صديق البادي يكتب: لا لاستبدال الأسوأ بالسيء ونعم للبديل الأفضل

أمضى عهد الإنقاذ السابق في الحكم ثلاثين عاماً إلا خمسة وثمانين يوماً وتخللت هذه الفترة الطويلة سبع سنوات كبيسة والسنة الكبيسة كما هو معروف تزيد يوماً وتصبح أيام العام ثلاثمائة ستة وستين. والفترة الممتدة منذ يوم الجمعة الموافق الثلاثين من شهر يونيو عام 1989م وحتى يوم الخميس الموافق الحادي عشر من شهر أبريل عام 2019م مجموع أيامها وهي عمر الإنقاذ عشرة ألف وثمانمائة وخمسة وستين يوماً. وإذا رجعنا للوراء فإن قيادات الجبهة الإسلامية القومية هي التي فكرت ودبرت وخططت ومولت ونفذت الإنقلاب العسكري واشترك في التنفيذ العسكريون المنتمون لتنظيم الجبهة وخلاياها داخل القوات المسلحة ومنهم عدد كانوا يعملون بأسلحة فنية واشترك معهم في التنفيذ بعض المدنيين المدربين الذين لبسوا في ليلة التنفيذ أزياء عسكرية. ولو آلت إدارة البلد وتسيير دفة الحكم للعسكريين وحدهم وعلى رأسهم رئيس مجلس الثورة لسقط إنقلابهم وزال حكمهم بعد أشهر قليلة ولن يستطيعوا الصمود لتسيير الأمور في ظل التحديات العويصة والأزمات الحادة التي كانت تمر بها البلاد آنئذٍ، ولكن الذي كان يحكم حقيقة هو (التنظيم) الدقيق وترابطهم الداخلي في ذلك الوقت، وكانت الغاية عندهم تبرر الوسيلة إذا كانت هذه الوسيلة نظيفة أو قذرة في سبيل الوصول لأهدافهم ومسيرتهم طويلة تفاصيلها دقيقة وستفتح كل صفحاتها وتقلب كل أوراقها بما لها وما عليها. وفي الجمعية التأسيسية التي أنتخبت في عام 1985م كان عدد نواب حزب الأمة مائة وواحد وعدد نواب الحزب الإتحادي الديمقراطي ثلاثة وستين وعدد نواب الجبهة الإسلامية القومية واحد وخمسين استقال منهم ثلاثة نواب من أبناء دافور وانضموا للحزب الإتحادي الديمقراطي، وأصبح عدد نواب الجبهة ثمانية وأربعين منهم ثمانية وعشرين فازوا في دوائر الخريجين وعشرين فازوا في الدوائر الجغرافية وسبب فوز عدد من هؤلاء هو تعدد مرشحي الحزب الإتحادي الديمقراطي الذي تشتتت أصوات ناخبيهم بينهم، ولو أجمعوا على مرشح واحد منحوه أصواتهم لفاز ولكن تعدد مرشحيهم أدى لفوز عدد من مرشحي الجبهة في عدة دوائر ولو انتهى أجل تلك الجمعية التأسيسية في عام 1990م أو 1991م كما كان مقرراً وأقيمت إنتخابات لقيام برلمان آخر يحل محلها فالمؤكد أن حزب الأمة والحزب الإتحادي الديمقراطي وبالأغلبية الميكانيكية سيلغيا دوائر الخريجين وبذلك تفقد الجبهة كسبها في هذه الدوائر وإذا وحد الحزب الإتحادي الديمقراطي مرشحيه ومنعوا تعددهم فإن الجبهة ستفقد كل دوائر الخريجين وتفقد عدداً من الدوائر الجغرافية التي فازت بها في المرحلة وسيتقلص عدد نواب هيئتها البرلمانية ولكن الجبهة تفوقت على غيرها من الأحزاب وتميزت بالثراء المالي العريض ولها آلة إعلامية وصحفية شرسة تقض مضاجع الحاكمين وتسقط هيبة سلطتهم، وعندما كونت الجبهة الإسلامية القومية وفتحت أبواب العضوية بغرض زيادة الأعداد وتكبير الكيمان عند إجراء الإنتخابات العامة لم تفتح لجل هؤلاء القادمين الجدد أبواب التنظيم ليلجوا فيه وظلت عضوية التنظيم قاصرة على أعضائه فقط وحدث نفس الشيء في عهد الإنقاذ إذ ظلت أبواب عضوية الحزب مفتوحة ولكن التنظيم ومنظماته الخاصة ودوائره الضيقة ظلت قاصرة على عضويته فقط وكانوا هم أهل الحل والعقد وعند سقوط النظام ذهب الأعضاء الذين لا يضمهم التنظيم لحالهم، أما الذين كان يضمهم التنظيم الداخلي بحلقاته الضيقة فلعلهم يعملون في شكل شلل ومجموعات ولا يرضى الكثيرون من هؤلاء أن يكونوا منقادين لغيرهم وخاضعين لهم وأخذ كل منهم يفكر بالطريقة التي تروق له ويرى أنها الأصوب، ولعل عدداً كبيراً من العقلاء الذين لم يرتكبوا جرائم أو يشتركوا في مؤامرات ضد الآخرين أو يتلوثوا في الفساد وهم لا يلهثون في الوقت الراهن وراء سلطة فإنهم أخذوا في القيام بعمليات نقد ذاتي للتجربة الإنقاذية السابقة بكل ما لها وما عليها لأخذ الدروس والعبر وتجنب الأخطاء مع الإلتزام دينياً وأخلاقياً بعدم القيام بأي عمل تخريبي يمس الوطن مع تفكيرهم في قيام تنظيم يضمهم يتم فيه تجديد الدماء واعطاء الفرص لجيل ناهض يحمل الراية بمسؤولية وأمانة مع إدراك أن وجودهم في الساحة سيكون جزئياً كالآخرين ولن تكون لهم هيمنة وسيطرة كلية وامساك بكل مقابض السلطة وتلك صفحة طويت إلى الأبد ولن تتكرر مرة أخرى … ويجري الكثيرون الآن مقارنة بين عهد الإنقاذ وبين العهد الماثل حالياً وهي مقارنة لا معنى لها فإذا حسب هؤلاء أن الأوضاع قد بلغت حداً من السوء فاق حد الوصف في كافة المجالات الإقتصادية والمعيشية والخدمية والأمنية فقد اسقطوا النظام السابق ووصفوه بأنه كان سيئاً ولا يعقل في محاولة التخلي عن الأسوأ الرجوع للسيء المجرب ولابد من النظر للأمام والبحث عن الأفضل الذي يتجاوز السيء والأسوأ. ومسيرة العامين الماضيين مليئة بالكثير المثير وقد أعلن بيان تغيير النظام الفريق عوض بن عوف الذي كان يشغل موقع النائب الأول لرئيس الجمهورية ووزير الدفاع في عهد الإنقاذ وعندما أدرك أن الثوار يرفضونه ولا يطيقونه قدم إستقالته ورشح البعض نائبه الفريق أول كمال عبد المعروف ليحل محله ويصبح رئيساً للمجلس العسكري الإنتقالي ولكن الثوار رفضوا ترشيحه مبررين ذلك بأنه وجه لهم إساءات أثناء مظاهراتهم ولو تولى الفريق أول كمال عبد المعروف رئاسة المجلس وموقع القائد العام للقوات المسلحة لحدث نزاع منذ الأسبوع الأول بينه كقائد عام للجيش وبين قوات الدعم السريع وقائدها. وقد آلت الرئاسة للفريق أول عبد الفتاح البرهان وسارت الأمور بينه وبين صديقه القديم الفريق أول حميدتي بطريقة سلسة لأنه كانت بينهما مهام مشتركة في دافور وفي القوات السودانية التي تحارب في اليمن. وفي الأيام الأولى لهذا العام كثرت المظاهرات والهتافات مدنية مدنية، ونظم آخرون لم تضمهم قحت إليها مظاهرة فيها هتافات عسكرية عسكرية وأرادوا أن يسقووا بالعسكريين ولما لم يجدوا بغيتهم إنقلبوا عليهم وهاجموهم. والخوض في التفاصيل سيرد في سفر كبير وكل شيء موثق توثيقاً دقيقاً. وشهدت الساحة السياسية هرجاً ومرجاً وصراعات حول المواقع والسلطة ولكن الأسوأ من ذلك هو ما أشيع عن صرف عدد من الموظفين العاملين بمكتب رئيس الوزراء مرتباتهم بالعملات الحرة من الإتحاد الأوروبي أن من غيره من الخواجات وإذا حدث هذا لا قدر الله فإنه يعتبر فضيحة بجلاجل. والوضع كما أسلفت سيء في كافة الأوجه ويحتاج لمعالجات عاجلة ولتكن البداية بتصحيح الخطأ في تجميد أو تعمد إرجاء تشكيل بعض المؤسسات المهمة والضرورة تقتضي تشكيل المحكمة الدستورية وتشكيل المجلس التشريعي الإنتقالي على وجه السرعة وإجراء مراجعات عامة. والبلد في حالة تقهقر للخلف في كافة المجالات … والدول العربية الشقيقة الغنية والدول الغربية توقفت عن دعم السودان الدعم المطلوب في الوقت المناسب ومع ذلك فإن بعض المسؤولين يتحدثون بفرح غامر عن إستثمارات عربية مرتقبة في مجال الزراعة وقطعاً إنها ستكون في صالح هؤلاء المستثمرين الذين يحتاجون لأراضي السودان ويستنزفون مياهه الجوفية ويتحدثون أيضاً عن إستثمارات تريليونية من الدول الغربية وشركاتها وهذا يعني أن هؤلاء الخواجات يريدون إستغلال كنوز البلاد ومعادنه النفيسة ونفطه مقابل تقديم الفتات والمؤسف أنهم أحجموا عن مساعدة السودان في ظروفه الإقتصادية العصيبة … وهذه الغيبوبة ينبغي الإفاقة منها وتصحيح المسار عاجلاً غير آجل والحكومة تتودد وتتقرب للخواجات بشتى السبل وتسعى لترضيتهم بقرارات تسرهم ولكن الخواجات يتعاملون معها بإستخفافوخبث وهدفهم إضعافها توطئة لتقسيم السودان لعدة دول … ولا لإستبدال الأسوأ بالسيء ونعم للمعالجات العاجلة في إطار الأفضل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى