زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: قراءة بين سطور مقالات البرهان في قطر

زين العابدين صالح عبد الرحمن
جاء في الخبر أن زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لدولة قطر كانت ناجحة، و هي مقولة دبلوماسية انتقلت من الحقل الدبلوماسي إلي الإعلامي كديباجة يتم بها فتح الحوار حول الزيارة، و استخدام العبارة ليس لأنها تمنح الإيجابية للزيارة، و لكنها واحدة من مفردات ثقافة الشمولية التي لا تريد أن يحاول المحللون قراءة الزيارة من خلال البحث عن وراء الأكمة. و هذا المقال لا يريد البحث في أوراق الزيارة في آطار العلاقة بين السودان و دولة قطر، بل البحث بين سطور مقولات رئيس المجلس السيادي في المؤتمر الصحفي الذي عقده في الدوحة. حيث تحدث البرهان عن خمسة قضايا أساسية كانت هي محور المؤتمر الصحفي، و إن كان التركيز في ثلاثة قضايا تمثل حجر الزاوية في السياسة السودان. تتمثل في العلاقة مع قطر و العلاقات الدولية. و الصراع السياسي داخل السودان خاصة في السلطة، مصر و قضية السد إلي جانب حلايب و شلتين و الخلاف مع أثيوبيا.
لا يختلف أثنان في السودان ،أن الثورة لم تحدد بناءات العلاقات الخارجية و لا كيفية إدارتها، و تركت ذلك للسياسيين علي أن تصب كل السياسة في مصلحة السودان. لكن كانت هناك مؤثرات في المنطقة هي التي كانت وراء تمرير أجندة من تحت الترابيز، و هي أجندة لها علاقة وطيدة بالتحالفات الدائرة في المنطقة العربية و أيضا في الإقليم الأفريقي، و كان المفروض من مقولة رئيس الوزراء بعد أداءه القسم أن سياسته سوف تتبع المنهج البرجماتي أي أنها جميعا يجب أن تصب في مصلحة السودان رغم أن رئيس الوزراء ترك مساحات للسياسة الخرجية رئيس مجلس السيادة، و لا ندري إذا كان البرهان برجماتيا أيديولوجيا. و كما قال رئيس الوزراء المنتصر في الحرب العالمية الثانية تشرشل ” ليست هناك عداوات دائمة و لا صداقات دائمة بل هناك مصالح دائمة” لكن العقل السياسي السوداني لم يجبل بأن يختار ذلك الطريق ” البرجماتي” أنما يكبله الإرث الثقافي السياسي في الصراع الأيديولوجي، الذي تسبب في فشل النهضة في السودان. لذلك قرر بعض النافذين أن قطر التي دعمت العديد من المشاريع في عهد الإنقاذ، يجب تأخير التعامل معها، و هذا قصور مفاهيمي، نابع لعدم فهم البرجماتية كمنهج لتحقيق المصالح، و لا يستطيع العقل المتكلس أن يحدث أي أختراق في الواقع لتحقيق المصالح الوطنية. كما أن القيادات التي صعدت لسلطة الفترة الانتقالية بعض منها كان جزءا من التحالفات في المنطقة، و هي أيضا لها أثر في التعامل مع دولة قطر، الأمر الذي يؤكد عجز العقل السياسي السوداني المتحنط الذي يفشل في القفز علي محوريته الحزبية لقضايا الوطن و المواطن.
أولا – عن العلاقة مع قطر؛ قال البرهان “اننا حريصون على استمرار متانة العلاقات بين بلدينا بعد التغيير الذى حصل في السودان، مشيرا إلى أن الدولة السودانية تمر فى الوقت الراهن بمرحلة البناء في جميع النواحي خاصة البناء الاقتصادى، وأن الاستمرار فى هذا البناء و العبور الى آفاق الاستقرار يحتاج إلى دعم ووقفة الاشقاء والاصدقاء الذين تأتي الشقيقة قطر فى مقدمتهم” و أضاف قائلا “يحرص السودان على تقوية وتعزيز العلاقات الثنائية مع دولة قطر فى المجالات كافة” . و في ذات السياق رحب أمير دولة قطر بزيارة رئيس مجلس السيادة وقال “رغم الظروف الإقتصادية التى يمر بها العالم ستظل قطر تقف مع السودان وتدعمه في كل المجالات وان أبوابها ستظل مفتوحة للسودانيين” في الحديثين تجد إشارتين، الأولي إشارة البرهان، الذي أكد أن تحصر العلاقة في الدعم الاقتصادي رغم تأكده علي متانة العلاقة حيث المقولة تتمحور في ” أن السودان يمر بمرحلة البناء خاصة البناء الاقتصادي” و فهم أمير قطر الرسالة و هنا تأتي الإشارة الثانية منه من خلال إجابته لم تخرج من دائرة إشارة البرهان حيث قال ” رغم الظروف الاقتصادية التي يمر بها العالم ستظل قطر تقف مع السودان” و هو يريد القول أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العالم سوف نقدم الدعم في حدود ما تسمح به الإمكانيات بسبب الأزمة، أي أن الدعم ليس كما تتوقعون. و هذه الإشارتين تبينا أن التحفظ السياسي في إطار العلاقة، مايزال قائما حتى ينجلي الوضع السياسي في السودان، خاصة أن سلطة الفترة الانتقالية تشوبها العديد من المنحنيات التي جعلتها عاجزة عن الاستقامة. الأمر الذي يبين أن التحالف الإقليمي مايزال يؤثر علي الرؤى.
ثانيا – علاقات السودان الخارجية و الإقليمية قال البرهان ” السودان حريص على السلم والأمن الإقليمي والدولي، ونعمل من أجل المحافظة على علاقتنا مع دول الجوار والعالم، وأن يصبح السودان عضواً فاعلاً ويعود إلى ممارسة دوره الطبيعي في المجتمع الدولي” هنا سؤال هل البرهان يدرك أن السودان لا يستطيع أن يتطلع لسياسة خارجية متوازنة إلا أن يخرج من سياسة المحاور في المنطقة، و أن يمد يد الصداقة لكل دول العالم؟ خاصة أن السودان في أمس الحاجة للدعم الاقتصادي الذي يساعده علي استثمار كل الخيرات في البلاد، كما يحتاج إلي ارسال بعثات عديدة لتدريب مهنيين و فنيين و عمال مهرة، و هذه لا تتم إلا من خلال علاقات واسعة مع أغلبية دول العالم، أن سياسة المحاور سوف تدخل السودان في صراعات لا تجلب له غير الخراب، و بالتالي يجب علي السودان الخروج من كل التحالفات في المنطقة التي تقيد خطواته، و يصبح مفتوحا علي كل دول العالم يجب أن يكون الشعار ” السودان أولا”.
ثالثا – من القضايا المحورية التي تؤثر سلبا علي نجاح الفترة الانتقالية_ البناء الوطني و العمل من أجل الاستقرار السياسي و الاجتماعي و هو الذي يشكل منصة الانطلاق للعالم. قال البرهان في رده علي سؤال عن تكوين المجلس التشريعي لكي تكتمل هياكل السلطة ” أننا نعمل من أجل أن يكون المجلس التشريعي معبرا عن كل آهل السودان، و أن ننجز الفترة الانتقالية بتوافق وطني يمهد للانتقال للفترة الآخرى التي يختار فيها الشعب ممثليه” أن العمل من أجل أن يكون المجلس التشريعي معبرا عن آهل السودان، يجب أن تقسم بقية مقاعد المجلس التشريعي علي القوى السياسية خارج قوى الحرية و التغيير، و ما تبقى من 67% التي كانت قد منحت وفقا للوثيقة الدستورية ” لقحت” و التي أخذتها منها الجبهة الثورية 75 مقعدا، أن تقسم مناصفة بين لجان المقاومة و الثوار، و بين القوى التي تبقت في ” قحت” و القوى التي خرجت من قحت، حتى يصبح المجلس فاعلا. باعتبار أن المجلس التشريعي هو الساحة السياسية التي يجب أن ينتقل لها الصراع السياسي. رغم أن هناك قوى سياسية ترفض ذلك باعتبار أنه خروج علي شعارات الثورة، و هي تحاول فقط أن تفرض شروطها هي و ليس شروط الثورة، أي مجتمع يمارس فيه إقصاء مهما كان قليل الحجم سوف يكون عائقا للبناء الديمقراطي، و الإقصاء يجب أن تمارسه الجماهير عندما تقول كلمتها في صناديق الاقتراع.
رابعا- يقول البرهان عن المبادرة الاماراتية “أن المبادرة الإماراتية بشأن حل التوتر الحدودي مع إثيوبيا تحفظ للسودان سيادته الوطنية، باعتبار أن الأرض سودانية، مؤكداً أن المبادرة تثبت حق السودان على جميع أراضيه، وتتضمن أموراً تشاركية بين الإمارات والمزارعين في المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا وأن الأجهزة المعنية تناقشها في مستويات مختلفة قبل الرد عليها” الخطاب فيه شئ من الغموض في مقولة ” أمورا تشاركية بين الأمارات و المزارعين في المناطق الحدودية” هل الشراكة مع مزارعين سودانيين أم أثيوبيين أم الاثنين معا. و إذا كانت مع سودانيين أين المبادرة لحل النزاع مع أثيوبيا، و هنا لم توضح القضية. لكن عضو مجلس السيادة مالك عقار بين حقيقة المبادرة عندما قال ” أن الخرطوم ترفض المبادرة الإماراتية لتسوية الصراع مع إثيوبيا حول منطقة حدودية” لماذا؟ أجاب عقار قائلا “أبو ظبي تريد تقسيم منطقة الفشقة الحدودية، والخرطوم لن تقبل بذلك” و أضاف قائلا “إن “الإمارات التي تقع خلف البحار تريد أن توزع أرضنا، هذه بلبصة سترمي بظلالها وتبعاتها على المنطقة” و معروف في السياسة، أن أي سياسي عندما يخرج بقضية يتم التداول فيها في الغرف المغلقة إلي الرآي العام، يهدف من ذلك كشف أوراق أو آراء يعتقد إنها مضرة علي الوطن و المواطن و تريد بعض القوى في السلطة تمريرها، و بالتالي يريد أن يوقف هذا المسعى المضر عندما يصبح الرآي العام مراقبا للقضية. و هنا تتأتى خطورة القضية، باعتبار هناك تنظيمات و أفراد لهم علاقة وطيدة جدا بدولة الإمارات، و هذه العلاقة ربما تؤثر علي سيادة البلاد. خاصة هناك تشكيك في الشارع السوداني أن بعض الدول في المنطقة ساعية لتحقيق مصالحها علي حساب مصالح السودان. و ربما يكون البرهان يريد أن يحتفظ بالحوار داخل الغرف المغلقة بعيدا عن الرآي العام، رغم أنه كان قد أعلن تكرارا أن أراضي الفشقة الصغرى و الكبرى لن يتم التفاوض عليها، بل السودان سوف يتفاوض علي علامات الحدود. و هذا يجب أن يكون القول الفصل. هذه المبادرة يجب أن تطرح علي الشعب السوداني حتى تتضح الرؤية. حتى لا يشطح الناس في قضية لا يملكون معلومات حولها.
القضية الخامسة – علاقة السودان مع مصر و سد النهضة و هل هناك حربا. أن البرهان رجل عسكري وصل رتبة فريق أول و رئيس لمجلس السيادة، إذا قال أن الحرب خيار مطروح يكون قد أكد عليها، و قوله بمثابة إعلان حرب، و الدولة المقصودة سوف تتبع كل خطواته، لذلك الخوض معه في قضية الحرب، يعرض صاحبه الاتهام بعدم الوعي السياسي. لذلك قال البرهان “أن بلاده لن تستخدم القوة العسكرية لحل الخلافات الحدودية سواء في مثلث حلايب مع مصر أو منطقة الفشقة مع إثيوبيا، مشيراً إلى أن الخرطوم تعتمد الحلول السلمية في معالجة مثل هذه القضايا” هذا التصريح عين العقل. أما عن العلاقة مع مصر و قضية حلايب قال البرهان “أن لدينا تعاوناً عسكرياً مع مصر، ولا نريد أن يكون النزاع على منطقة «حلايب» شوكة في خاصرة العلاقات السودانية المصرية، وتابع بالقول: «نسعى حتى لحل تلك النزاعات، وليست لدينا نوايا لاستخدام العنف والعمل العسكري في حلايب أو الفشقة، ونسعى بالطرق السلمية للحصول على حقوقنا” هذا أيضا حديثا دبلوماسيا خرج به من مأزق الأسئلة. رغم أن البرهان في أحدى خطاباته أمام القيادات العسكرية قال ” أننا سوف نعيد أراضي الفشقة الصغرى و الكبرى و أيضا سوف نعيد حلايب و شلاتين و أبو رماد و كل أراضي السودانية التي تقع خارج إدارة الدولة” و بالفعل قد اعاد أراضي الفشقتين، لكن النزاع مع إثيوبيا مايزال قائما و تحشد أثيوبيا قواتها علي الحدود السودانية إلي جانب رصد قوات أريترية تقف إلي جانبها. فالبرهان يعرف قدرات قواته و بالتالي يريد أن يحسم القضية مع إثوبيا في مشكلة الحود و أيضا في سد النهضة بالطرق التي لا تؤثر سلبا علي البلاد.
لكن البرهان لم يوضح ماهية التفاهمات التي تتم مع مصر حول قضية حلايب، خاصة أن العلاقة الإستراتيجية مع مصر يجب أن تطال كل حقول الاقتصاد و الثقافة، مسألة مطلوبة و مهمة بالنسبة للسودان، و أن قضية “حلايب” خرجت من الغرف المغلقة و أصبحت قضية رآي عام، يجب الوصول فيها لحل، لأنها بالفعل كما قال البرهان سوف تكون شوكة في خاصرة العلاقة. نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى