المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي في الخرطوم.. هل ينجح في المهمة؟

تقرير: هبة محمود سعيد
عند منتصف النهار بمطار الخرطوم الدولي، يوم امس، حطت طائرة المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي «جيفري فيلتمان» ، لمناقشة الازمة الحدودية مع اثيوبيا و ملف سد النهضة بين السودان، ومصر وإثيوبيا. المهمة تبدو ثقيلة بعض الشيء. الأطراف المتنازعة متمترسة في مواقفها، في وقت لا تأبه فيه إثيوبيا كثيراً بالموقف السوداني المصري وتصر على الملء الثاني للخزان في يوليو المقبل، رغم التحذيرات من مغبة الملء. زيارة «فيلتمان» للبلاد أمس والتي تستغرق يومين، تشمل مباحثات بدأت أمس مع رئيس مجلس السيادة الفريق اول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء دكتور عبد الله حمدوك، سبقتها زيارة إلى مصر، اليومين الماضيين لبحث كيفية الوصول إلى تسوية مرضية لكل الاطراف. وفيما يضع مراقبون الموقف الإثيوبي في خانة القوة، باستناد اثيوبيا على موقفها القانوني، يرى في المقابل البعض الآخر أن مهمة «فيلتمان» ستكون عصية، لجهة توقعات الرفض الإثيوبي، أو الإعلاء من سقف مطالبها، طالما أن الكرة في ملعبها، ليصبح السؤال حول فرص نجاح مهمة المبعوث الأمريكي وما الذي يحمله في جعبته؟ هل ستتفق الأطراف؟ وما هي المحفزات التي ستقدمها أمريكا لاثيوبيا، بالاتفاق مع بقية الأطراف لحل الأزمة؟
بادرة فرج
منذ وقت طويل والمفاوضات بشأن سد النهضة لا تبارح مكانها. العديد من الجولات تنعقد وتنفض دون التوصل إلى صيغة تفاهمية محددة. كان آخر هذه المفاوضات، تلك التي عقدت بعاصمة الكنغو الديمقراطية ( كينشاسا) والتي فشلت في التوصل لحل لأزمة السد، بعد أن رفضت إثيوبيا المقترح المقدم بتشكيل لجنة رباعية دولية، تقودها جمهورية الكنغو الديمقراطية، للتوسط بين الدول الثلاث. وفي اعقاب حالة الجمود التي لازمت ملف التفاوض، تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة، بطرح مبادرة، بشأن الأزمة الا انها وجدت رفضاً من  السودان، مع تجديد الموقف الداعي إلى ضرورة التوصل لاتفاق قانوني وملزم بين السودان ومصر وإثيوبيا بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية لحل الأزمة بين الأطراف الثلاثة، وفك جمود التفاوض.
ووفقاً لتصريحات المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة القرن الأفريقي، «جيفري فيلتمان»، خلال زيارته لجمهورية مصر العربية اليومين الماضيين، فان إدارة الرئيس «جو بايدن» جادة في حل قضية سد النهضة لما تمثله من أهمية بالغة لمصر والمنطقة، وهو ما يراه خبراء بصيص نور وبادرة فرج، في نفق التفاوض المظلم.
في مقابل ذلك يرى الخبير السياسي عبد العزيز الطيب لـ»الانتباهة» أن التفاوض برعاية الولايات المتحدة، يمكن أن يقود إلى تفاهمات حال تنازل جميع الأطراف والموافقة بالالتقاء في نقطة محددة. مؤكداً أن إثيوبيا ربما تضغط في ملف الحدود، بأن تعود إليها الفشقتين الكبرى والصغرى، وهو ما من شأنه أن يقف عقبة كؤود أمام الصراع حول الماء، وشدد على ضرورة الوصول إلى منطقة وسطى يتلاقى فيها الجميع.
مفاوضات الفرصة الأخيرة
الجدية التي تحدث عنها» فيلتمان» من قبل إدارته، تفرض معها تساؤلاً حول، تراضي السودان ومصر بالتنازل ومنح إثيوبيا اشتراطاتها، أمام عدم الملء، ام سيكون تنازل إثيوبيا تنازلاً إثيوبياً كامل الدسم. في تصريحات أخيرة لوزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، على  BBc قالت إن السودان لديه القدرة على منع إثيوبيا من الملء الثاني المقرر له يوليو المقبل، الأمر الذي  يثير معه تساؤلات حول، الاستنادات التي نتكئ عليها. وفيما يؤكد السودان، على أضرار الملء، تنفي بالمقابل إثيوبيا، مؤكدة أنها تحمي السودان من مخاطر الفيضان.
وبحسب الخبير الدولي في المياه وعضو وفد التفاوض السابق بشأن السد، د. «احمد المفتي» فإن الملء الثاني للسد سيلحق أضراراً كبيرة بالسودان، مؤكداً أن موقف كل من السودان ومصر يعد ضعيف قانونياً.
وذهب المفتي في حديثه لـ(الانتباهة) إلى ضرورة التوصل مع إثيوبيا إلى تفاهم وتحفيز، دون استخدام العنف او اي شيء من هذا القبيل، لان إثيوبيا في موقف قوة بحسب ما هو ممنوح لها وفق إعلان المبادئ الموقع. وتوقع في الوقت نفسه ان يثمر التدخل الأمريكي في الأزمة لحلها، مؤكداً أنه الفرصة الأخيرة أو اما حدوث كارثة بسبب الملء الثاني الذي سيضر بالأمن القومي السوداني حال فشلت الولايات المتحدة الأمريكية. وقال المفتي إن النظام السابق خدع الشارع السوداني بالحديث عن فوائد السد، لأغراض ومصالح سياسية بينه وإثيوبيا، منها دعم إثيوبيا له في ملف المحكمة الجنائية، ودحر التمرد، وتابع إثيوبيا قامت بتوظيف اشخاص واعلاميين سودانيين، للحديث عن فوائد السد، ويملأوا صفحات الجرائد والتلفزيون بها.
«فيلتمان» تحديات المهمة
وفيما تتجه الأنظار نحو المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي «جيفري فيلتمان»، وقدرته على إنفاذ المهمة، تنقسم الآراء حوله، فيرى مراقبون جاهزيته وقدرته على ذلك، وذلك من خلال خبرته الطويلة في العمل القانوني والدبلوماسي، رغم أنه دارس للفنون الجميلة، قبل أن ينال لاحقاً درجة الماجستير في القانون فيما يرى البعض الآخر غير ذلك.
«فيلتمان» المولود في غرينفيل بولاية أوهايو الأمريكية، يجيد التحدث بعدد من اللغات من بينها اللغة العربية، فهو بحسب سيرته الذاتية المبذولة، فإنه يتحدث الفرنسية والمجرية. حصل جيفري على شهادة تخرجه في التاريخ والفنون الجميلة من جامعة ولاية بال في انديانا عام ١٩٨١ ثم حصل على الماجستير في القانون والدبلوماسية من كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية، جامعة تفتس عام ١٩٨٣، انضم بعد ذلك في العام ١٩٩٣ إلى مكتب شؤون الشرق الأدنى فدرس العربية في الجامعة الأردنية بالعاصمة الأردنية عمان من ١٩٩٤إلى ١٩٩٥.
وبحسب المحلل الاستراتيجي أبوبكر عبد الرحمن، فإن فيلتمان لا يملك أي شيء يمكن أن يقدمه للجانبين السوداني والمصري من خلال زيارته.
الضوء الأخضر
ويؤكد أبوبكر في حديثه لـ»الانتباهة» بعدم جدوى المفاوضات في التوقيت الحالي، لان إثيوبيا بدأت فعلياً في تجفيف الممر الأوسط بصب الخرصانة عليه استعداداً للملء الثاني، ونبه في الوقت نفسه إلى أن إثيوبيا حال تراجعها فإن ذلك يشكل خسارة لها.
وقال السودان على المستوى الاستراتيجي يعلم جيداً أن إثيوبيا لا تستطيع التراجع وان الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع الضغط عليها، وتابع فيلتمان لا يحمل أي كرت ضغط، وأمريكا نفسها انتظرت الفترة الماضية دون تدخل وهي تنظر لاثيوبيا وهي تواصل عمليات الإنشاء، ما يوحي وكأنما أمريكا منحت إثيوبيا الضوء الأخضر، واكمل زيارة افورقي يمكن القول إنها مجدية أكثر من زيارة المبعوث الأمريكي، لما يحمله من كروت ضغط على اثيوبيا.
وفي السياق نفسه يرى أبوبكر أن الخيار الأوحد أمام السودان هو الخيار العسكري، لان مجلس الأمن لم يعد يجدي وكذا المناورة القانونية التي لا ترقى لكونها رادعة لاثيوبيا، ومضى قائلاً النخبة الحاكمة لاثيوبيا عنيدة بعض الشيء وترى أن السودان قام بتغيير توجهاته السياسية للتحالف مع مصر، ما دفعهم للاصرار على الملء الثاني للسد.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى