هددوا بقطع الرؤوس.. أنصار السُّنة.. مواجهة أولى مع الحكومة

الخرطوم: أحمد طه صديق

لم تكن مشاركة أنصار السنة في حكومة العهد البائد أمراً متوقعاً قبل عقد من الزمان، باعتبار أن الجماعة عرفت بالتزامها الصارم بالدعوة والنأي عن معتركات السياسة، ولهذا فقد ظلت في مأمن من بطش الحكومات والتضييق إلا في فترة محدوة ابان حكومة (الإنقاذ) قبل أن تتصالح معها وتشارك في السلطة تحت زعامة الشيخ الراحل محمد هاشم الهدية، الأمر الذي أحدث شرخاً في جسم الجماعة، فخرج منها شيخ أبو زيد محمد حمزة، وهو أمر لم يكن يتوقع حدوثه أي من المراقبين، إذ أن الشيخين الكبيرين يمثلان الأساس لقيام الجماعة وقيادتها التاريخية والكارزمية .

فكلاهما كان من المنافحين عن الدعوة ووحدة الجماعة، وأكثرهما بعداً عن الظلال السياسية المباشرة ومعتركاتها الميكافيلية، بيد أن عام 2000م شهد بداية الأزمة في صفوف الجماعة بسبب ما اعتبرته جماعة الشيخ أبو زيد ضيقاً في مواعين الشورى وانعدام المؤسسية وانفراد نفر قليل بإدارة الجماعة، وبعد تفاقم الأزمة تكونت العديد من لجان الصلح حتى بلغ عددها ثماني لجان بدأت منذ عام 2000م، لكن التداعيات استمرت حتى أدت في النهاية إلى إقصاء الشيخ أبو زيد نائب رئيس الجماعة من منصبه في فبراير عام 2004م، ثم اقصاؤه من الجماعة ومنعه من الحديث باسمها في عام 2005م، فاجتمع الموالون لجماعة أبو زيد في العشرين من يوليو عام 2007م، حيث تكونت جماعة موازية باسم جماعة الإصلاح بقيادة الشيخ أبو زيد محمد، وكانت مشاركة الجماعة في الحكومة مثار خلاف في داخلها، ففي حين يرى الرافضون للمشاركة أن ذلك من شأنه أن يجر الجماعة إلى معتركات السياسة بكل ما تحمله من أدران وصراعات تشغلها عن مسار الدعوة والإصلاح وبناء المجتمع المسلم على أسس من العقيدة الصحيحة، وأن المشاركة ستكون خصماً على هذه المبادئ التي تواضعت عليها الجماعة منذ إنشائها، يرى أنصار المشاركة أنها تتيح للجماعة حرية أكثر في الحراك الدعوي ميدانياً أو على صعيد الأجهزة الإعلامية المختلفة، ويستشهدون برموز الدعوة الذين نالوا فرصاً مع التواصل الدعوي مع الجماهير من خلال الإذاعة والتلفاز، لكن بعض المعارضين بالرغم من أنهم يثمنون هذه الخطوة، لكنهم لا يرون أن تحققها ينبغي أن يرتبط بالمشاركة في الحكم ولكن بإحداث تفاهمات ودية مع النظام، سيما أن الجماعة باتت تملك أوراقاً مهمة بعد أن تضاعفت أعداد مؤيديها في كافة قطاعات المجتمع، وربما تشمل الحراك في الجامعات ودور الجماعة في الانتخابات في المستقبل القريب، ويرون أن المشاركة في الحكومة لم تحقق مكاسب حقيقية للجماعة على الأرض، كما أنها كانت خجولة على كل الأصعدة.
وهو اتهام شكل ضغطاً على الجماعة حتى من داخل أعضائها، مما دفعها في عام 2008م الى أن تهدد بالانسحاب من الحكومة إذا لم يتم تفعيل مشاركتها في السلطة بما يحقق للجماعة مصالحها ويحل قضاياها العالقة معها، وقالت إن مشاركتها في الحكومة سواء على المستوى المركزي أو على مستوى الولايات ليست بالحجم المؤثر المطلوب، ولهذا فإنها تفكر في الانسحاب من الحكومة إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها، الا أن ذلك لم يشكل تحسناً في حجم مشاركة الجماعة في السلطة، ويبدو أن التصريح كان بغرض التنفيس عن الضغوط الداخلية أكثر من كونه موقفاً حاسماً.
غير ان الشيخ ابو زيد رئيس الجناح المعارض استمر في عدم مشاركته في الحكومة، بينما شاركت جماعة الاصلاح بعدد من المعتمدين ووزير مركزي واحد للسياحة، مما عده المراقبون عدم جدية من الحكومة البائدة في انفاذ مشاركة حقيقية للجماعة في سدة الحكم، ويرى المراقبون أن المشاركة السلطوية للجماعة ألجمتها عن ابداء آرائها تجاه العديد من سلبيات الحكم البائد، من قمع للمعارضين واعتقالات واستشراء للفساد المحمي من السلطات وتفشي المخدرات التي كانت تدخل عن طريق الحاويات مجهولة الهوية .
أنصار السنة بعد الثورة
يبدو أن جماعة انصار السنة أغرتها الحريات المتاحة، فاطلقت لسان نائب رئيسها د. محمد الأمين الذي ظل محبوساً طوال العهد البائد، وذلك عندما اطلق بوابل من الهجوم الكاسح على الحكومة ممثلة في رئيس مجلس السيادة الفريق اول عبد الفتاح البرهان عبر لهجة راديكالية مثيرة للعواطف غير مألوفة في أدبيات ونهج الجماعة منذ تأسيسها في الأربعينيات من القرن الماضي، عطفاً على التوقيع على اتفاقية اعلان المبادئ الاطاري مع رئيس الحركة الشعبية شمال عبد العزيز الحلو الاسبوع الماضي بمدينة جوبا، حيث قال في خطبة الجمعة الماضية بمسجد الفتح في مدينة الصحافة: (إنّ البرهان بدل أن ينظر إلى الانفلات الأمني في البلاد والجوع والضنك، يذهب ذليلاً تاركاً العزة التي أعز الله بها الإسلام). وتساءل إسماعيل عبر استثارة صارخة للمشاعر قائلاً: (أين نشيد العلم؟ أين نحنُ جُند الله؟ أين شرف الجيش وحماية الدين والعِرض؟) وتلا قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً). وخلص إسماعيل إلى أن ما تمّ من توقيع فيه إشاعة للفاحشة وتنازل عن دين الله وشعارات الجيش من أجل مصالح زائفة وادّعاءات كاذبة، مُشدّداً على أن كلمة الله هي العليا، وأضاف مهدداً: (والله لن يفصل الدين عن الدولة إلا إذا فُصلت رؤوسنا).
ويرى كثير من المراقبين أن الجماعة بدلاً من هذا الحديث التصعيدي العاطفي، كان عليها أن تلتقي الرئيس البرهان لمعرفة كواليس الاتفاق ومدى تأثيره في عقيدة المسلمين في السودان، ومدى التعقيدات التي تواجه الفترة الانتقالية وتهدد وجودها، مما يعرض البلاد إلى مخاطر الفوضى والانقسام وربما جريان الدماء الحارة .
فإذا كانت الجماعة عبر براجماتية غير مرحب بها تواءمت مع النظام السابق وشاركته الحكم بالرغم من كل سوءاته الكثيرة، فقد كان عليها أن تحاول الوصول إلى نقاط تلاقٍ مع حكومة الفترة الانتقالية، بدلاً من حقن المشاعر بداء التحريض والشحن الذي لن يحقق مكاسب عقدية إن كانت ترمي لها الجماعة فعلاً، والنأي عن محاولة تغذية مكامن التطرف والهيجان الديني غير المرشد في بلاد مازالت تتحسس أقدامها نحو الاستقرار والعبور الآمن لتحقيق تطلعات شعبها الصابر .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى