يتهم فيها وزيرا مالية بالعهد البائد.. محكمة  بيع النقل النهري.. الفســــــــاد (النموذجي)!

الخرطوم: رقية يونس
لـ(25) دقيقة من عمر الزمان تلا ممثل الإتهام عضو لجنة التحقيق مولانا عبدالمنعم سوار الدهب ، أمام محكمة جنايات الخرطوم شمال برئاسة القاضي حامد صالح حامد ، خطبة الإدعاء الإفتتاحية في بلاغ مخالفات صفقة بيع النقل النهري الذي يواجه الإتهام فيها وزيرا المالية السابقان في العهد البائد الزبير أحمد الحسن وعلي محمود  والشركة السودانية للنقل النهري و (2) آخرين في القضية  تتعلّق بمخالفات عدة بالقانون الجنائي من بينها  خيانة الأمانة للموظف العام والإحتيال ،إلى جانب مخالفتهم لقانون مكافحة غسل الأموال ،إضافةً إلى مخالفتهم قانون ولوائح الإجراءات المالية والمحاسبية .
ووصف الإتهام في خطبة الإدعاء ، القضية بأنها تمثل أنموذجاً لا مثيل له في الفساد الإداري والمالي الذي أهدر المال العام، مشدداً على أن الفساد الإداري يمثل عقبة أمام نمو وتطور المجتمعات،وكشفت الخطبة بأنه ومن خلال التحريات فقد إتضح أن أصول النقل النهري بيعت بثلث القيمة الحقيقية ، لافتاً إلى أن تقييم الأصول الحقيقية هو (300)مليون دولار أمريكي ، ونوهت الخطبة إلى أن القيمة التي بيعت بها الأصول هي (105) ملايين دولار أمريكي ،فيما نبهت الخطبة إلى أن هذه الدعوى ومثيلاتها من قضايا الفساد تتطلب سياسة عقابية رادعة وفريدة وإختيار الجزاء والعقوبة الأكثر صلاحية لحماية المصالح الكلية للدولة.
قرار النائب العام
وإبتدر ممثل الإتهام عن الحق العام وعضو لجنة التحقيق في البلاغ عبدالمنعم سوار الدهب، في مطلع الجلسة  بتلاوة خطبة الإدعاء الإفتتاحية  في القضية   ،منوهاً إلى أن النيابة العامة باشرت إجراءات التحري في البلاغ بواسطة لجنة التحقيق  التي شكلها النائب العام تاج السر الحبر بقراره رقم (30/2019)م  وذلك للتحقيق في معاملات شركة عارف الكويتية فيما يتعلق بشركة الخطوط الجوية السودانية (خط هيثرو) والتصرف في أصول النقل النهري وأية معاملات أخرى .
فساد إداري ومالي
وقال سوار الدهب ، في الخطبة أن القضية تمثل أنموذجاً لا مثيل له في الفساد الإداري والمالي الذي أهدر المال العام، مشدداً على أن الفساد الإداري يمثل عقبةً أمام نمو وتطور المجتمعات ، مشيراً إلى أنه قد  أعتبر مؤشر الفساد الإداري في أي مجتمع على تدني فعالية الرقابة الحكومية وضعف القانون وغياب التشريعات الفعالة ، في وقت أعتبر فيه إنخفاض الفساد مؤشراً ودليلاً على قوة القانون وفعاليته وتشريعاته .
فساد (30) عاماً
وأكد سوار الدهب ، في خطبة الإدعاء الإفتتاحية  أن الفساد قد تغلغل في حقبة الثلاثين عاماً الماضية وبدت علاماته في الشعارات الإدارية الجوفاء والإنجازات الوهمية والوعود التي خدرت عصب الناس وعقولهم ، ثم أصبحت الوظيفة العامة مرتعاً لكل متقاعس وفاقد للضمير والإحساس الوطني والإنساني ومصدراً للأجور دون إنتاج حقيقي حتى أصبح الطريق ممهداً للمتاجرة بالوظيفة دون وجود ضمير أو رادع بحد قوله ،منوهاً إلى أن الفساد المالي سوء استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية مما يؤدي إلى استغلال الوظيفة العامة وموارد الدولة لتحقيق مصالح ذاتية حزبية ضيقة على حساب الدور الأساسي لمؤسسات الدولة الرسمية ،منبهاً إلى أن الفساد إمتد أثره إلى توجيه القرارات لتصب في مصلحة المفسدين بصرف النظر عن المصلحة العليا للدولة مما أدى إلى إنكماش الدولة وحرمانها وعزلها من التواجد في المحافل الدولية وأثر  على الناتج والدخل القومي .
فساد تحت ستار
وأشارت الخطبة إلى أن الفساد كان في الإنحراف ببيع أصول الدولة تحت ستار قانون التصرف في مرافق القطاع العام إلى مؤسسات أجنبية خاصة ليس لها هدف سوى سلبها واستغلالها كما هو واقع هذه الدعوى الجنائية بالمحكمة ، وشدد الإتهام على أن لجنة التحقيق في البلاغ بذلت مجهوداً للتوصل إلى حقيقة التصرف في أصول هيئة النقل النهري وتشريد ما لايقل عن (1000) عامل (كلات الموانيء ، والغبش التعاني) بحد تعبيره ، إضافة إلى استجواب اللجنة مايزيد عن (50) شخصاً بمختلف المواقع وحصلت على مستندات وفق خطتها في التحقيق والتي شملت إجراءات الاستخصاص وما شابهها من فساد بشقيه الإداري والمالي بحد قوله .
صمت القبور
وأزاح ممثل الإتهام وعضو لجنة التحقيق في القضية عبدالمنعم سوار الدهب ، الستار أمام المحكمة في خطبة الإدعاء الإفتتاحية وكشف لها عن نقطة البداية لسلسلة الأحداث في القضية والتي بدأت في عام 2007م حيث وقعت الحكومة عقد بيع لأصول هيئة النقل النهري بعد عرضها في عطاء فازت به الشركة السودانية للنقل النهري (المتهم الرابع ) في القضية بعد تقييمها بمبلغ (105) ملايين دولار أمريكي ، على أن تدفع (60%) من العقد والبالغ قدرها 44.1 مليون دولار أمريكي بعد شهر من التوقيع ، إلى جانب دفعها (20%) من العقد والبالغ قدره 14.7 مليون دولار أمريكي بعد عام أي في الخامس من سبتمبر للعام 2008م ، إضافةً إلى دفع الشركة (20%) من القيمة وقدره  14.7 مليون دولار أمريكي بعد عام آخر أي في الخامس من سبتمبر للعام 2009م ، وكشفت الخطبة بأنه ومن خلال التحقيق فقد تبين فشل الشركة المتعاقدة في الوفاء بإلتزامها تجاه الدولة في سداد المبالغ ، مشيراً إلى أن أجهزة الدولة بما فيها وزارة المالية كانت صامتة صمت القبور بحد قوله حتى كتب المراجع العام تقريره في يوليو من العام 2017م ،أي بعد مدة (10) سنوات كاملة.
الإهمال الفاحش
وأبان  الإتهام في الخطبة بأنه قد تبدت أولى مظاهر الإهمال الفاحش الذي يخالف مقتضى الأمانة بعد استخدام أحكام المادة (8) من قانون التصرف في مرافق القطاع العام لسنة 1990م التي توجب على اللجنة العليا الاستيلاء على المرافق في حالة الفشل في السداد من الجهة المتعاقدة ، وشددت الخطبة على أن هيئة النقل النهري بين عامي 2005م وإلى 2006م قد شهدت تأهيلاً بإتفاقيات بين الهيئة وشركات المانية وهولندية لتأهيل وبناء المواعين النهرية والصنادل والجرارات والأحواض أوقفتها إجراءات الاستخصاص بالرغم من إعتراض المديرين السابقين للهيئة ومناشدتهم  بإيقاف إجراءاته ، مبيناً بأنه وحول ذلك أصدر المتهم الأول وزير المالية الأسبق بالعهد المباد (الزبير أحمد الحسن ) قراراً ، بحل الهيئة وعند إعتراض مديرها على القرار أصدر الرئيس المعزول عمر البشير ،قراراً بحل مجلس إدارتها ليس له أسباب سوى حرصهم على ممتلكات الدولة ، وأضاف ممثل الإتهام في الخطبة بأنه وبالرغم من تأهيل هيئة النقل النهري كمرفق استراتيجي في الدولة وتوصيات أعضاء لجنة تقييم الأصول بعدم الاستخصاص – إلا أن الفساد الإداري والمالي أوقعها في مستنقع الاستخصاص فشروها بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيها طامعين بحد تعبيره .
ثلث القيمة
وكشفت الخطبة ، أن إجراءات الدعوى الجنائية بدأت في 10 يوليو للعام 2017م كتحريات أولية بموجب تقرير المراجع العام وتوقفت التحريات وظل محضر الدعوى حبيس الأدراج حتى نوفمبر العام 2019م ،مبينا بأنه وبالتحريات إتضح أن أصول النقل النهري بيعت بثلث القيمة الحقيقية ، لافتاً إلى أن تقييم الأصول الحقيقية هو (300) مليون دولار أمريكي ، ونوهت الخطبة إلى أن القيمة التي بيعت بها الأصول هي (105) ملايين دولار أمريكي ،وكشفت التحريات  أن الشركة المتعاقدة لم تقم بسداد ماعليها من إلتزامات تجاه الحكومة ، فضلاً عن قيمة إيجار الأراضي والمباني والموانئ والمراسي والمرافيء لمدة خمسين سنة بواقع (1.5) مليون دولار ، وكشفت التحريات أن المتهم الثاني (علي محمود عبدالرسول ) قام بإسقاط متأخرات حكومة السودان بموجب خطابه بتاريخ 23 نوفمبر 2011م لم تجد له المراجعة سنداً من القانون إمعاناً في سوء الإدارة .
شركة لا تملك قوت عامها
وأوضحت الخطبة كذلك بان التحقيق أسفر عن أصول تم تضمينها في كراسة العطاء لاتوجد على الطبيعة وبعضها يوجد على الطبيعة لم تضمن في كراسة العطاء ، وشددت الخطبة على أنه قد تبين من خلال التحقيق مع الشهود والمستندات بأن الشركة السودانية للنقل النهري (المتهم الرابع) لم تكن إلا واجهة لمجموعات عارف الاستثمارية (ولا تملك قوت عامها ) وليس لها أية رؤية  علمية أو مقومات أو مؤهلات فنية لإدارة هيئة النقل النهري ، ولفتت الخطبة إلى أن هذه الشركة تنازلت عن (50%) من أسهمها لمجموعة عارف فور التوقيع على العقد للجنة التحقيق ان الشركة قامت بسداد قيمة الأصول لأنها المستفيد الحقيقي من العقد الى جانب ما أكده الشهود بان اللجنة الفنية للتصرف في مرافق القطاع العام كانت على علم بأن جهات أجنبية تسعى لإمتلاك أصول هيئة النقل النهري والحكومة تمهد لذلك والاستخصاص كان مسرحية تم التخطيط لها بدقة وعناية بل وأن الهدف الأساسي من شراء الأسهم هو تملك عارف الكويتية لأصول النقل النهري .
عارف الكويتية دمرت النقل النهري
وكشفت خطبة الإتهام الإفتتاحية بأن الفساد شمل إجراءات العطاءات إذ أنها تستلزم في مرفق استراتيجي وحيوي للدولة أن يتم الحصول على كافة المعلومات الفنية والإدارية لمعرفة قدرة الشركة التي تنوي الاستحواذ على أصول النقل النهري أو الدخول كشريك استراتيجي مع الحكومة ،منوهاً إلى أن التحريات قد أسفرت بأن مجموعة عارف الكويتية ليس لها أية خبرة أو سابق معرفة بالنقل النهري ولم تكن لها الرغبة في ضخ أموال لتأهيل النقل النهري  ، كما أسفر التحري أن عارف فشلت كشريك استراتيجي ودمرت كل إمكانيات وقدرات النقل النهري خلال الفترة السابقة .
عملية إحتيال
وأوضح   سوار الدهب ، بأن لجنة التحقيق سوف تقدم كافة المستندات والشهود وما توافر لديها من بينات لإثبات الوقائع وعملية الإحتيال لتوثيق النهاية المحزنة للاستيلاء على مرفق استراتيجي للدولة قيمته (300) مليون دولار أمريكي بدده النظام السابق بسوء الإدارة والفساد حتى وصول إلى مبلغ (73.5) مليون دولار أمريكي ،  ونوه الإتهام في الخطبة قائلاً : ولربما حصلت حكومة السودان على (38.5) مليون دولار ثم تم التصرف فيها دون إيداعها في حساب الحكومة الرسمي في مخالفة لأحكام قانون الاجراءات المالية والمحاسبية للعام 2007م واللوائح الصادرة بموجبه ، في وقت  أفاد ممثل الإتهام   ، بأن لجنة التحقيق رفعت خلاصة تقريرها إلى النائب العام تاج السر الحبر ، باسترداد أصول هيئة النقل النهري ،مبيناً بأن الحبر ،وبدوره قام بمخاطبة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو بتاريخ 16/ أبريل 2020م لاسترداد أصول النقل النهري مع التوصية باسناد إدارة الأصول والنقل النهري إلى وزارة النقل والبنى التحتية تأسيساً لإعادة بناء هيئة النقل النهري وفقاً لمقتضيات مصالح الدولة.
مخالفات المتهمين
وكشف ممثل الإتهام في خطبة الإدعاء الإفتتاحية بأنه الثابت من خلال ما تم من تحقيقات ووقائع بأن أفعال المتهمين وزيري المالية السابقين في العهد البائد الزبير أحمد الحسن وعلي محمود و(3) آخرين في القضية تمثل أفعالاً لمخالفة نص المواد (177/2 )التي تتعلق بخيانة الأمانة للموظف العام ، و(178) الإحتيال ، و(180) التملك الجنائي ، و(89)المتعلقة بالموظف العام الذي يخالف القانون بقصد الإضرار او الحماية ، و(92) التي تتعلق بشراء الموظف العام أو مزايدته في مال بطريقة غير مشروعة ، وذلك من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، كما أضافت الخطبة بأن أفعال المتهمين تخالف نصوص المواد (4/8) من قانون التصرف في مرافق القطاع العام 1990م، إلى جانب مخالفة المتهمين لنصوص المواد (19/20/21/22/29)من قانون الإجراءات المالية والمحاسبية ولوائحه لسنة 2007م  ، بالإضافة إلى مخالفتهم لنص المادة (35) من قانون مكافحة غسل الأموال .
عقاب رادع
وأشار ممثل الإتهام في خواتيم خطبة الإدعاء الإفتتاحية ، إلى أن السياسات الجنائية هي مجموعة قواعد تحددها الدولة للمعاقبة على الجريمة وتتطلب هذه الدعوى ومثيلاتها من قضايا الفساد لسياسة عقابية رادعة وفريدة وإختيار الجزاء والعقوبة الأكثر صلاحية لحماية المصالح الكلية للدولة للتعبير عن مدى أهمية المصالح المحمية ودور الدولة في مكافحة الفساد بشتى صوره ، وأوضح ممثل الإتهام بأنهم كنيابة يضعون ملف الدعوى الجنائية أمام المحكمة المرقومة (40/2019م) مشفوعة بالمستندات للفصل العادل مع مراعاة النيابة لكافة حقوق المتهمين في كافة مراحل التحريات وفقاً لنص المادة (83)من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م وحقهم في أن يترافع عنهم من المحامين .
رد الدفاع
من جهتها وافقت المحكمة على طلب هيئات الدفاع عن جميع المتهمين بالسماح لها بتلاوة ردودهم على خطبة الإدعاء الإفتتاحية في جلستين قادمتين حددتهما على التوالي بالشهر الجاري ،وذلك أسوةً بالإتهام وما نص عليه قانون الاجراءات الجنائية السوداني.
الجدير بالذكر أنّ الاتّهام يمثله وكيل نيابة الأموال العامة أبو قراط عبد الله، فيما مثل هيئات الدفاع عن المتهمين المحامون هاشم أبو بكر الجعلي، محمد الحسن الأمين، د. عادل عبد الغني، عماد جلجال، عواطف الجعلي والمحامي الفاضل عوض الله.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى