الـثـــــورة .. الشـــــــــــــرارة والمــخــــــاض

الخرطوم : القسم السياسي
في التاسع عشر من ديسمبر 2018 انطلقت أولى شرارة  ثورة ديسمبر ضد نظام الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير الذي قفز إلى السلطة في الثلاثين من يونيو 1989 ليطيح بالنظام الديمقراطي التعددي  بسبب سوء الأوضاع المعيشية والوضع الاقتصادي واستشراء الفساد في

مفاصل الدولة، وكانت بمدينة الدمازين ثم تبلورت أكثر في مدينة عطبرة حيث خرج عدد من طلاب المدارس وسرعان ما شارك العمال في تلك التظاهرات ، وتفاعلت معها الخرطوم التي تمثل دوماً بؤرة الثورات الشعبية وملاحمها التي تقود إلى إقصاء الأنظمة المستبدة التي تجسم على صدور الجماهير

وتحاول ان تسلب إرادتها بقوة القهر والتحكم في مفاصل الدولة والمجتمع بآلية أجهزتها الأمنية الباطشة .
ورفعت الثورة شعار ( حرية سلام عدالة) كما رفعت شعار السلمية بديلاً للتخريب وحتى لا تعطي السطة الغاشمة مبررا لتصفية المتظاهرين بالرصاص واعمال البطش ، كما رددوا في مواكبهم الهادرة شعار (الطلقة ما بتقتل بقتل سُكات الزول» وشعار (دم الشهيد بكم، ولا السؤال ممنوع)   وهو ما شكل

حماساً وجرأة في مواجهة كل مظاهر العنف التي قام بها النظام عبر هذه المساحة نقدم تلخيصا ليوميات ثورة ديسمبر دون تفصيل شامل استناداً لبعض المصادر الإعلامية التي وثقت بعض أحداث الثورة المجيدة .
غليان شعبي
في الخرطوم؛ طوّقت عناصر الأمن المتظاهرين وحاولوا منعهم من الوصول لبعض «المناطق الحسّاسة» في البلاد ثمّ سرعان ما تحوّلت المظاهرات إلى أعمال عنف وشغب شَهِدت حرقَ المتظاهرين لمكاتب حزب الرئيس عمر البشير مطالبين بإنهاء حكمه.
في البداية استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين فيما شهدت بعض المناطق استعمالًا للذخيرة الحيّة مما تسبب في وقوعِ عددٍ من الجرحى وسطَ أنباء عن سقوط عددٍ منَ القتلى أيضًا دون بيانات رسمية أو شيء من هذا القبيل. وسطَ دعوات شبابيّة للانضمام للحراك الشعبي ضدّ النظام

الحاكم، انضمّت بعض مدن السودان في اليوم الثاني.
تعليق الدراسة وسقوط شهداء
كانت الاحتجاجات في الأسبوع الثاني عنيفة نوعًا ما حيثُ شهدت حرقَ المتظاهرين لبعض السيارات كما شهدت بعض أعمال العنف والشغب فيما ردّت الشرطة وقوات مكافحة الشغب مُجددًا بالرصاص المطاطي والحيّ وكذا الغاز المسيل للدموع في سيناريو مشابه تقريبًا لأحداث الأسبوع الأول مع فرق سعة

التظاهرات وعدد المشاركين. تصاعدت وتيرة الاحتجاجات في ظلّ تعنت السلطات في الاستجابة لمطالب المتظاهرين؛ بل عملت على مواجهتهم وتفريقهم بالقوّة مُستعملة في ذلك مُختلف الأسلحة وبخاصة الهراوات والغاز المسيل للدموع. تركّزت الاحتجاجات هذه المرة في عطبرة، أم درمان وشمال كردفان.

حسبَ بعض التقارير الإخباريّة فقد قتلت الشرطة متظاهرًا واحدًا على الأقل في مدينة عطبرة.
في ظل تزايد الاحتجاجات وشموليتها؛ علّقت السلطات الدراسة في كل الجامعات وكذلك مرحلتي الأساس والثانوية بولاية الخرطوم لأجل غير مسمى فيما أعلنت حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحًا في بعض الولايات. من جهة أخرى؛ خرجَ مئات الأشخاص في

مدينة ربك عاصمة ولاية النيل الأبيض ورددوا شعارات منددة بسياسات الحكومة فيما ردّد آخرون الشعار الشهير الذي برزَ في مطلع العام 2011 إبّان ثورات الربيع العربي: الشعب يريد إسقاط النظام. في المُقابل أضرمَ عددٌ من الشبان الغاضِبين النيران في مجموعة من المؤسسات الحكومية والخاصة من

بينها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
وأشارت  قناة (بي بي سي) عربية  إلى مقتل ثمانية أشخاص على الأقل منذ بداية التظاهرات قبلَ ثلاثة أيام.
ثم تواصلت الاحتجاجات للأسبوع الرابع على التوالي وقد عمّت هذه المرة عددًا أكبر من المدن مقارنةً بالأسابيع الثلاثة السابقة. تميّز هذا الأسبوع هو الآخر بشدّة الاشتباكات بينَ المتظاهرين من جهة وبين قوات الأمن من جهة ثانية. في السياق ذاته؛ أشارت بعض المصادر الصحفيّة في تقاريرها الى أنه تم قتلَ

ما لا يقل عن عشرة مُحتجين في مُقابل إحراقهم لمقر الحِزب الحاكم في مجموعة من المدن وبخاصّة في الرهد.
بيما ردت الحكومة بالقيام بموجة من الاعتقالات شملت عددا من قادة المعارضة في أم درمان كما قتلت خمسة أشخاص على الأقل في يومٍ واحد حسب تصريحات مدير جهاز الأمن السوداني صلاح قوش الذي ألقى باللوم على «متمردين تربطهم صلات بإسرائيل»، وكشفَ رئيس حزب الأمة القومي الأمام

الراحل الصادق المهدي في مؤتمر صحفي أن عدد القتلى وصل إلى 22 كما اعتبرَ «التحركات السلمية مشروعة قانونيًا، ومبررة بواقع تردي الأوضاع المعيشية» كما أدان القمع المسلح الذي تنتهجهُ القوى الأمنية في مواجهة الشعبِ الثائر.
الشهر الثاني
تواصلت الاحتجاجات للشهر الثاني على التوالي في ظل تعنت النظام في الاستماع لمطالب المُحتجين وعدم تلبية رغباتهم. تزامنًا معَ ذلك؛ برزَ اتحاد المهنيين الذي عملَ على تنظيم التظاهرات وتنسيقها والدعوة لها. في المُقابل؛ تواصلَ تدخل الشرطة وباقي الأفرع الأمنيّة وذلكَ بهدفِ منع المسيرات وقمعها

خاصّة تلكَ المتوجهة نحو البرلمان والتي تُطالب بشكلٍ صريح ومباشر بتنحي البشير ونظامه عن الرئاسة.
شهدت بعضُ الأيّام احتجاجات ضخمة تركزت في بعض المدن بما في ذلك الخرطوم وأم درمان فيما ردّت قوات الأمن بالغاز المُسيل للدموع والرصاص المطاطي والحيّ أحيانًا. أظهرت بعض الفيديوهات التي تناقلها نشطاء على مُختلف مواقع التواصل الاجتماعي دهس سيارات تابعة للنظام السوداني

للمحتجين مما تسبّب في سقوط قتلى وجرحى كما لوحظَ انتشار كثيف لقوات الأمن بزيّها غير الرسمي والتي تتخفى وسط الثوار بهدفِ إلقاء القبض عليهم في الوقتِ المُناسب.
اشتدّت الاحتجاجات في الأسبوع الثالث من الشهر الثاني فارتفعت معها وتيرة القمع والعنف الممنهج مما تسبّبت في مقتل طبيب وطفل برصاص قوات الأمن كما فارقَ رجل في الستين من عمره الحياة متأثرًا بإصابته بعيار ناري في مدينة بري. ألقى المحتجون باللومِ على النظام واستغلوا تشييع الجنازات كنقطة

بداية لاحتجاجات جديدة ومنسّقة عبروا فيها عن مطلبهم الواضح وهو إسقاط النظام. على الجِهة الأخرى؛ في حين ظل البشير يراهن على عقد انتخاباته المزورة في 2020 .
الشهر الثالث
كما هو الحال في الشهرين الأول والثاني؛ نزلَ المتظاهرون من جديد للشوارع وواصلوا مطالبة النظام بالاستقالة بل طالبَ آخرون صنّاع القرار بالانسحاب من الحياة السياسيّة بالكامل بسببِ «ردّة فعلهم الهمجيّة» في التعامل مع المطالب المشروعة للشعب السوداني. في السياق ذاته؛ حذرت الولايات

المتحدة من أن العنف المفرط الذي تستخدمه قوات الأمن السودانية لقمع الاحتجاجات يمكن أن يهدد المحادثات لشطب الخرطوم من قائمة واشنطن للدول الراعية للإرهاب. ازدادت الأمور تعقيدًا عقبَ فرض النظام السوداني لحالة الطوارئ التي جرى اتباعها بإصدار أربعة مراسيم تفصيلية حظرت إحداها

التجمعات والمواكب والتجمهر وتعطيل المرافق العامة، وتَقرّر فرض عقوبات على خارقيها تصل إلى السجن 10 سنوات مع الغرامات الماليّة، كما أصدر النائب العام للجمهورية عمر أحمد قرارًا بتأسيس نيابات طوارئ بالخرطوم وبكل الولايات. بالرغمِ من ذلك؛ طلبَ تجمع المهنيين من الشعب السوداني

تحدي حالة الطوارئ ومواصلة التظاهر لتحقيق كافّة المطالب.
تميّز هذا الشهرُ بتنظيم تظاهرات واحتجاجات خارجَ حدود السودان حيثُ تجمّع مئات السودانيين المهاجرين في دول أوربية أمام مقر الاتحاد الأوربي في بروكسل للمطالبة بالضغط على نظام عمر البشير لإرغام الأخير على التنحي وذلكَ بعد يوم فقط من بيان للاتحاد قال فيه إنّه يراقب تداعيات الأحداث في

البلد عن كثب كما ضمّن في بيانه أنّ «قرارت البشير الأخيرة تؤدي إلى مزيد من تقليص الحريات الأساسية وتقويض الجهد الحالي لحوار سياسي جديد.» من جِهة أخرى واصلت قوات الأمن انتهاكها لحق المحتجين في التظاهر بشكلٍ سلمي من خلال قمعهم بشتى الطرق بل أظهر فيديو تمّ تداوله على نطاق

واسع تعرّض طلاب وطالبات جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا بالخرطوم للاعتداء والضرب مما دفعَ منظمة العفو الدولية للتنديد به بعدما تأكدت من صحته.
الشهر الرابع
اعتصام القيادة العامة
تظاهر مئات الآلاف في السادس من /أبريل تخليدًا لذكرى انتفاضة 6 أبريل التي أطاحت بحكم الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري متوجهينَ نحو مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية وقصر الضيافة مقر إقامة الرئيس عمر البشير. عقدَ المحتجونَ اعتصامًا على مُستوى مقر القيادة فتدخلت قوات

الأمن لتفريقهم بالقوّة ما تسبب في مقتل خمسة متظاهرين بالرصاص الحيّ. واصلَ المتظاهرون اعتصامهم المفتوح أمام مقر القيادة العامة مطالبين بتنحي البشير وإسقاط النظام؛ وسطَ توترات حصلت بعدَ تدخل قوات الأمن مُجددًا لتفريق الاعتصام. شهدَ هذا الشهر تحولًا ضمنيًا في موقف الجيش السوداني بعدما

اشتبكَ هذا الأخير مع عناصر من الشرطة بالرصاص الحيّ في سبيلِ حماية المُحتجّين مما نجمَ عن مقتل 5 عسكريين.
ميلاد الثورة
تطوّرت الأمور بشكلٍ مُتسارع فبعدَ حوالي أسبوع من الاعتصام قُرب مقر القيادة العامة للجيش؛ عقدَ هذا الأخير في صبيحة يوم الخميس الموافق لـ 11 نيسان/أبريل اجتماعًا لم يحضرهُ البشير وسطَ أنباء تحدثت عن إغلاق مطار الخرطوم الدولي وتطويق القصر الرئاسي بالآليات العسكريّة ثمّ بعدَ حوالي

7 ساعات أصدرت القوات المسلحة بيانًا أعلنت فيه اعتقال الرئيس عمر البشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي بقيادة أحمد عوض بن عوف لقيادة البلاد لمدة عامين كما أعلنت فرضَ حالة الطوارئ 3 شهور في البلاد، وَعلّقت العملَ بالدستور الحالي إلى جانبِ حلّ كل من مجلس الوزراء، حكومات

الولايات، المجالس التشريعية وكذا حظر التجوال لمدة شهر في عموم البلاد.
وعلى أثر إعلان سقوط النظام خرجت الجماهير بأكثر من مليوني مواطن تجوب الشوارع الرئيسة شباباً وشيوخاً ونساء يزغردن  وأطفالا وصبية يلوحون بأعلام السودان وشبابا يرفعون شعارات الثورة ،  كل الجموع المليونية التي تجمعت عفوياً من كل مناطق الخرطوم تعبر عن استفتاء حقيقي عن رفضها

لسياسات النظام البائد
بالرغمِ من ذلك؛ استمرت الاحتجاجات طيلة اليوم التالي وطالبَ فيها المحتجّون بتنحية المجلس العسكري الانتقالي ككل وسطَ إصرارهِم على تشكيل حكومة انتقاليّة مدنية. وفي المساء أعلن الفريق أول بن عوف تنازله عن رئاسة المجلس الانتقالي وعيّنَ المفتش العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح عبد

الرحمن البرهان خلفًا له.
الشهر الخامس
بالرغمِ من عزل البشير واستقالة بن عوف ثمّ صعود البرهان إلا أنّ الاحتجاجات لم تتوقف وظلّ عددٌ كبيرٌ من السودانيين في مقرّ الاعتصام قربَ القيادة العامّة للجيش مُطالبينَ بتشكيلِ مجلس انتقالي مدني يقودُ البلاد في هذهِ الفترة كبديلٍ للمجلس العسكري الذي كان قد شُكّل إبان انقلاب الجيش على عمر

البشير. تجمهرَ مئات الآلاف من المحتجين في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم ثمّ ازدادت كثافةُ المتظاهرينَ بعد وصولِ قطارٍ مُحمّل بعددٍ كبير من السودانيين للمشاركة في الاحتجاجات ومواصلة الضغط على المجلس العسكري من أجلِ تسليم مقاليد السُلطة. وفي تطوّر لافت انضمَ عددٌ منَ القضاةِ إلى

الاحتجاجات لأول مرة حيثُ نظموا مسيرة خارج المحكمة العليا وطالبوا بمحاسبة السلطة العسكرية الحاكمة عن المشاكل التي تعاني منها البلاد.
بعدَ اشتداد الاحتجاجات؛ حاولَ المجلس العسكري – الذي يُسيّر البلاد عمليًا في الوقتِ الحالي – عقدَ اجتماعات معَ قادة المحتجين واتفقَ الاثنان على تشكيل لجنة مشتركة مهمتها وضع خارطة طريق لمستقبل البلاد. لكن وبالرغمِ من ذلك؛ لم تلق هذهِ الدعوة قبولًا كبيرًا في أوساط المُحتجّين ونفس الأمر

بالنسبة لتجمع المهنيين فيمَا دعا تحالف الحرية والتغيير والذي يضمّ تحتَ لوائهِ مُختلف التيارات المشاركة في الاحتجاجات دعا الشعب إلى مواصلة المُطالبة بحكومة مدنية مؤكدًا في الوقتِ ذاته على استمرار الاعتصامات من أجل حماية الثورة. من جِهة أخرى؛ وفي يوم الخميس الموافق لـ 25 ابريل تجمّع

العشرات منَ السودانيين أمام القنصلية المصرية رافعينَ لافتات وشعارات تُطالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعدم التدخل في الشأن السوداني وذلكَ بعدما استضافت القاهِرة قمّة لقادة أفارقة دعوا إلى المزيد من الوقت لنقل السلطة إلى حكومة مدنية.
في الأوّل من مايو اتهمَ تجمّع المهنيين السودانيين المجلس العسكري بمحاولةِ فض الاعتصام القائم في ساحة القوات المُسلّحة وذلك بعدَ تعثر جولة ثالثة منَ المفاوضات بين المجلس وتحالف قوى الحرية والتغيير لتشكيل مجلس سيادي يقودُ البلاد. هذا الأخيرُ – التحالف – أعلنَ في وقتٍ لاحق من نفس

اليوم عن «مليونية السلطة المدنية» والتي تمّت بالفعل في اليومِ التالي حيثُ توافدَ الآلاف من السودانيين من مُختلف المدن والمناطق إلى وسطِ العاصمة الخرطوم مُطالبينَ بتشكيل مجلس انتقالي تكونُ فيهِ الأغلبيّة للمدنيين. في غضون ذلك؛ توعّدَ نشطاء الحراك ببقاء الاعتصام خلال شهرِ رمضان ما لم يُلب

المجلس العسكري كل متطلباتهم.
الشهر السادس
مجزرة الاعتصام
تواصلَ اعتصام الشعب السوداني وسطَ العاصِمة الخرطوم على الرغمِ من ارتفاع درجة الحرارة في هذهِ الفترة من السنة وبالتزامنِ مع شهر رمضان؛ في الوقتِ ذاته واصلَت قوى الحريّة والتغيير الدخول في نقاشات ومفاوضات معَ المجلس العسكري الانتقالي من أجلِ الوصول لصيغة مشتركةٍ حولَ تقاسم

السلطة في البلد في ظلّ رفض العسكر لمقترحات قوى الحريّة بتسليمِ السلطة للمدنيين كما طالب ويُطالب بهِ المحتجون منذ أن أسقطوا نظام عمر البشير. على الناحيّة الأخرى؛ تجاهلَ المجلس العسكري كل المطالبات الشعبيّة ونفس الأمر فعلهُ معَ المطالبات الدولية بعدما رفضَ الانصياع لطلباتٍ من مؤسسات

ودول أخرى تنصحهُ فيها بالتخلي عن السلطة لصالحِ المدنيين؛ بل باشرَ عملهُ كسلطة قائمة وبدأَ في التواصل مع دول المنطقة كما تلقّى دعوات من منظمات عربية وإسلاميّة أخرى للمُشاركة في اجتماعاتها على غرار القمّة العربية في مكة والتي دعت لها الرياض بعدَ زيادة التوترات بينها وبينَ طهران وعقبَ

استهداف جماعة الحوثي من اليمن لأهداف في العمق السعودي.
تسبّبت الاضطرابات في السودان في تدهور نسبي للاقتصاد فتدخلت السعودية التي أودعت 250 مليون دولار في المصرف المركزي السوداني في إطار حزمة مساعدات كانت قد تعهّدت بها المملكة وحليفتها الإمارات بعدما كانت قد قدّمت الدولتان دعمًا ماليًا قيمته ثلاثة مليارات دولار الشهر الماضي.

بحلول 23 مايو/أيّار قامَ حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري وقائد قوات الدعم السريع بأوّل زيارة خارجيّة له؛ وكانت صوبَ السعودية حيثُ التقى هناك وليّ العهد محمد بن سلمان آل سعود ودار بينَ الاثنان نقاش لعدّة ساعات قبلَ أن يعود حميدتي أدراجهُ نحو الخرطوم. هذا الأخير أكّد فيما بعد بقاء قوات

بلاده ضمنَ التحالف العسكري في اليمن بقيادة الرياض بعدما كان المتظاهرون قد طالبوا بسحبها من هناك.
مباشرةً بعد عودة حميدتي؛ انطلقَ عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري في أوّل زيارة له خارج البلاد هوَ الآخر وكانت هذهِ المرّة صوب مصر حيثُ أجرى محادثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي – القادِم للسلطة بانقلابٍ عسكري عام 2013 – بقصر الاتحادية الرئاسي شرق القاهرة. في

السياق ذاته؛ أعلن مكتب السيسي عنِ التوافق على «أولوية دعم الإرادة الحرة للشعب السوداني واختياراته». في اليومِ الموالي؛ اتجهَ البرهان صوبَ الإمارات في زيارة رسمية استغرقت هي الأخرى يومًا واحدًا والتقى فيها بولي عهد أبوظبي محمد بن زايد من أجلِ بحث العلاقات الثنائية بين البلدين

وتطورات الأوضاع في السودان. خلال اللقاء؛ أكّد بن زايد «دعم بلاده الكامل لجمهورية السودان في ظل الظروف والمتغيرات الحالية التي تمر بها، ووقوفها إلى جانبها في كل ما يحفظ أمنها واستقرارها، ويحقق طموحات شعبها إلى التنمية والتطور ويضمن الانتقال السياسي السلمي في إطار من التوافق

والوحدة الوطنية.»
في صبيحة الثالث من يونيو/حزيران شنّت قوات ترتدي الملابس العسكرية  هجومًا عنيفًا على المدنيين في مقر الاعتصام واستخدمت فيهِ الرصاص الحيّ ما تسبّب في وقوع 13 قتيلًا ومئات الجرحى ثمّ ارتفعَ هذا العدد إلى 30 قتيلًا وأزيد من 116 جريحًا حسب آخر إحصائيات لجنة أطباء السودان

المركزيّة. توالت الأخبار القادِمة من الخرطوم وانتشرت فيديوهات على مواقع التواصل تُظهر عناصر وهي تستهدفُ المدنيين مباشرةً بالرصاص الحيّ كما شوهدت أو بالأحرى صُوّرت قوى أمنية بأعداد كبيرة تنتشر مع آليات وأسلحة في شوارع عدة في العاصمة.
فيما دعت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى إقامة متاريس في كل الشوارع بالعاصمة والأقاليم، والخروج في مسيرات سلمية ومواكب بالأحياء والمدن والقرى. في المُقابل؛ نفى متحدث باسم المجلس العسكري أن يكون المجلس قد أقدمَ على فض الاعتصام «بالقوة» وقال «إن خطة أمنية استهدفت منطقة

مجاورة باتت تشكل خطرا على أمن المواطنين وتحولت إلى بؤرة للفساد والممارسات السلبية التي تتنافى وسلوك المجتمع السوداني.»
تبرير المجلس العَسكري هذا لم يلقَ قبولًا داخل الشارع السوداني الذي أكّد على التصعيد من موقفهِ والعمل على إسقاط المجلس العسكري عبرَ الثورة السلمية كما أعلن قادة المظاهرات عنِ الإضراب السياسي والعصيان المدني الشامل والمفتوح اعتبارًا من يوم تنفيذ المجزرة حتّى إسقاط النظام. لم يكتفِ

الشارع السوداني بالتنديد والوعيد بل خرجَت تظاهرات في كسلا، بورتسودان، سنار وعطبرة وأطلقَ المشاركون فيها هتافات مناهضة للمجلس بعدَ الأحداث الداميّة التي شهدتها السودان عقبَ فض الاعتصام في الخرطوم؛ خرجَ رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان مساء يوم المجزرة مُعلنًا عن إيقاف

التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير كما دعا إلى انتخابات عامة خلال 9 أشهر ووصفَ ما جرى «بعملية تنظيفٍ للشارع». لقد اتهمَ البرهان قوى الحريّة بإطالة أمد المفاوضات والعمل على احتكار السلطة ثم تعهّد في نفس الوقت بأنّ المجلس العسكري سيسلم السلطة إلى «من يرتضيه الشعب».

في اليومِ الموالي – الرابع من يونيو/ أقدمَ المجلس العسكري على قطع الإنترنت على كامِل السودان تقريبًا وذلكَ بعد بدء العصيان المدني الشامل بقيادة تجمّع المهنيين. وفي وقتٍ متأخر من نفسِ اليوم أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية عن ارتفاع عدد قتلى فض اعتصام القيادة العامّة إلى 128 شخصًا.
حضور نسائي مميز
شهدت هذه الاحتجاجات مشاركة واسعة لمختلف أطياف الشعب السوداني حيثُ حضرها الكبار والصغار والرجال والنساء ولم يتزعمّها أحد كما شهدت انضمام أحزاب سياسة معارضة وجمعيات أخرى مستقلة ، بيد  أن اللافت للنظر أن النساء خاصة طالبات الجامعات قمن بمشاركة كبيرة في تلك

الاحتجاجات وتعرضن للاعتقال والتعسف من قبل قوات النظام.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى