جنوب دارفور .. مشروع سكر (كايا ).. صورة لإهدار المال العام!

نيالا: محمد المختار عبد الرحمن
قصة مشروع مصنع سكر وادى كايا تعود لحقبة الوالى المرحوم حماد اسماعيل حماد، فرغم قصر الفترة التى أمضاها فى الولاية ولكن تخللتها أفكار متقدمة تمثلت فى مشروعات استثمارية رائدة أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية التى تمت نجاحها، وصاحب ذات الفترة أو قبلها ابرام الولاية اتفاقاً مع شركة كنانة لتوطين صناعة الأعلاف مع شركة مأمون البرير لتوطين صناعة المنتجات الغذائية، وهناك مصنع للاسفنج ومصنع المعدات الزراعية ومصنع أسمنت جرف، وتأتى المدينة الصناعية الحلم والرؤية الكبيرة التى كانت ستكون واحداً من أقوى وأكبر المشروعات بالسودان وفقاً للمخطط الموضوع، وتتمدد لتغطية احتياجات محليات ودول الجوار، وتكون مفتاحاً للدخول فى العديد من المشروعات الاستثمارية الاقتصادية المنبثقة من نجاح المدينة الصناعية وترتقي لتكون (جياد تو) .

وجاءت البداية فى عام 2012م حينما التقى وزير الصناعة الاتحادى المهندس عبد الوهاب محمد عثمان الذى أكد أن قيام المشروع سيسهم فى الاستقرار والتنمية بالولاية، وأكد الوزير أهلية جنوب دارفور لقيام صناعات مختلفة، وذلك لتوفر الموارد الطبيعية زراعياً وحيوانياً، وقال وقتها إن المؤشرات تدل على امكانية انتاج عالٍ لقصب السكر من أجل التصنيع لتغطية السوق المحلى وفائض للصادر، وأمن وقتها الوالى حماد على نجاح فكرة قيام مشروع مصنع سكر وادى كايا، بتوفر الدراسات الفنية ووجود فريق من الخبراء فى مجالات مختلفة بالمنطقة لعمل المسوحات التى تشير الى نجاح زراعة قصب السكر بغرض التصنيع وفى مساحة تقدر بـ (50) الف فدان لانتاج ما يفوق استهلاك الولاية.
وزار وفد من شركة السكر السودانية برئاسة المهندس خضر بابكر مدير القطاع الزراعى بالشركة، زار أخيراً ولاية جنوب دارفور، وتجىء الزيارة للوقوف ميدانياً على الموقع المخصص لقيام مشروع مصنع سكر وادى كايا، باعتباره المشروع الأول لصناعة السكر في غرب السودان. وتؤكد الدراسات السابقة والمعاينة الحالية صلاحية المنطقة من حيث التربة والمناخ والمياه، وقال الوالى بالانابة حامد التيجانى إن الولاية زاخرة بالموارد الطبيعية وتحتاج فقط لمقومات الانتاج، الأمر الذى يتطلب بناء علاقة قوية مع شركة السكر السودانية لتنفيذ وتحقيق هذا المشروع، مؤكداً التزام الولاية بتسهيل كافة الاجراءات لقيام المشروع.
وتوالت وتتابعت الوفود الفنية القادمة من الخرطوم لزيارة منطقة المشروع منذ طرح الفكرة، وفى كل مرة يتم تأكيد صلاحية الموقع وجدوى المشروع لقيام صناعة للسكر بجنوب دارفور وعلى امتداد وادى كايا المنحدر من مرتفعات جبل مرة، وواحدة من هذه الزيارات كانت للبروف ابراهيم الدخيرى وهو وزير الزراعة الاتحادى، وعاد البروف الدخيرى مرة أخرى لمنطقة المشروع وهو المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية مستصحباً معه فريق متكامل، وخرجت كل هذه الزيارات بتأكيد إمكانية المنطقة لقيام مشروع مصنع سكر وادى كايا.
وعند طرح الفكرة كانت التكلفة الأولية (20) مليون دولار عام 2012م، واليوم بتآكل الجنيه أمام الدولار فالتكلفة خرافية، وهى من معضلات المشروعات الاستثمارية بالسودان عامة وجنوب دارفور خاصة، لعدم جدية التنفيذ والشواهد كثيرة، فهناك مياه نيالا من حوض البقارة وغيرها، والحقيقة المؤسفة أن معظم المشروعات مشروعات سياسية يراد بها الجانب السياسى وليس التنموي، ومشروع سكر وادى كايا ثبتت جدواه، وعلى مدى عشر سنوات بقي حبراً على ورق، ولو كان فى البلدان ذات السياسات الرشيدة لقامت عشرات المشروعات والمصانع من رحم هذا المشروع الأم ولكنها السياسة.
والملاحظ خلال السنوات الماضية ضعف تساقط الأمطار وتذبذب المواقيت بدخول وخروج مبكر أو تأخر يعقبه خروج مبكر، قبل أن تكتمل الدورة الزراعية للمحاصيل. واشتكى من ذلك المزارعون والمنتجون خلال السنوات الماضية وبصورة تصاعدية، ونلحظ ذلك بصورة جلية فى خريف العام الماضى بتأثر مناطق الإنتاج بخروج مبكر للخريف، فالمساحات المزروعة تعطيك صورة غير موازية لما تحت الأرض (الفول السودانى) مثالاً، فذات المساحة المنتجة لعشرة أو خمسة عشر جوالاً من الفول صارت لا تزيد عن (4 ــ 5) جوالات، وهو ما يؤكد تخوفنا من تأثير التغييرات المناخية على الكم المنتج، بجانب الجودة المطلوبة خاصة في الزراعة بغرض التصنيع أو تحويلها الى منتج صناعى، ويتطلب ذلك مواصفات وجودة عالية، وهذه المعطيات تعطي إشارة سالبة على مدى النجاح الاستثمارى الاقتصادى بعيداً عن النظرة السياسية والتى قد لا تخلو منها حين طرح المشروع باعتبار الصراعات التى أطلت برأسها، ووقوف الحركات المسلحة فى وجه الحكومة بمطالب منها غياب المؤسسات والمشروعات التنموية واقتسام السلطة والثروة، ولهذا لماذ لا يتم التفكير الجاد فى الصناعات البديلة والخفيفة كصناعة العصائر المختلفة من ثمار العرديب والدوم والتبلدى وتعليب وتجفيف الفواكة وقيام صناعة للحوم ومشتقاتها، وتوجد تجربة رائدة سابقة من خلال مسلخ نيالا الحديث، والتصدير الى مصر والأردن وبعض دول الخليج، ويمكن تغطية السوق المحلى وولايات ودول الجوار.
وأعتقد أنها صناعات قليلة المخاطر وبتوفر عالٍ للمادة الخام (البرتقال، المانجو، الجوافة)، ودخل تفاح جبل مرة مرحلة المنافسة للمستورد، وقطيع الثروة الحيوانية ومنتجات الغطاء الغابي الطبيعية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى