محمد أحمد الكباشي يكتب: ذكرياتي في رمضان

بالطبع لن تمر أيام الطفولة دون ان تحمل معها ذكريات الماضي بعبق التاريخ وامكنته وايامه وشخوصه ومناسباته، ولان الانسان بطبعه يحن الى ماضيه فان ذاكرة التاريخ عنده تظل في حالة مراجعة بمناسبة او بدونها .. وهنا نسرتجع الذاكرة الى الوراء لنعيد بعضاً من ذلك الالق الاخاذ ونفتح هذه الخزينة وهي بلا شك حافلة بالمواقف والذكريات منها الطريف ومنها المحرج، و المقارنة بين الماضي والحاضر تبدو على النقيض من حيث التطور الذي طرأ على حياة الناس في النمط الغذائي والسكني ووسائل المواصلات وهكذا هي سنة الحياة وربما لا يستوعب جيل اليوم كثير من العبارات التي كانت متداولة حتى الى وقت قريب
تعالوا لنرى كيف كانت ايامنا مع هذا الشهر المبارك في تلك الايام (ايام ما كنا صغار) لن انسى بالطبع التجهيزات التي تسبق الشهر الكريم في اعداد مستلزمات الاكل والشرب منها ما يمكن تجفيفه  وروائح الابري الاحمر والابيض تغطي كل الامكنة طبعاً اختفى الابري الابيض عن المائدة الا في حالات قليلة لا زال البعض يتشبث به.
لم يكن في تلك الايام وجود للكهرباء اصلاً وليست هي الغائب الحاضر كما الآن فقد كان اليقين حاضراًفي كل شيء .. كان النيل حضناً بارداً يحوي اجساد الصائمين وكانت الاشجار ملاذاً امنا من لسعات الشمس الحارقة وما بين ( بابور الانصار والاحيمراب ومنقة عمنا سنوسي الظليلة ولا ننسى بابور الحداحيد كلها امكنة كانت تغطي مساحات واسعة ايام رمضان
تتعدد وسائل وطرق حفظ الاطعمة وتبريد المياه وكان لجدنا ود الكباشي عليه من الله الرحمة (سعن) نملأه نهاراً فتصير المياه أشبه بمبرد صناعي مع الفارق في المذاق لحظة غرب الشمس بينما تجهز والدتنا (علوية) متعها الله بالصحة والعافية بمعية حبوبتنا مدينة بت مكاو رحمها الله في اعداد صينية الفطور وكان يستعصي علينا حملها اذ انها تنوء بحمل ثقيل  يتوسطها صحن كبير تتبادل حوله العصيدة والقراصة وتستدير حول هذه الصينية بين ثلاث الى اربع (كواري) جمع كورية ذات الحجم العائلي ولم تنس شركات تصنيعها ان تزينها بشعارات الهلال وكتبت على بعضها(رمضان كريم) المهم ليس من السهل ان نحمل هذه الصينية الى حيث برش الفطور امام دكان جدنا ود الكباشي حيث يجتمع القوم هناك ولعلي اذكر منهم عمنا بلة يوسف وجدنا احمد بشير وعمنا الاحمدي فجميعاً عليهم من الله الرحمة والمغفرة وكان من بينهم استاذنا جاد الله يوسف وبلة الجور متعهم الله بالصحة والعافية.
كان نصيبنا ونحن مجموعة الصبية والاطفال من هذه الوجبات صحن نأخذه الى ركن قصي نأخذ منها نصيبنا الى حين اشعار اخر اي بمدنا بما اكتفى منه ولعلها وسيلة تربوية ناجحة ربما نفتقدها الان.
عقب صلاة المغرب يتحول البرش الى مجلس للمؤانسة بين الكبار بينما توزع مهامنا فقط لجلب القهوة والشاي ومن ثم ارجاع الصواني من حيث جئنا بها.
وما نلبث ان نذهب الى (المعية)  حيث اللهو البريء واللعب الذي لا يخلو من العنف بين (شدّت والرمة  وحراسها) هكذا يستمر الحال الى ان ينادي جدنا الامين ود جاز عليه الرحمة والمغفرة بالاذان الاول لنذهب بعدها الى حيث السحور المندكل بالرقاق والازر باللبن ويا لها من ايام.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى