جثامين التميز.. ماذا وراء الأكمــة؟

تحقيق: هويدا حمزة
لولا انقطاع الكهرباء المتواصل عن المستشفى لما فاحت (الرائحة) ولما علم أحد بالجثث المتكدسة في مشرحة المستشفى الأكاديمي (التميز) الذي لا أحد يعلم لمن هو ومنذ كم لبثت في مشرحته، ذلك أن المشارح هي خزائن (الغتغتة والدسديس) لجرائم الموت السياسية وغيرها مما تنتهي بتسجيلها (ضد مجهول)، مثلما تظل تلك الجثث أيضا مقيدة داخل سجلات المشارح بـ (مجهولي الهوية)، ولكن (زمن الغتغتة والدسديس انتهى)، وها هي الكهرباء (كتر خيرها) تكشف المستور بعد تحلل تلك الجثث التي قارب عددها (200) جثة، فتفوح الروائح التي ازكمت الانوف لتجعل الشارع يغلي في محيط المستشفى بمنطقة الامتدادات جنوب الخرطوم، وتقفز الأسئلة المشروعة حول ماهية تلك الجثث ولمن هي واسباب تكدسها في هذا المكان وما اذا كانت لها علاقة بـ (درش القيادة العامة) او شهداء فض الاعتصام الذي لم يعرف حتى الآن من قام بفضه وكيف (حدث ما حدث)؟
بالنسبة للمستشفى نفسه يتساءل كثيرون عن سبب إطلاق اسم (التميز) عليه بعد تغيير اسمه من (حاج المرضي) الى الأكاديمية ثم الاكاديمي في عهد وزير الصحة السابق بروفيسور مأمون حميدة، ثم التميز لاحقاً، فالمستشفى ليس له من صفة التميز نصيب، فقد كشفنا في تحقيق سابق عنه التدهور المريع في بنيته التحتية بصورة تفتقر لادنى مقومات الحياة لمرضى يعانون من ضيق التنفس، فالعنابر خالية من مكيفات الهواء سوى بعض المراوح التي (لا بتودي ولا بتجيب)، إضافة لمشكلة الصرف الصحي بالمستشفى التي لم يُعرف لها حل لعدم وجود خريطة للمكان يستدل بها على مكمن الخلل. اما نقص الكوادر الصحية فيكفي ان نقول ان مريضاً اسلم الروح لبارئها ولم يجد من (يكسر عيونو) من الأطباء الا في اليوم التالي بعد ثورة ذويه التي كادت تتحول إلى معركة. واذا كان ذلك الواقع الذي يعيشه الأحياء داخل (التميز) فلن يتوقع احد ان يكون واقع الموتى افضل بهذه الشروط.
ولا ندري اية جهة تلك التي طالبت بدفن الجثث في مقبرة جماعية (مطمورة) كأنهم شهداء (حرب او (وباء) أو كما يدفن(العيش)؟ ومم تخشى تلك الجهة حال تشريح الجثث الذي ينبغي أن يتم في مثل هذه الحالات، لكشف النقاب عن هوية تلك الجثث وأسباب الوفاة وتاريخها؟!
ومن خلال خبراته التراكمية عبر عضو لجنة الامناء بالأكاديمي والمدير السابق للمستشفى دكتور محمد نقد الله، عن رفضه فكرة الدفن المقترحة، وقال لـ (الإنتباهة): (هذه الجثث يجب أن تدفن ولكن بشروط، فيجب تشريح كل جثة لمعرفة عمر المتوفى وزمن الوفاة وسببها، وليس ضرورياً معرفة تاريخ دخوله المشرحة، لأنه يمكن أن تكون الجثة قد انتقلت من مشرحة أخرى أو تكون قد وجدت في الخلاء، كما ليس ضرورياً ان يعرف من الذي اتى بها للمشرحة، لأنه قد يأتي بها أي شخص أو عربة شرطة، او وجدت بواسطة حفار ذهب، فليس ذاك ضرورياً ولكن المهم هو العمر وسبب الوفاة وزمنها، واخذ عينة المطابقة فيما بعد، ويفضل اخذ صورة أشعة لأنها من طرق التعرف من خلال شكل الفك والأسنان، وكلها تكون في ملف واحد، وحتى إذا  كان المتوفى مجهولاً فتسمى الجثة باسم معين وبعد ذلك يمكن دفنه.
لا أحد يعلم
سألت دكتور محمد: هل كل الجثث المعنية هي لشهداء الاعتصام؟
فاجاب قائلاً: (لا احد يعرف الإجابة ولن تعرف الإجابة بهذه الطريقة، وقد طلبت منهم أن يستيقنوا ثم يقولون ان الجثث كلها لشهداء الاعتصام، فإذا كان من بينهم ثلاث جثث مثلاً لاطفال الشوارع ستصبح التصريحات هذه مشكلة.. (عشان ما يكون كلام ساي)، فنحن نتعامل مع الجثة على أساس انها لمجهول حتى لو كان اجنبياً ولكنه في النهاية (بني آدم)، ويجب التركيز على الناحية الانسانية ومن خلال صور الأشعة والبروفايل، والتشريح يمكن أن يوضح ان كان هذا الشخص قد مات بمرض سل او غيره، وقد يكون بعضهم ماتوا بجرائم وهؤلاء يجب أن يحولوا للنائب العام، وكلهم يمكن التعرف عليهم من خلال الطرق التي ذكرناها، وهنالك طرق حديثة يمكن من خلالها ترميم الوجه وكل ذلك مع اخذ عينات الـ DNA ويمكن عمل مطابقات، فالحديث يجب أن يكون علمياً لحفظ الحقوق اكثر من كونه عاطفياً.
لم تكن موجودة
سألت دكتور محمد ما اذا كانت هذه الجثث موجودة بالمشرحة منذ واقعة فض الاعتصام، فأجاب بالنفي، وقال: (إن هنالك جثثاً تنقل من مشرحة لأخرى، فإذا حدثت مشكلة في مشرحة ام درمان مثلاً يمكن نقل الجثث منها لمشرحة الاكاديمي او اية مشرحة أخرى، واذا تعطلت ثلاجة الاكاديمي مثلاً يمكن أن تنقل الى مشرحة بشائر وهكذا، وعادة المجهولون يعالجون في مستشفى ابراهيم مالك ويحفظون في بشائر، ولم تكن هنالك جثث في مشرحة الأكاديمي حتى وقت وجودي هنالك.(
فتوى قانونية
الأستاذ أبو بكر عبد الرازق المحامي سألته (الإنتباهة) فتوى قانونية حول وضع هذه الجثامين وما ينبغي أن يفعل بها؟ فقال: (ان الشخص بمجرد موته يجب اكرامه بالغسيل والصلاة عليه ودفنه، فإذا كانت هنالك جثامين مجهولة الهوية فالوضع الطبيعي تصوير هذه الجثامين من زوايا مختلفة بحيث تكون بائنة وواضحة، ومن ثم تدخل في المشرحة في مدى زمني محدد، وبعد انتهاء هذا المدى ينبغي دفنها، فإذا ظهر ذووها يتعرفون عليها من خلال الصور، وينبغي ان يسجل تاريخي الوفاة والدفن، والمقابر نفسها يمكن أن تعمل لها شواهد باعتبار انه لا أحد قيم عليهم، وحتى يتعرف الاهل على مكان الدفن.
خلل إداري
قلت لابو بكر: كيف يمكن تصويرها اذا كانت قد تحللت فعلاً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، ولولا ذلك ربما لم تكتشف؟
فعلق بسؤال: (تتحلل ليه؟ يفترض ان يكون بالمستشفى مولد كهربائي، فهذا خلل إداري ليس من الدولة بل من الإدارة نفسها، فالمدير الذي لا توفر له معيناته الأساسية لممارسة مهنته ينبغي عليه أن يتقدم باستقالته. وهذه الجثامين لا يفترض ان تدخل المشرحة الا بعد تصويرها وإكمال كافة الخطوات اللازمة للتعرف عليها لاحقاً، لأنها تكون غضة الاهاب وواضحة المعالم ويمكن التعرف عليها بسهولة، وهذا هو الوضع الطبيعي من حيث الدين والقانون والطب، إضافة لأن الكرامة الانسانية التي نصت عليها الاديان والمواثيق تحض على أن تتم لها الإجراءات بما يحفظ الكرامة الانسانية، وبما لا يؤثر في البيئة صحياً ولا يشين سمعة الإنسان حياً او ميتاً).
وسألت ابو بكر: هل تظن ان هناك شبهة وجود جثامين لشهداء فض الاعتصام من بين تلك الجثامين؟
فأجاب بقوله: (لا اعتقد، فشهداء الاعتصام شباب معروفون، ولو كانت هنالك جثامين لهم لتعرف الاهل عليها).
ولكن الجثث متحللة فكيف يتم التعرف عليهم؟ فأجاب بأن ذويهم بحثوا في كل المشارح، وكثير من جثث الاعتصام تعرفوا عليها على أقل تقدير من الـ DNA.
صراعات الحكومة
النائب العام تاج السر الحبر عزا تكدس الجثامين في مشارح الخرطوم الى ما سماه (الصراع بين هيئة الطب العدلي الولائية واستشارية الطب العدلي الاتحادية)، وقال في تصريحات صحفية ان هذا الصراع يعيق عملهم، ومن ثم لم تتم معرفة سبب تكدس الجثامين في مشرحة (الأكاديمي)، وبين أن التحريات أشارت إلى عدم وجود علاقة للمشرحة بمفقودي فض اعتصام القيادة العامة، لأن الجثامين قابعة منذ فترة طويلة، موضحاً أن مشرحة التميز لا تستوفي المقاييس الدولية، وإنما هي غرفة مبردة انقطع عنها التيار الكهربائي، وقال انهم اصدروا أمراً بالتشريح في أكتوبر الماضي، وقال انه على تواصل مع والي الخرطوم ويجري العمل مع وكلاء نيابة، بعد صدور الأوامر بتشريح أي جثة في عام 2021م، متوقعاً أن يتم الانتهاء من التشريح خلال أسبوع.
وضع مأساوي
في بيان لها قالت لجنة تقصي الحقائق التي تم تكوينها انها باشرت مهامها بمقابلة مدير المستشفى والمواطنين المحتجين على وضعية المشرحة وعلى الروائح المنبعثة منها وما قد يترتب عليها من أضرار صحية خطيرة، فضلاً عن مخاوف بعض الأهالي من أن يكون الحادث مرتباً لطمس معالم الضحايا الذين يحتمل أن يكونوا من ضحايا فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019م.
أما المفوضية القومية لحقوق الإنسان فاكدت أن وضع المشرحة التي تحتوي على ثلاث ثلاجات محملة بجثامين تزيد عن طاقتها، أمر مأساوي وينذر بكارثة بيئية محققة، فضلاً عما يمثله من انتهاك لحقوق السكان في الصحة وانتهاك لحرمة الموتى، مما يتطلب تحركات عاجلة وفعالة من جهات الاختصاص وعلى رأسها النيابة العامة ولجنة مفقودي اعتصام القيادة العامة، واكدت المفوضية على مسؤولية النائب العام في اتخاذ التدابير المتعلقة بهذه الجثامين، وقالت إنها ستتابع مجريات التحقيق مع الجهات ذات الصلة للتأكد من علاقة هذه الجثامين بحادثة فض الاعتصام الأمر الذي لن يتحقق الا بالتشريح.
الهيئة العدلية في قفص الاتهام
مصدر طبي موثوق تحدث لـ (الإنتباهة) من داخل مشرحة التميز اتهم هيئة الطب العدلي بأنها ذات أجندة في رفضها تشريح ودفن الجثامين منذ 2019م وحكى لـ (الإنتباهة) حكاية الصراع بين النيابة والهيئة التي تسببت في تكدس الجثث بالمشرحة حتى فاحت رائحتها، وقال محدثي: (عندما شكلت لجنة المفقودين كان لديها هدف واحد، فهنالك مفقودون في الشارع ومجاهيل داخل المشارح، وكان الفهم السائد ان اولئك المفقودين (مجدعين في المشارح وخافيين هوياتهم). وفي ذلك الوقت لم تكن الجثث داخل مشرحة التميز كثيرة، وشكلت هذه اللجنة لتحصر المجاهيل بالمشارح والكشف عن هوياتهم، واول قرار اتخذته منع دفن اي جثمان على أن تظل الجثامين بالمشارح، في ذلك الوقت لم تكن الجثامين بالمشارح كثيرة، والنيابة استدعت كل أطباء السودان وبدأت معهم تحقيقات استمرت حوالى تسعة شهور، وخلال هذه التحقيقات بدأت المشارح في الاكتظاظ، وكان هناك مشروع اسمه مشروع السودان القومي للاستعراف تبنته النيابة ووقف في الوزارة، وبنت كل تقاريرها على اللجنة الدولية للصليب الاحمر في التعامل مع الموتى والمفقودبن، ووضعت الشروط الصعبة الأساسية وهي معرفة سبب الوفاة وفحص الـ DNA والملابس والأسنان، وكل هذه الأشياء تساهم في الاستعراف ثم دفن الجثمان في قبر منفصل برقم حتى يتم التعامل معه، وكانت الأمور تسير على هذا المنوال. ولكن في شهر سبتمبر عام2020م شعرت النيابة بانها اكملت تحقيقاتها واصدرت اول قرار بالدفن، وفي هذه الفترة كانت هنالك حساسية بين إدارة الطب العدلي والنيابة مردها الى ان النيابة تعتقد أن هناك أطباءً شرعيين وهيئة الطب العدلي نفسها متورطون في إخفاء حقائق متعلقة بالمفقودين والمجاهيل بالمشارح، وان الموضوع مبني على خلافات بين الأطباء ومصالح شخصية، والثلاجة سبب المشكلة أهدتها بعثة يوناميد عندما غادرت للمستشفى، ووضعت الثلاجة في مكانها الحالي بالخارج، وفي ذلك الوقت كان هنالك مدير مشرحة اسمه محجوب بابكر خاطب مدير هيئة الطب العدلي في اول عام 2020م وقال له ان مكان الثلاجة غير مناسب، وهي في الأساس (كونتينر) وليست ثلاجة، لسببين اولهما انها في مواجهة الباب وليس من حرمة الموتى وضع الميت في مواجهة الباب سواء أتت بهم الكرونا او غيرها، لأن ذلك يسبب أذى لاهل الميت وهم يرون الجثة داخلة طالعة ويسبب الاذى للكوادر الطبية، والسبب الثاني ان الخط الكهربائي الذي يغذي الكونتينر متذبذب وقد يتسبب في تلفها، واذا تلفت ستتسبب في كارثة بيئية غير مسبوقة. ولكن مدير الهيئة العدلية رد بأن تبقى الكونتينر في محلها وان هذا الأمر تحت مسؤوليته، وبعد قليل أقال مدير المشرحة نفسه وعين آخر. ولم يتوقف الأمر هنا، فقد امرت النيابة في شهر سبتمبر ببدء اجراءات التشريح لتعطيهم اذن الدفن لان اذن الدفن لا يمنح الا بعد التشريح وتسليم التقارير، ولكن أطباء الأكاديمي رفضوا، وكررت الأمر شهري اكتوبر ومارس، وكانت الرائحة قد بدأت تفوح، ولكن المشكلة لم تكن كبيرة ولكنهم أيضاً رفضوا، في الوقت الذي بدأ فيه أطباء مشرحتي ام درمان وبشائر التشريح، لذلك لم يسمع الناس عن مشكلة في بشائر او ام درمان رغم أنها بها نفس عدد الموتى ونفس المشكلات لكن اطباؤها ملتزمون. وعندما طفت المشكلة على السطح وظهرت أحاديث فض الاعتصام، انقلبت الآية واصبحت الهيئة هي من يتهم النيابة بمنعهم من التشريح والدفن، وهذا يحتاج إلى تحقيق حول مصلحة الهيئة في تحلل الجثامين، خاصة ان وجود بعضها من بقايا فض الاعتصام وارد، خاصة ان الطبيب يعلم مآلات بقاء الجثامين في ذلك الوضع المزري! ومن السيئ ان يتحدث الأطباء عن تجربة ود مدني ويقولون انهم يضعون الموتى في جوالات.. كذابين، تجربة ود مدني كانت من أصدق التجارب التي نفذت بكل البروتكولات الدولية وشرحت (150) جثة تماماً، والتـ (40) كانوا أطفالاً خدج ودفنوا في مقابر بكل المقاييس العالمية وليس في مقابر جماعية، فليس من الأخلاق الكذب في اشياء مثل هذه، لأنه من الواضح أن الهيئة العدلية لديها أبعاد واغراض أخرى غير مرئية، خاصة ان الفساد في الطب العدلي من المآسي الكبيرة التي يعيشها السودان، وبسببه ضاعت حقوق الناس ومجهولي الهوية، وهنالك احتمال كبير جداً لوجود جثث لمفقودي الاعتصام مجهولي الهوية، خاصة ان هنالك جثثاً موجودة منذ عام 2019م.
اليوم تم تشريح عشر جثث كلها في 2021م وليست لها علاقة بفض الاعتصام، وأكملت اجراءاتهم الفنية، ومتوقع صدور امر دفن بعد التفاهم بين النيابة ولجان المقاومة في مقابر جماعية بصورة محترمة وكلهم حوادث سيارات، ولكن الكوارث في عام 2019م والستة شهور الأولى من عام 2020م، والاستعراف من خلال الأسنان والـ DNA مستمر رغم تحلل الجثث).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى