الانتشار المجتمعي لـ(كورونا).. الخطر الأعظم…

تحقيق:  انتصار فضل الله

علمت الخالة «أمونة» البالغة من العمر (55) عاماً من أحد زبائنها المداومين على تناول «الشاي والقهوة «، بأنها معرضة للخطر حال أُصيبت بوباء «كورونا « ، لانها تعاني من مرض السكر وتختلط بالكثير من الناس بحكم عملها في مجال بيع الشاي بالسوق العربي وانها غير ملتزمة بارتداء «الكمامة» لحماية نفسها، لكنها بدت غير مهتمة لأنها ظنت أن المرض لا يصيب الفقراء، ولكن عندما اصابها سعال مزمن مصحوباً بحمى والام في مفاصل ببداية شهر ابريل الماضي ايقنت ان الخطر يحيط بها وعندما عانت من صعوبة في التنفس استبد بها القلق فظلت طريحة الفراش حتى منتصف شهر رمضان الكريم.

في مركز العزل

بعد ثلاثة ايام من الاصابة بالسعال شعرت بضيق في التنفس فقادها زوجها « عباس «الى خدمة الطوارئ في احدى المستشفيات، لم يتم قبولها هناك فذهب بها الى مستشفى الشعب بالخرطوم وهناك اتضح انها مصابة بكورونا وتم عزلها بسبب القيود المفروضة على اجراءات السلامة، استفهامات كثيرة دارت برأسها  وهي في حالة من عدم الوعي، كيف انتقل اليها المرض وهي لم تخالط مصاباً بشكل مباشر ؟ وهل افراد الاسرة بمأمن من الاصابة ؟ وفي نفس الوقت كانت خائفة فالوضع بمركز العزل غير مطمئن، فكانت تراقب اسر المرضى وهم لا يتوقفون عن الزيارة وحالات حرجة تلفظ انفاسها في كل ساعة وتسببت لها اسطوانة الاوكسجين الكبيرة الموجودة قربها بهلع .

التباعد الاجتماعي

تم تطبيق التباعد ومنع الزيارات من «امونة « لكنها كانت تشتاق لاسرتها كثيراً وتبكي دائماً، فاخذت المسكنات واعطيت قناعاً  يوضع حول الانف والحرص على أن يظل  مستقيماً. تقول أمونة  «رغم تطبيق اجراءات التباعد الاجتماعي الملاحظ انتشار مجتمعي داخل المستشفى لكنه حال السودانيين غير ملتزمين ويصرون على زيارة مريضهم والجلوس بقربه فهذا الشيء دعمني وازال المخاوف بالرغم من خوف انتقاله الى اسرتي لكني كنت احتاج اليهم كثيراً»، ظلت المصابة في المستشفى لمدة عشرة ايام ومع تحسن الحالة قرر الطبيب اخراجها شريطة اخذ قسط من الراحة في المنزل وتناول الفيتامينات والمسكنات الدفاعية والغذاء المناسب، تقول رغم مضي اكثر من شهر من الاصابة لكني ما زلت اسعل واعاني صعوبة في الحركة وثقل في السمع.

فايروس سريع الانتقال

وتقول أمونة لـ»الانتباهة « ،»عانيت كثيراً فقد مررت بفترة صعبة كنت اقرب الى الاموات فظننت باني راحلة عن الدنيا، قاومت في البداية لاعتقادي انه التهاب عادي وسوف يزول ولكن بعد ظهور اعراض اخرى شعرت بالخوف، وعرفت خطورة هذا الوباء اللعين المصحوب بالام حادة في اضلعي وظهري وبطني وكل أجزاء الجسم وكاني تعرضت للاعتداء وكأن بخاراً ساخناً يخرج من انفي واذني، وادركت قبل الفحص بيني وبين نفسي انها كورونا وتذكرت نصيحة احد زبائني كما ايقنت ان الفيروس سريع الانتقال يجب التعامل معه بحذر. 

مصدر العدوى

عندما تماثلت امونة للشفاء تماماً وتعافت من «الكحة « بدأت خامس ايام العيد في تجهيز معداتها لمداومة العمل بعد انتهاء العطلة، لكنها علمت بان احد زبائنها وهو تاجر بالسوق قد مات متأثراً بكورونا بعد اصابتها باسبوع، وعلمت ايضاً بانه تسبب في انتشار المرض بالمحيطين به وهي واحدة منهم، فايقنت خطورة الامر وان الفيروس لم ينقل اليها عن طريق الصدفة وانما مخالطة مباشرة دون ادراك ذلك، وذكرت ان المجتمع غير محصن ضد المرض فهناك معلومات بان المرض يتسبب في وفاة اصحاب الامراض المزمنة ولكني نجوت منه باعجوبة، واردفت (رسالتي للمواطنين الالتزام بالتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات الصحية الحامية وانها وضعت خطة عمل بان تلتزم بالتباعد في محيط عملها واحضار المعقم حتى للزبائن).

إصابة شقيقين

ضجت بالامس وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تعرض شقيقين يعملان  في صالون حلاقة بامدرمان للاصابة بالفيروس وقد تم اكتشاف المرض في اول ايام العيد، وتداول الامر بين رواد الموقع مؤكدين بانتقال العدوى  إلى الشابين عن طريق الاختلاط مع زبائن الصالون المصابين دون الالتزام بالحماية والضوابط الصحية، وفي تعليق احدهم على البوست الذي نشره الطير المهاجر في صفحته، غاب عن ذهن ادارة «الصالون» سرعة انتقال العدوى بين المجتمع اوالمحيطين وان العيد موسم يزداد فيه الزوار وقد لا يكون الناقل يعلم بانه مصاباً بالمرض ويظن انه مصاب بالتهاب رئوي، منبهاً بان كورونا تتسلل الى اجسادنا في كل مكان مما يتطلب فرض ضوابط صحية اكثر صرامة من السلطات مع فرض غرامة لكل المخالفين والاستعانة بقوات شرطية لمراقبة الشوارع والاسواق والمساجد .

عدم مبالاة المجتمع

منذ ظهور فايروس» كوفيد 19 « في مطلع العام (2020) بالسودان تعامل المجتمع السوداني معه بـ»استهتار وعدم مبالاة « رغم انه حصد الكثير من الارواح وما زال ،واعتقد الكثير من المواطنين انهم محصنون وان طقس البلاد الحار طارد لاي فيروس مهما بلغت قوته، والقليل منهم تعامل مع كورونا بجدية ووفقاً لمعلومات مؤكدة صادرة من لجنة الطوارئ الصحية سوف تشهد الفترة المقبلة زيادة في الاصابات جراء الاختلاط المجتمعي داخل وسائل المواصلات العامة وفي الاسواق والمطاعم ومحلات بيع الشاي والمدارس مما دفع الى اتخاذ قرار بشأن اغلاقها وتوقف الدراسة باعتبارها مواقع انتشار المرض.

موسم جديد للفايروس

تأكيداً للسيناريو القادم  بعث الاختصاصي في امراض الجهاز التنفسي دكتور محمد صالح ابراهيم بتاريخ 3/ مايو / 2021 بتسجيل استمعت «الانتباهة «اليه  تحدث فيه عن المشهد الهندي والموسم القادم لتفشي الكورونا بالسودان، وفي مقارنة علمية له اكد تشابه طقس السودان والهند واستهتار حكومتي وشعبي البلدين بالوباء منذ البداية، فلم يقم. كل منهما بوضع الضوابط الاحترازية الصحية كما ينبغي، وقال:(الاخطر من ذلك أن الشعبين كانا يعتقدان ان كورونا لن تأتيهم كما جاءت في الدول الاخرى فالهنود يعتقدون ان البهارات التي يستخدمونها تعمل لهم وقاية والسودانيون معتمدون على الطقس الحار «وتناول الشطة والبصل والدكوة» ويقولون انهم شعب الله المختار،  قاطعاً بعدم وجود وقاية من الوباء بنسبة مائة بالمائة في كل العالم .

موت جماعي قادم

ويشرح د.ابراهيم ان الفيروسات تغير طبعها وهناك حرب بينها وبين البشرية، مشبهاً الوباء بمباراة كرة القدم يسعى كل فريق لتسجيل اهداف اضافية في مرمى الخصم كلما شعر بالقضاء عليه وهذا ما يحدث الان، قائلاً : الاخطر ان الموجة الثالثة في الهند ادت الى موت الناس في الركشات وشوارع الزلط وأمام المستشفيات ، وان المسألة بدأت وانتشرت بالمهرجانات والاحتفالات الدينية ومناسبات الاعياد مما اسهم في اصابة نصف مليون حالة جديدة  وحصد 200 الف حالة وفاة في اليوم، مؤكداً ان السودان الان يمر بحالة شبيهة تتطلب وضع ضوابط صارمة في اماكن انتشار الكورونا.

جهد تنفسي قاتل

ونبه د. ابراهيم ان الجهد التنفسي»الكحة والعطس» في المساحة الضيقة داخل المساجد ووسائل المواصلات وصياح الباعة في الاسواق يساعدان في انتشار الرذاذ بالتالي يصل الفيروس لابعد مدى ممكن، مضيفاً بان السلالة الهندية سوف تصل السودان فقط مسألة وقت، وقال الظرف قاتل ويتطلب عدم التجمعات والالتزام بالاحترازات الصحية والصلاة في المنازل دون اغلاق المساجد وفي حالة كورونا الفتوى للطبيب فقط وليست للشيوخ .

صافرة إنذار

اما استشارية علم الاجتماع الاستاذة ثريا ابراهيم فقد اطلقت صافرة تحذير من مغبة تجاهل الشعب والتواجد في التجمعات داخل البصات والاسواق والتحلق حول بائعات الشاي والمطاعم والمشاركة في المناسبات الاجتماعية خاصة «بيوت العزاء» و «الاعراس» التي تقام بين العيدين، دون الالتزام بالضوابط الصحية وهذا هو السبب المباشر للانتقال وتوقعت محدثة «الانتباهة» زيادة الاصابة وسط المجتمع في الايام القادمة بعد عودة المسافرين الى الولايات بسبب المعايدة، وقالت (العادات السودانية سبب مباشر في عدم التزام المواطنين بالاشتراطات الصحية فالمجتمع السوداني مجامل وعاطفي جداً لن يتوقف عن السلام والزيارات والتجمعات)، وهو ما اعتبرته مشكلة كبيرة تحتاج تكاتف الجهود على مستوى الإعلام والمنصات الاجتماعية الاخرى، ونشر الوعي للحد من الانتشار المجتمعي للمرض من خلال الندوات والمحاضرات والمؤتمرات الصحفية على مستوى الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية والخاصة، والاستعانة بنماذج اصيبت سابقاً في المجال السياسي والرياضي وقيادات في المجتمع لتقديم رسائل قوية لتخفيف خطر الانتشار وسط المواطنين.

دراسة آليات الانتقال

التطورات السريعة لفايروس كورونا المستجد وارتفاع حالات الاصابة دعت استشاري الوبائيات د. عبد السلام كامل ليؤكد ان عدد الحالات الجديدة يمكن لحالة اصابة واحدة قبل انتهاء فترة الحضانة نقل العدوى الى المجتمعات غير المحصنة والمعرضة للاصابة، مشدداً على اعادة دراسة اليات انتقال الفيروس وطبيعة التواصل الشخصي بين الافراد، مبيناً : ( تنتقل الفيروسات التنفسية من شخص لاخر عبر الرذاذ المنبعث من المصاب عند السعال وهو ما يحدث وسط المجتمع الان في كل الاماكن الامر الذي يحتم على الجميع توخي اقصى درجات الحيطة والحذر وتجنب الزيارات والتجمعات العائلية).

من المحررة:

كما يقولون سرير البيت خير من سرير المستشفى وضيق المنزل خير من ضيق النفس والصحة تاج على رؤوس الاصحاء. الحكومة من جانبها سعت لمنع الازدحام داخل مؤسساتها بتخفيض القوى العاملة الى النصف والعمل بالتناوب بل واصدرت قراراً بتأجيل العام الدراسي لمدة شهر ولكنها عجزت عن منع تجمعات صفوف الخبز والوقود والمستشفيات لأنها لم تستطع تقديم بدائل او خيارات لتقديم الخدمات الحيوية.

أما المؤسسات الخاصة فلديها اجراءاتها الاحترازية كذلك ويبقى التحدي الأكبر في منع الاختلاط بالمجتمع إذ من يستطيع أن يقنع النساء بتقديم واجب العزاء عبر الهاتف مثلاً؟ ومن يقنع الرجال ان الخبز ليس ضرورياً ويمكن الاستعانة عنه ببدائل أخرى متوفرة بالبيت؟ ومن يقنع الجميع أن كورونا موجودة فعلاً ومنتشرة وان لبس الكمامة وغسل الأيدي هو أضعف الإيمان لمجابهة الوباء القاتل؟.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى