حميدتي والعلمانية ملامح جديدة للتفاوض مع الحلو!!

تقرير: هبة محمود
كعادته كلما خرج عن صمته صب جام غضبه على الحكومة وعضويتها، رغم أنه رجلها الثاني، لتبدو الصورة أكثر غرابة تحمل معا استفهامات عدة، حول المنطق الذي يتبعه نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو في تعاطيه مع الائتلاف العريض الذي يعد جزءاً منه. وظل الفريق أول حميدتي حريصاً في كل الملامات على تصويب النقد للحكومة وحاضنتها السياسية، سعياً منه للتثبيت والتأكيد على مبدأ الفشل. وأمس الأول وخلال إفطاره مع رجال الطرق الصوفية والإدارة الأهلية انتقد حميدتي مبدأ العلمانية،

مؤكداً أنه لن يجامل في الدين أو يلعب به، ونبه في الوقت نفسه إلى أن الأمر إذا مضى إلى الأمام فلن تنجح البلاد، وقال إن التفاوض عندما يبدأ سوف يتحول الأمر إلى المؤتمر الدستوري ومن ثم تقول الطرق الصوفية ورجال الإدارة الأهلية كلمتهم في الأمر. وفيما تواجه طريقة النائب الاول هذه انتقادات واسعة، الا ان حديثه حول جزئية العلمانية، على وجه الخصوص، ينبئ وفقاً لخبراء بأن (حميدتي) رسم ملامح المرحلة المقبلة للتفاوض مع الحلو، ليبقى السؤال حول كيفية سير التفاوض في ظل رفض حميدتي مبدأ العلمانية؟ هل سينأى بنفسه بعيداً عن الملف؟ ام انه يسعى للبحث عن سند انتخابي بالطرق على وتر (الدين)؟ ومع هذا الرفض كيف ستمضي الأوضاع في المرحلة المقبلة؟
رفض واسع
ظل إحلال مبدأ علمانية الدولة في السودان مثار جدل وامراً مرفوضاً على الإطلاق. كما ظلت اي ــ العلمانية ــ ومنذ عهد النظام السابق، شرطاً تفاوضياً في جميع طاولاته وجولاته المختلفة مع رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال عبد العزيز الحلو، قبل أن يتم الإعلان عنها كمبدأ في الفترة الانتقالية أخيراً سعياً من الحكومة لانضمام الحلو لركب السلام واخماد صوت البندقية. وواجه الإعلان عن التوقيع موجة رفض واسعة واستهجاناً من الشارع، في وقت رأي فيه كثيرون ترك الامر لحين قيام المجلس التشريعي للبت فيه أو إجراء استفتاء. لكن في مقابل ذلك عزا البعض توقيع رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على اعلان المباديء للضغط الغربي كأحد مسالك التطبيع مع إسرائيل.
ونص اتفاق المبادئ على فصل الدين عن الدولة والحيادية في القضايا الدينية وكفالة حرية المعتقدات، وألا تتبنى الدولة أية ديانة لتكون رسمية في البلاد، كما يتضمن الاتفاق منح الحكم الذاتي للأقاليم وإنشاء جيش قومي موحد يعكس التنوع السوداني. واعتبر في الوقت نفسه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أن التوقيع على الاتفاق يمثل بداية حقيقية للمرحلة الانتقالية في البلاد. وبحسب ما هو معلن فقد تحدد الـ (٢٣) من مايو الجاري موعداً لاستئناف المفاوضات مع الحلو، لكن يبقى السؤال حول ملامح سير المفاوضات وعضوية فريق التفاوض؟
رسائل في أكثر من بريد
وبالنظر إلى تصريحات نائب رئيس مجلس السيادة بشأن العلمانية تتسع رقعة الاستفهامات، لاعتبارات أن ملف التفاوض مع الحركات المسلحة من صميم اختصاص المكون العسكري، وأن المعروف أن وفود التفاوض يترأسها حميدتي، فهل اراد من خلال حديثه إرسال رسالة اعتراض على اعلان المبادئ، ام انه أراد تبرئة نفسه من أية عواقب يمكن أن يحملونها على اعناقهم؟ هل أراد مخاطبة رجال الطرق الصوفية والإدارة الأهلية بالدغدغة على مشاعرهم برمي اللوم على آخرين؟ وفي ظل كل هذه التساؤلات يظل الشاهد في الأمر أن العلمانية ستكون محك التفاوض مع الحلو في المفاوضات القادمة، سيما أنه سبق لعضو مجلس السيادة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي الاعتراض على اتفاق أديس أبابا بين الحلو ورئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك الذي يتضمن العلمانية.
وبالمقابل يذهب المحلل السياسي عبد الرحمن ابو خريس في حديثه إلى أن حميدتي من خلال مخاطبته رجال الطرق الصوفية، أراد إرسال رسائل في أكثر من بريد. واولى هذه الرسائل بحسب ابو خريس لـ (الإنتباهة) للحلو نفسه من خلال التأكيد على رفضه العلمانية، مؤكدا أن حميدتي ربما أراد مخاطبة الحلو للتعديل عن فكرة العلمانية أو اعتباره بعيداً عن هذا الملف، وقال: (حميدتي أراد أن ينائ بنفسه بعيداً عن هذا الملف، ورمي اللوم على المكون المدني باتيانه بعلمانية الدولة)، وتابع قائلاً: (النائب الأول وجد نفسه أمام جماعة الدين الإسلامي يعتبر خطاً أحمر بالنسبة لها، ولذلك حاول مخاطبة قضاياهم.
سند شعبي
وبحسب مصادر لـ (الإنتباهة) فإن هناك صراعاً كبيراً داخل المكون العسكري بشأن علمانية الدولة. وقالت المصادر إن حميدتي يرفض منذ البداية الموافقة على مبدأ العلمانية، لكنه إثر عدم الخروج للعلن ومخالفة رئيس مجلس السيادة، وأكدت في الوقت نفسه عدم قيادته ملف التفاوض في فترته المقبلة وتركه للآخرين.
وكان عضو الحركة الشعبية شمال د. محمد يوسف المصطفى قد قال فى تصريحات له إن ترتيبات جارية لتشكيل وفد التفاوض الحكومي.
وفي مقابل ذلك يذهب مراقبون إلى أن حميدتي خاطب جماعات لا تملك موقفاً مضاداً للحكومة، وسعى لتبرئة نفسه أمامها مما يحدث بشأن العلمانية، فيما يضع آخرون الأمر في خانة البحث عن سند شعبي عقب حملة الشيطنة التي يتعرض لها كل يوم، في محاولة منه للحصول على التفاف واسع وعريض من قبل هذه الجماعات لما عرف عنها من وزن.
وبحسب المحلل السياسي نصر الدين أبو بكر فإن حميدتي يرمي إلى كسب الشارع السوداني أكثر من أي شيء آخر خاصة عقب فض الاعتصام.
ويرى نصر الدين في حديثه لـ (الإنتباهة) أن تصريحات حميدتي المتكررة بفشل الحكومة تقرأ في سياق تبرئة نفسه مما يحدث، الا انه يُعاب عليه في الوقت نفسه عدم اتخاذ موقف قاطع بشأن مشاركته في الحكم، قائلاً: (في مثل هذه المواقف كان يجب على حميدتي أن يقدم استقالته أو يصمت ويعمل للعبور بالمرحلة).
بداية انشقاق
وفي ذات السياق دافع المحلل السياسي وهبي السيد عن حميدتي، مؤكداً أن الظروف وضعته في موقف لا يُحسد عليه.
وقال السيد لـ (الإنتباهة) إن تقاطعات المرحلة المعقدة التي تمر بها البلاد والصراع بين القوى الحاكمة ككل، جعلت حميدتي عاجزاً عن تقديم استقالته وأيضاً عن إصلاح الوضع مما جعله يخرج من وقت آخر ويعترف بالفشل.
واكد في الوقت نفسه أن الحكومة تواجه ضغوطاً خارجية واملاءات تعمل على تنفيذها ظناً منها أنها طريق العبور، دون النظر والالتفات إلى مكونات المجتمع السوداني، ونبه إلى وجود غضب ورفض من خطوة رئيس مجلس السيادة، الا ان المكون العسكري يحاول الظهور بمظهر التماسك والوحدة لكن ذلك يخالف الواقع، وتابع قائلاً: (الفترة المقبلة سوف تشهد كثيراً من التطورات، وخروج حميدتي للحديث حول هذه الجزئية عقب صمت لحظة الإعلان عن التوقيع، يعني أن انشقاقاً داخل المكون العسكري بدأ يلوح في الأفق).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى