أحمد عبد المجيد يكتب: الإسلاميون والسلطة (3)

 عندما أعلن النميري حالة الطواريء في نهاية أبريل 1984م استصحب قراره بإنشاء محاكم إيجازية تجاوزت كل الأعراف المتداولة وذلك  بمخرجات هزت المجتمع السوداني. الغريب في الأمر أن الإخوان لم يتخذوا أي موقف من الأحداث سوى آراء لعدد محدود من كوادرهم القيادية بإدانة مايحدث إلا أن قواعدهم أيدت الأحداث والأغرب من ذلك التأييد المنقطع النظير الذي وجدوه من نظرائهم في الإقليم حولنا. ففى الوقت الذي ذكر  فيه نميري أنه لن يحكم بالشريعة السمحاء وإنما بهذا القانون الكعب وسنتجسس ونشهر وننط في البيوت، كان الدكتور القرضاوي يقول أن الرئيس السوداني يعمل  على بناء الفرد الصالح والمجتمع الصالح. خلال هذه الفترة فقد النميري الكثير من أنصاره ورهن بقائه على الإخوان دون تأمين الجسور بينهم. أما الإخوان ساروا بهمة وجدية نحو هدفهم وهو الإنفراد بالسلطة. تضاربت الرؤى والأهداف وبدأ النظام يهتز يوماً بعد يوم وبدأ الجنيه السوداني عداً تنازلياً مقابل الدولار ففى مطلع مَارس 85 أصبح الدولار ثلاثة جنيهات بعد أن كان في يناير ١.٨جنيه ثم أصبح 4 جنيهات قبل أن يكمل الشهر دورانه. كان النميري قد أعد عدته لرحلة علاج بالولايات المتحده ثم خاطب الشعب وداعاً في خطاب كارثي استكثر فيه على الشعب شرب البيبسي بدلاً من الموص وكان يرد على الإنتقادات الموجهة لبرنامجه الإقتصادي  كان في طريقه للمطار  ظهر 26 مارس 85 حيث إندلعت إحتجاجات بدأت من جامعة أمدرمان الإسلاميه وصفهم فيها بالشماسة وبعدها خرج ولم يعد. كان آخر ردة فعل له قبل سفره إعتقال الإسلاميين تمهيداً لتصفيتهم بعد عودته على غرار مافعله بالشيوعيين و الجمهوريين دون قراءة صحيحة لحجم أعدائه. ذكر لي صديق عزيز وكان أحد رجال النميري الخلص أن النميري استدعاه ليلة إذاعة بيان المفاصلة مع الاسلاميين وسلمه شريط البيان وطلب منه أن يذاع أول الصباح  بعد إعلان طويل لبيان هام فترقبوه مع المارشات العسكريه حاول إقناعه بأن يتم ذلك بهدوء ذلك لمعرفته بحجم الإسلاميين إلا أنه أضطرللإجتماع بعمر الجزلي مدير الإذاعة وإتفقا على تنفيذ طلبه بهدوء دون تطويل الإثارة. ذهب النميري وتغير النظام وخرج الإخوان في ثياب أبطال بمهر أسبوع بالسجن.
بعد سقوط نظام نميري حدث إرتباك شديد وسط الفعاليات السياسية التي لم تكن تملك رؤيةً واضحة لمتطلبات المرحلة التالية الأمر الوحيد الذي إجتمع عليه الجميع هو التمسك بالديمقراطيه وتجاوز العثرات حتى فرضه أمراً واقعاً. كنا نلتئم بدار أساتذة جامعة الخرطوم لنتابع مخرجات تجمعات الفعاليات السياسة التي كانت تجتمع هناك. وبعد جدال طويل إتفق الناس على عام واحد للمرحلة الإنتقاليه أفرزت الإنتخابات نتائجاً غير متوقعة حيث حصل الإسلاميون على 58 مقعداً ولم يكن ذلك لثقل جماهيري إنما لدقة تنظيمهم وضعف الأحزاب المنافسة خاصة الحزب الإتحادي الديمقراطي الذي لم يكن لديه أي برنامج سياسي وتخطيط مدروس وتعدد مرشحيهم  في الدائرة الواحدة وتشتيت جهود الناخبين مما سهل للإسلاميين عملية إفتراسها لقمة سائقة هذه النتيجة كانت بمثابة إرباك الحساب للحزبين  التقليديين وفرض أمر واقعاً لايمكن تجاوزه. كانت الفترة عبارة عن فوضى خدمت أهداف الاسلاميين وكان الكل يحتطب في حبالهم وسارت الأمور كلها  وفق أهواءهم كانوا يتابعون الأخطاء بـ(زووم) يعطي الأحداث أكثر من حجمها وذلك بإرباك الفترة وتبرير ماأنتووه للاستيلاءعلى السلطة. كان السودان يمثل مركز إنطلاق لتحقيق الترتيبات التي تجريها الولايات المتحدة لفرض سيطرتها على المنطقة وكانت أهمها تنفيذ  برنامج صندوق النقد  الدولي وإسقاط النظام الشيوعى في إثيوبيا وترتيب الأوضاع في الحدود الغربية مع تشاد وتأمين العمق الجنوبي لمصر هذا على سبيل المثال لا الحصر، وقد وثقوا في في قدرات الاسلاميين على ذلك مادفعهم بالتعاون مع المصريين لعقد وكالة للإسلاميين لآداء هذا الدور وتسهيل مهمة استيلاءهم على السلطه.
كان حزب الجبهة القومية الإسلامية أكثر الأحزاب تنظيماً وترتيباً عكس الحزب الإتحادي الديمقراطي الذي لم يكن لديه أي برنامج سياسي ورغماً عن ذلك استطاع السيد محمد عثمان الميرغنى أن يلقي بحجر حرك الراكد السياسي بعنف أوجد تأييداً لم يحدث في تاريخ السودان وذلك بإتفاقه المشهور مع  قرنق إلا أن ذلك أثار ربكة لأطراف عديدة ليست من مصلحتها هذا الإتفاق. ذكر  المرحوم حيدر طه في كتابه(الأخوان والعسكر) إن الإسلاميون قرروا إغتيال السيد محمد عثمان الميرغني للتخلص من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه وإختاروا لذلك أحد حرس نميري إختياراً دقيقاً الذي بدوره  أظهر موافقته  واستلم عربون العملية وإتصل بالسيد سيد أحمد الحسين وزير الداخلية آنذاك  وأبلغه بالأمر ورتبوا لعملية فاشلة تخفي إزدواجية دوره  وقام بإطلاق رصاص كثيف على منزل السيد محمد عثمان الميرغنى لتغطية التفاعل. كان لابد من إيجاد حد لما يجري في السودان فالتفاعل الذي تم  من الشارع والمصحوب بمثله في الجيش وذلك بمذكرته الشهيرة قد أوجد وضعاً غاية في الدقة  كان الجميع قد أيقنوا أن كل المخارج  من المأزق المحيط قد أغلقت ودخلت البلاد في ورطة، وما زاد الطين بله ذلك البيان المحبط الذي ألقاه الشريف زين العابدين في البرلمان قبل إنقلاب الإنقاذ بأقل من شهرين الذي أفتتحه بـ( نحن جوعى ياسيدي الرئيس واصفاً حال الجيش الكارثي في أحراش الجنوب ومايقتاتونه من صقور وكلاب مروراً بتساؤله وغداً سيأتي وزير الدفاع أمامكم ترى ماذا سيقول أني أرى في المنام أني أذبحكم) وأختتم حديثه بأن( الديمقراطية لو شالها كلب ما حنقول ليهو جر)، نائب رئيس أكبر حزب كفر بالديموقراطيه أية حال يمكن أن يكون أسوأ من ذلك.  نفذ الإسلاميون إنقلابهم بحجة الفوضى وعدم الاستقرار  وبلع الكثير الطعم كفراً بالأحزاب وساروا في طريق مفروش بنجاحات فارقت كل منطق وعقل. مصر المؤيدة الأولى للنظام إدعت لاحقاً أنها خدعت بالإنقلاب بتبرير مجاف للمنطق فكيف نبرر إنخداع واحدة من أكبر المخابرات في إنقلاب ميزه محمد أحمد البسيط من لحظة إنطلاق المارش العسكري. ثم أمريكا التي عطلت بنداً من دستور بلادها لتسمح للعسكر بالإنقضاض على الديمقراطية. وفي الأسبوع القادم إذا أذن الواحد الصمد وأمد في الأعمار سنتحدث عن فترة الإنقاذ. نسأل الله الرشد والتوفيق.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى