د. حسن محمد صالح يكتب: مأزق سيداو ((ما بين البرعي وفضيل))

بث الفنان المسرحي(( فضيل)) مقطع (فيديو) ينتقد فيه توقيع الحكومة السودانية(( الإنتقالية)) على إتفاقية سيداو أو إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وقد فعل فضيل ذلك إنطلاقاً من حقه في حرية التعبير التي كفلتها ثورة ديسمبر وكافة المواثيق الدولية والإقليمية ولكن دعاة الثورة لا

يعرفون قيم الحرية والديمقراطية فتصدوا له بالبلاغات والإتهامات ثم أنتبهوا مؤخراً إلى تواضع قدراته الفنية وأميته وجهله وفات عليهم أن فضيل قد ((عبر)) وأصبح يعبر عن ضمير الشعب وبعد أن نضب معين الإعلام الحكومي إتجه الناس إلى (الفيديوهات) التي ينتجها فضيل من أجل التسلية والمتعة والترفيه

والضحك وهو يعالج القضايا السياسية والإقتصادية والإجتماعية بطريقة بسيطة ومعبرة. وآخر ما توصلوا له أن فضيل لا يعرف سيداو وكل ما فعله أنه قام بتشويه حكومة الثورة وأعلن أحد أعضاء لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو إيهاب الطيب أنه باشر إجراءات فتح بلاغ في مواجهة فضيل في الوقت الذي

كان فيه هذا الفنان وفرقته المكونة من فضيلة والبلولة وآخرين يستقبلون في مدينة القطينة استقبال الفاتحين من قبل المواطنين هناك. وفاق معدل (الهشتاقات واللايكات) المؤازرة له أرقاماً قياسية وتم تناولها عبر الفضائيات كالجزيرة وغيرها.. الفنان فضيل إنتقد سيداو مادة مادة بدءً بالمادة (١) الفقرة ((و)) من

الإتفاقية التي تنص على إتخاذ جميع التدابير المناسبة بما في ذلك التشريع لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزاً ضد المرأة. والفقرة (ز) التي تنص على إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة. والكل يعلم ما قام به وزير العدل نصر

الدين عبد الباري من تعديلات في قوانين الأحوال الشخصية السوداني وهو القانون المستمد من الشريعة الإسلامية وينظم العلاقة داخل الأسرة من زواج وطلاق وميراث وغيرها. أما المادة (10)من الإتفاقية فقد أبدع فضيل في تفسيرها تفسيراً واقعياً جعل البلولة المتحمس لسيداو ينقلب عليها ١٨٠ درجة

وهي التي تمنح المرأة وبنص القانون حقاً مساوياً للرجل فيما يتعلق بحرية إختيار محل سكنهم وإقامتهم. كذا الحال مع المادة (16) التي تنص على تساوي المرأة والرجل في عقد الزواج وحرية إختيار الزوج بغض النظر عن الدين فيمكن للمرأة المسلمة أن تتزوج من كتابي وهذا َمحرم في الشريعة الاسلامية

التي لا تمنع زواج الرجل المسلم من كتابية على عكس المرأة. وقد يقول قائل أن الحكومة الإنتقالية تحفظت على بنود في الإتفاقية خاصة المادة ٢ والمادة ١/19 وهذا التحفظ يعتبر تكتيكاً والغرض منه إمتصاص غضب الرأي العام السوداني المعارض لسيداو ثم تقوم الحكومة الإنتقالية بسحب التحفظ فقط

بإرسال إشعار سحب التحفظ في أي وقت إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي يقوم بإبلاغ جميع الدول ويصبح ذلك الإشعار نافذ المفعول إعتباراً من تاريخ تلقيه. وعوداً على مواقف الشيخ محمد وقيع الله الشهير بالبرعي والمولود في عام ١٩٢٣ بزريبة الشيخ البرعي بشمال كردفان والذي توفي لرحمة

مولاه عام ٢٠٠٥م كما أشرت في العنوان نجده قد ناهض الدعوة لمؤتمر السكان التي إنطلقت في ثمانينيات القرن العشرين لعقده في القاهرة في عام ١٩٩٤م. وفي ذلك المؤتمر تم الإعتراف لأول مرة بالحقوق الجنسية والإنجابية من حقوق الإنسان وتعهد المؤتمرون في ذلك المؤتمر الذي قاطعه السودان

بأن يكون مؤتمر السكان في عام ٢٠٣٠م في نيروبي بأن تنعم النساء والفتيات بحريتهن في ما يتعلق بأجسادهن وحياتهن وقام الإتحاد الدولي لتنظيم الأسرة المعروف إختصاراً İppf بالآتي :
١-حصول الجميع على الحقوق والصحة الجنسية والإنجابية
2-الإجهاض الأمن وبالقانون
٣- التثقيف الجنسي الشامل.
٤- العنف الجنسي القائم على النوع الإجتماعي.
٥- حقوق الصحة الجنسية والإنجابية والمساواة بين الهيكلة السكانية بالدول. والكل يذكر الدعوة التي أطلقها وزير التربية السابق في حكومة الدكتور عبد الله حمدوك الأولى الدكتور محمد الأمين التوم عن حق الجسد وإنتقد إهتمام المرأة السودانية بتغطية جسدها. ومعلوم أن الشيخ البرعي قد عارض المؤتمر

الدولي للسكان بمدحة شهيرة يقول فيها : يا نعم من بالخير أمر قاطع نداء المؤتمر. وكان الشيخ البرعي عليه رحمة الله قد إهتم بالزواج الجماعي وقام بتزويج آلاف الشباب والشابات ثم جاءت المدائح النبوذية التي نظمها تحصيناً للمجتمع من غاشيات العلمانية والغزو الثقافي والعسكري يقول في واحدة منها :

الأمريكان يا سلام لا يهدموا الاسلام..
يا رب يا قدوس صلي على المحروس سودانا رجله تدوس للأمريكان والروس.
ومن قصائده المشهورة قصيدة ((التوبة اخير))
فوتنا الحدود خالفنا السير
في طريق الجدود التوبة أخير
فوتنا الحدود إتبعنا آثار الجدود
دار أم قدود غرتنا بالنايرات خدود
خنا العهود وبه بقينا أشباه اليهود
درب العهود ودرناه في غرب النهود
مثل الأسوار للدنيا بقينا والباقين جسود
تلقى الجسود من برا تعجب ومن جوا سود.
بقى في خمود نور الذكر والعين في جمود
باع العقود وجرحنا ما نفعه الكمود
ثم جاء بالقصاد التي نادت الذكر ووضع خارطة طريق لمن أراد الذكر ومجد الذكر ودوره في إصلاح المسلم وشروط الذكر يقول في قصيدته ((الذكر)) :
طهر جنابك بالأذكار ما فيك
وزل بها كل عيب كامن فيك
الذكر خير جليس فاستريح به
وهو الذي بكؤوس الحب يسقيك
الذكر خير من الإنفاق من ذهب
ومن جهاد وعتق عنه ناهيك
الذكر روضة خلد فإرتعن بها
وأترك مجالس قوم عنه تلهيك.
هذا هو السودان القديم كما يصفه دعاة الحداثة والعلمانية ونسوا أن السودان نفسه دولة حديثة منذ فتحه على يد محمد علي باشا في ١٨٢١م وإلى يومنا فقط مائتي عام منها ١٢٠ عام حكماً أجنبياً التركية الأولى والثانية كما يقول السودانيون أو الاستعمار البريطاني المعروف بالحكم الثنائي وبقية الثمانين عاماً هي

الحكم الوطني بمسمياته المختلفة بما فيها المهدية. والملاحظة المهمة في هذه المسيرة أن كل الطوائف والطرق الصوفية والحركات الاسلامية ظلت في خدمة الاسلام سواءً الختمية التي نشرت الاسلام في جبال النوبة بدعم السيد علي الميرغني عليه رحمة الله الذي أرسل القوافل إلى داخل الجبال للدعوة

للإسلام أو الأنصار بقيادة الإمام عبد الرحمن الذي إشتهر بزواج الكورة لمدة طويلة من الزمن ونشر راتب الإمام المهدي في السودان وخاصةً دارفور جنباً إلى جنب مع الطريقة التجانية ثم نهج الصحوة الذي أعلنه الإمام الراحل الصادق المهدي وجاءت الحركة الاسلامية في ظل الصحوة الاسلامية وحركة

التدين التي إنتظمت الشباب في العالم العربي والاسلامي خلا عقد الثمانينات من القرن العشرين والثورة الإيرانية والتحرر الذي نادى به الإمام الخميني ومقاومة الإمبريالية و سقوط الإتحاد السوفيتي وبروز الاسلام في مواجهة الإمبريالية العالمية والفكر الغربي المتعصب والمعادي للاسلام وتعاليمه ودوره في

الحياة العامة. و السودان له دور ريادي في نشر الاسلام ولا يمكن أن ينفصل عن هذا الدور لأسباب كثيرة يتميز بها الشعب السوداني وعلى رأسها التدين والحيوية الثقافية والدينية وعشق الحرية وتعظيم دور الحوار والإجتهاد في الدين ورفض الوصاية وإختراق النظام الإجتماعي الراسخ في الأرض

السودانية. وقد ظل السودان هو الملاذ لأبنائه الذين أضطرتهم الظروف للإغتراب عن الوطن ولا يعودون له إلا بعد أن يكبر الأبناء ليتربوا على الطريقة السودانية ولو أدى ذلك لفقدان الوظيفة ومصدر الرزق في الخارج فكل ذلك يهون أمام القيم والأخلاق والتربية في الوطن فإذا ضاعت هذه المكاسب وصار

السودان دولةً علمانية سوداوية يبقى على الدنيا السلام . فضيل فعل ما في وسعه وبرأ ذمته أمام الله أما أن يسمع الناس ما قاله بقلب سليم والله الضحك شرطهم والحر تكفيه المقالة ولو على طريقة فضيل مع فضيلة والبلولة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى