زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: الإتحاديون و إختراق المعادلات الصفرية

من خلال الشعارات التي كانت مرفوعة أثناء الثورة، و حتى خيارات المعارضة الداعية إلى تفكيك دولة الحزب الواحد لمصلحة التعدد السياسية، كان الإعتقاد أن إنتصار الثورة سوف يعجل بعملية التحول الديمقراطي، ووفقاً للشروط التي تؤدي إلى نجاحها، و كانت « فكرة الديمقراطية» هي الفكرة المقدمة على فكرة السلطة بإعتبار أن فكرة الديمقراطية تتطلب تجميع كل القوى المؤمنة بالديمقراطية، خاصة أن الديمقراطية تحتاج لقاعدة إجتماعية كبيرة تساعد في عملية التحول الديمقراطي، لكن للأسف أن قوى الحرية و التغيير إختارت « فكرة السلطة» و هي فكرة تؤسس على الصراع و جلب أدوات الصراع، و السعي على إحتكارية السلطة دون الآخرين، الأمر الذي جعل شعارات الإقصاء تبرز في الشارع و تغطي على الشعارات الديمقراطية، كانت بعض القوى الأيديولوجية تعتقد أنها قد سيطرت على الشارع، و بالتالي سوف تفرض شروطها على الآخرين. إن نزعة السلطة لابد أن تخلق صراعاً واسعاً محموماً، ليس مع أهل النظام السابق لوحدهم، بل مع كل القوى الأخرى التي تعتقد سوف تزاحمها في المشاركة. الأمر الذي جعل الصراع يتحول حتى داخل قوى الحرية نفسها بسبب السعي للقبض على مفاصل السلطة و الإنفراد بها، لكن السياسية دائماً لها حسابات أخرى.
إن فكرة السلطة هي التي خلقت رفع شعار « مدنية في وجه المكون العسكري» رغماً عن أن العسكر جزء من المساومة السياسية التي حدثت بتوقع الوثيقتين السياسية و الدستورية. و أصبحت المساومة السياسية لابد من تناغمها لإنجاز مهام الفترة الإنتقالية. لكن الرغبة الجارفة جعلت التيار اليساري يحاول إقصائهم من السلطة، الأمر الذي وسع دائرة الصراع و الاستقطاب في الساحة السياسية. لذلك سارعت بعض القوى أن تستغل فرص توتر الساحة السياسية، و بدأت في تعيين منتسبيها في الوظائف القيادية للخدمة المدنية متحدية شعار « حرية سلام و عدالة» الذي يحتم على السلطة التتنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء أن يفتح هذه الوظائف لأبناء الشعب السوداني، و الذين تنطبق عليهم معايير الوظائف، هذا الاستباق بين أن عملية التحول الديمقراطي سوف تواجهها تحديات عديدة، و أن البيئة التي تحتاجها العملية الديمقراطية أصبحت مزروعة بالعديد من الألغام، الأمر الذي جعل العسكر يبحثون عن قاعدة إجتماعية بعيداً عن الحاضنة السياسية، و في ذات الوقت ميزت الجبهة الثورية نفسها دون أن تكون تحت رحمة قحت، لذلك بدأ الفرز يحدث في الساحة السياسية و تتسع دائرة الاستقطاب، و أصبح التحدي تتعدد مظاهره، من خلال الشروط و الإملاءات التي تفرضها بعض القوى و الحركات.
أن الساحة السياسية تحتاج في هذا المنعطف الخطير الذي تمر به البلاد إلى رجاحة العقل و الحكمة، بعيداً عن الغلو و التشطط لأنهما يوردان المهالك، فالصراع الأيديولوجي في الساحة السياسية بدأ يأخذ أبعاداً سوف تشكل ضرراً كبيراً لعملية البناء الديمقراطية. هذا التحول يحتم وجود تيار وسطي يستطيع أن يقدم مبادرات وطنية، الهدف منها هو تغيير الأجندة المطروحة في الشارع السياسي الآن، لأنها أجندة توتر و ليست أجندة حوار، و أيضاً يجب أن تتغير طريقة التفكير السائدة التي لا تفكر في غير إحتكارية السلطة و توسيع مساحات الاستقطاب، و تعمل أيضاً من أجل فحص أدوات التغيير للتأكد منها إذا كانت صالحة لآداء مهامها أم أصابتها الأعطاب، أو تحتاج إلساحة لأدوات جديدة. كما يجب على القوى السياسية أن تتجاوز الإرث الثقافي السالب الذي لم يقدم غير الفشل في البلاد. لذلك وجدت في حديث بابكر فيصل رئيس التجمع الإتحادي مداخلاً جيداً لكي يدفع بتيار الوسط « الإتحاديون» للساحة السياسية بقوة، بهدف إعادة تشكيلها لما يخدم عملية التحول الديمقراطي، و يهديء عملية الاستقطاب في الصراع الصفري الذي تريد أن تفرضه القوى الأيديولوجية. و تنشر الحكمة التي تهديء النفوس، و تعيد للناس صواب العقل.
يقول بابكر فيصل في حواره مع جريدة « سودانيل» عن لجان المقاومة «هُناك جهات دخلت في عمليات تسييس لِلجان المُقاومة. وفعلاً هذه اللجان كانت ومازالت لها دورٌ كبير جداً وفعال ومشهوداً له في ثورة ديسمبر العظيمة. وكانت رأس الرمح لها. لابد من وجودها كلجان مستقلة والقيام بدورها الأساسي وهو حماية الثورة. أعتقد أنه لم يفت الأوان لتُصحيح مسارها. وهي أيضاً تأثرت بالإختلافات في الساحة وشهدنا إنقسامات في بعضها، نتيجة تأثُرها بالأوضاع العامة في البنية السياسية السودانية.» و أقول لفيصل ؛أن الأثر الذي يمكن أن تحدثه قوى الوسط « الإتحاديون» في الساحة السياسية هو أن تقيم ندوات جماهيرية مفتوح الهدف منها توعية الجماهير، و خاصة الأجيال الجديدة، و يجب الإبتعاد عن استخدام لغة الاستفزاز و العنف، و العمل أن تسود لغة الحوار حتى تغدو طريقاً وحيداً من أجل الوصول للغايات النبيلة، و التي تساعد علي عملية الاستقرار السياسي و الإجتماعي في البلاد، لكي تلتفت السلطة التنفيذية لعملية التنمية.
و حول مشاركة العسكر و صدقهم في عملية التحول الديمقراطي يقول بابكر فيصل «من خلال متابعتي لخطابات الفريق البرهان، سواءً المُوجهة إلى القوات المسلحة، أو خطاباتِه الأُخرى، دائماً ما يؤكد من خلال حديثه، أنهم لم يأتوا ليبقوا في السُلطة. بل هم موجودون بِحُكم الشراكة والوثيقة الدستورية و لإتمام مهام الفترة الإنتقالية فقط. والإنتقال للحكم المدني الديمقراطي. دعني أذكر لك ما أُردده دائماً، بأن هذا الإتفاق قام على توافُق وتوازُن بين القوى المدنية والعسكرية. وحقيقة الثورة على الأرض لم تصل إلى النهاية! بمعنى أننا لم نصل بعد إلى مرحلة إبعاد المؤسسة العسكرية وقيام حكم مدني مطلق» أن فيصل يعلم حقيقة القوى التي تريد سوق الناس لصراع جانبي بهدف إفشال مهام الفترة الإنتقالية. و هنا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، و مع الآخرين، أن القيادات العسكرية إذا كانت في الماضي جزء من اللجنة الأمنية، و لكن يجب التعامل معها بأنها إنحازت للثورة، و أكملت عملية سقوط النظام، و بالتالي يجب أن تقدم لهم ضمانات كافية لعدم محاسبتهم بعد إكمال الفترة الإنتقالية، و أن لا يتعرضوا إلي أية شيطنة سياسية، و التي تلوح بها بعض القوى السياسية. لكي تكتمل عملية التحول الديمقراطي.
و عن عملية الإنتقال الديمقراطي يقول بابكر فيصل «الحديث عن الديمقراطية وممارسة العمل المدني الديمقراطي في السودان، يتطلب وجود أحزاب قوية. بمعنى – أنه لا توجد ديمقراطية حقيقية في أية دولة ممارسة لها، من غير وجود أحزاب قوية، تعمل بنهج مؤسسي وديمقراطي. ونحن كحزب كبير، ورثنا تجربة ديمقراطية فيها الكثير من الأدواء، وعلى رأسها عدم ديمقراطية هذه الأحزاب. إذن من المهم بمكان تقوية أحزابنا السياسية، لأنه وكما ذكرت، وجود أحزاب سياسية ديمقراطية واعية، ولها برامج تنموية، هي المِفتاح واللاعبْ الرئيس لقيام دولة مُعافاة، تسودها قِيم العدالة والديمقراطية، والقانون المُنصف للجميع» و بابكر فيصل يعلم أن هناك أحزاباً سياسية في قوى الحرية و التغيير لا تريد الإنتخابات، لأنها مدركة أن مشاركتها في السلطة توفرها لها فقط الفترة الإنتقالية التي تستند لشرعية ثورية، و هي لا تريد الإنتخابات لأن قاعدتها الإجتماعية قاعدة ضيقة لا تشكل لها رافعة للسلطة في الإنتخابات. فالقوى السياسية التي تنادي بعلو قدم الجماهير، هي نفسها تتخوف من الجماهير عندما يعود القرار للجماهير في إختيار ممثليها، هؤلاء يؤمنون بالديمقراطية كشعارات و ليس كواقع ممكن ممارسته. و بالفعل الديمقراطية تحتاج لأحزاب قوية، و أيضاً لها قاعدة واسعة لكي تحمي النظام نفسه بوعي الشارع، فالأحزاب جميعها تعاني من إشكاليات فكرية يجب أن تتناغم مع مباديء الديمقراطية، و قدرة تنظيمية عالية تستطيع استقطاب التيارات الجديدة في المجتمع، لكي تحدث بها عملية التطوير و التحديث داخل هذه المؤسسات.
أما عن مشاركة التجمع الإتحادي في السلطة يقول بابكر فيصل « نحن كتجمع إتحادي مشاركتنا في الحكومة، لا نحسِبها بعدد الكراسي، بل بإحداث أكبر توافُق داخل الحكومة. وأعتقد بأننا قد نجحنا في هذا الإطار. دعني أقول لك، من أهم أولوياتنا كتجمع إتحادي، أن تأتي حكومة حزبية واسعة وعريضة تمثل فيها كل الأطياف، وتعبر عن الشارع وتحقق الإستقرار المدني. وفي إعتقادي أن الدور الوزاري سيأتي وقته، وهو عند الإنتخابات» لكن للأسف أن قوى الحرية و التغيير قد تأكل تأييدها في الشارع، و أصبحت هي تتشبث بالسلطة لكي يكون لها دوراً سياسياً، و هي التي أضعفت نفسها بممارسات خاطئة عندما إنحازت لفكرة السلطة دون الديمقراطية. و بفعلها الذي يقوم علي المصالح الحزبية الضيقة دون الوطن، أضعفت نفسها و أصبح صوتها ضعيفاً في الشارع.
أن لجنة إزالة التمكين بممارسات بعض رموزها هو الذي أدى إلي تراجع التأييد الذي كان قد وجدته من الشارع، و هي مجال إختلاف رؤية، و يجي الإختلاف في قول بابكر فيصل حيث يقول «هؤلاء يتحدثون عن قانونية اللجنة من أجل العدالة وتحقيقها. والجزء الآخر وهؤلاء، حدث لهم خضوع لدعاية مصنوعة من قِبل فِلولْ النِظام السابق. وإفترائهم على اللجنة، وعدم أهليتها وقانونيتها. والشيء الذي أصابوه هو أن هذه اللجنة لم تسمح بمراحل العملية القضائية الكاملة وتحديداً الجانب القضائي فيها. كالذي يحدث داخل أي نظام ديمقراطي في محاكمة الأفراد. والشاهد في الأمر، أن هذه اللجنة ذات طبيعة سياسية، وليست قانونية فقط. لأنها قامت لتحاسب نظام سياسي. إذاً هي لجنة سياسية تستخدم أدوات قانونية» هنا نختلف مع فيصل، إن خلاف الرؤية ليس لموقف رموز النظام السابق منها. و لكن للعدالة التي تعتبر قاعدة أسياسية للبناء الديمقراطي، الوثيقة الدستورية تعتبر بناءً دستورياً يوقف الشرعية الثورية. و بالتالي أي عمل يجب أن يتوافق مع الإجراءات القانونية. لأن فكرة لجنة إزالة التمكين نفسها فكرة نظم شمولية تحاول أن تغيب القانون، و هي تكون مستلفة من ثقافة الدول الريديكالية التي تحكم بالديكتاتورية الحزبية أو العسكرية. لكنها لا تتلاءم مع النظم الديمقراطية، و كان الهدف منها إلهاء الناس عن الفشل الذي صاحب الحكومة الأولي و أيضا إشغال الناس عن المحاصصات التي كانت جارية و تمارسها قوى الحرية و التغيير، و حتى الآن الناس لا تعرف عن الأموال المصادرة أين تم الاستفادة منها كلها أسئلة لم تجاوب عليها اللجنة بشفافية. و الخوف أن هذه اللجنة تستخدم ككوابح لأي قوى تعارض الممارسات الخاطئة في الفترة الإنتقالية، أو هي آداة للقمع للذين يعاضون الحكومة.
أن بعض الإتحاديين لا يريدون العمل تحت راية التجمع الإتحادي لخلافات، لكن يجب أن يكون الخلاف حول الرؤى مدعاة لفتح حوارات حول قضايا الإختلاف، و الذي يجب أن تدركه العناصر الإتحادية أن البلاد تئن من وطأة الأزمات عليها، و من شدة الصراع العبثي الدائر فيها، و الذي لا يراعي لقضايا الناس و حاجاتهم. لذلك مطلوب من كل قبائل الإتحاديين أن لا يتواروا بسبب حالة التشظي التي يعيشونها، بل أن يقدموا علي الساحة السياسية و يقدموا أطروحاتهم الداعية لعملية التحول الديمقراطي بقوة، و فتح الحوارات العديد عبر الندوات السياسية في الأحياء لتوعية الجماهير للوقوف مع وحدة الصف الوطني، و الذي يضمن تحقيق عملية التحول الديمقراطي، و نجاح الفترة الإنتقالية. أن الإتحاديون بدلاً من الجدل داخل الغرف المغلقة و التجمعات الضيقة في المناسبات. أن ينتفضوا و يقيموا ليالي سياسية عديدة في كل مدن السودان لتحريك الراكد، و دفع الآخرين أن يسيروا في ذات الإتجاه، ضرورة الفعل أنه سوف يغير مسار العملية السياسية المحبطة الجارية في البلاد. و نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى