشفى خدمي تعليمي والتعليم في المرحلة (الأكلينيكية) والصفين الأول والثاني يفترض أن يكون في الجامعة لأن الدراسة في هذه المرحلة نظرية وقد تم تخيير الاختصاصيين ومنهم من بقي ومنهم من رفض كشكل من الحزب فأختلقوا َمعركةً في غير معترك لأنهم ليسوا طرفاً فيها فالدكتور دكتور في أي َمكان وهذا خلق نقص في الأختصاصيين تم إكماله من المستشفيات.
وفيما يتعلق بمشكلة التمريض يقول دكتور محمد (من المفارقات الغريبة إغلاق مدارس التمريض ونفس الذين أغلقوها هم من سمحوا بإنشاء كليات التمريض الخاصة وهذا الإغلاق خلق خللاً في بنية الكوادر الموجودة إذا كانت كليات الطب تخرج سنوياً (6) الف طبيب يقابلها (700)ممرض فهذه صورة معكوسة وفي الحقيقة شكل الخدمات الموجودة أكبر من حجم الكوادر الموجودة.
إذن هل هناك خطة لإنقاذ الوضع في التميز؟
دكتور محمد يعول على مساهمة المجتمع في عمل الصيانة مثل صيانة الأبواب لأن جلب صناعي من الخارج يكلف مبالغاً بينما يمكن أن يقوم المجتمع بالصيانة مجاناً وقال إن هناك خطة لمعالجة نقص الكوادر ولكن تواجههم مشكلة إرتفاع التضخم التي تجعل المرتبات ضعيفة مهما تمت زيادتها.
من المحرر
إذن وزير الصحة الولائي في عهد الإنقاذ بروفيسور مأمون حميدة هو من جنى على مستشفى التميز وكما يقول المثل الدارج (الفي أيدو القلم مابكتب روحو شقى).. فالمستشفى تحول من وقف كمركز صحي لمستشفى يخدم مواطني المنطقة إلى مركز يخدم حميدة وجامعته ولأن لكل بداية نهاية فقد إنتهى عهد حميدة لاينتهي المستشفى إلى هذا الدرك ونضم صوتنا لصوت دكتور محمد نقد منادين المجتمع بالمساهمة في صيانة المستشفى ليس بالمال ولكن بخدمة (الضراع).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى