حكايات (كولومبيا) بالسودان .. مزارع (البنقو) في الردوم..

تقرير : هاجر سليمان

سلط الكمين الذى راح ضحيته مجموعة من منسوبي الشرطة الضوء على محمية الردوم الطبيعية التى تحولت بصورة مفاجئة من محمية طبيعية ترعى فيها الاسود والنمور والافيال والحيوانات البرية، الى اضخم مزارع لزراعة (البنقو) نبات القنب الهندى المخدر والمحظور دولياً لما له من مخاطر لها آثار سالبة على عقول الشباب..
لم تعد عصابات المخدرات كالسابق، بل باتت تشهد تطوراً فى العتاد والسلاح والاساليب المتبعة فى حماية مصدر كسبها الوحيد، ولم يقف الامر عند ذلك بل تحولت حتى ثقافات السكان المحيطين بتلك المزارع واتجهت نحو زراعة الحشيش وتأمينها.

كمين الموت
قبل الكمين الذى استشهد فيه منسوبو الشرطة، كانت قد توافرت معلومات لدى الادارة العامة لمكافحة المخدرات تفيد بان هنالك مخازن ضخمة تحتوى على كميات كبيرة من المخدرات تخص تاجراً مشهوراً له ثقله الاجتماعى والمالى، وان تلك المزارع تقع بمنطقة حفرة النحاس وتبعد نحو (12) دقيقة فقط من منطقة سنقو وهى احدى المناطق المحيطة بغابة الردوم، وتم اعداد قوة ــ وعلى غير العادة ــ اسندت القيادة لضابط برتبة العقيد، حيث جرت العادة ان يقود المجموعة ضباط صغار، ولكن هذه المرة اشرف على العملية ضابط برتبة العقيد، وتم اختيار القوة التى ستنفذ الكمين وتم انتقاء الكوادر بعناية نسبة لخطورة العملية، وتم اختيار كفاءات من منسوبي الشرطة المتخصصين فى دك المخازن وخوض العمليات الخاصة بتجارة المخدرات.
وعلى الرغم من ان الحملة كانت عبارة عن حملة استباقية وان القوة عبارة عن قوة استكشافية، الا انه تم تسليح القوة باسلحة ثقيلة وخفيفة ابتداءً من الطبنجات وبنادق الكلاشنكوف والدوشكا والقرنوف، وتحركت القوة فى الموعد المحدد الى المكان المحدد، ووصلت القوة بعد ان جمعت المعلومات وتأكدت من ان هنالك مخزناً ممتلئاً بالبنقو، وتم دك المخزن وشرع افراد الشرطة فى نقل المخدرات الى متن الناقلات التى احضروها معهم، ولكن فى تلك اللحظة حدث ما لم يكن متوقعاً.
أموال طائلة
وقع خلاف بين التاجر وتاجر آخر كان ينوى شراء البضاعة بالمخازن، ودفع اموالاً بغرض تمويل الموسم الجديد، وكان الخلاف حول ثمن البضاعة، وهنا قرر التاجر الحضور بنفسه، وحينما حضر كان على متن سيارته (البرادو) موديل متقدم، ويحمل معه اموالاً طائلة تقدر بنحو (36) مليار جنيه ــ بالقديم ــ وكان بصدد احضارها لتمويل الموسم الجديد لزراعة الحشيش، وحينما توافرت لديه معلومات بأن الشرطة دكت المخازن قام باطلاق جرس الانذار، واستعان بقواته التى يستغلها فى تأمين مزارعه، وقامت تلك القوة التابعة لعصابة المخدرات بنصب كمين محكم لقوة الشرطة وحاصرتهم واطلقت النار عليهم، وتبادل الطرفان اطلاق النار وسقط (14) قتيلاً من الشرطة بينهم ضابط و(14) جريحاً، وقتلت اثناء الاشتباكات امرأة وطفل، حيث احتمى المهاجمون بالمواطنين واستخدموهم دروعاً بشرية مما ادى لمقتل سيدة وطفل صغير، وقتل ايضاً (11) شخصاً من افراد العصابة اثناء الاشتباكات. وفور مقتل السيدة والطفل وافراد العصابة التابعين لسكان تلك المنطقة، هاج سكان القرية وثارت ثائرتهم ونظموا وقفات احتجاجية على مقتل اهاليهم، وتصدوا للشرطة وحالوا دون ملاحقة الشرطة للجناة، مما اضطر بقية افراد القوة للانسحاب واجلاء الجرحى والمصابين واحالتهم للمستشفى. وتشير المعلومات التى تحصلت عليها (الإنتباهة) الى انه اثناء المعركة احترقت سيارة التاجر وبداخلها الاموال المذكورة، واحيلت عينات من تلك الاموال للمعامل الجنائية، واشارت المعلومات الى ان احتراق مركبة التاجر كان سبباً فى ان استنجد التاجر بسكان المنطقة وقام بتأليبهم ضد قوة الشرطة حماية لنفسه حتى يتمكن من الهروب.
تفاصيل المعركة
وبحسب المعلومات الواردة من ارض المعركة، فإن عصابة المخدرات كانت مسلحة باسلحة قتالية متطورة، وكانت بحوزتها بنادق قناصة ومدافع قرنوف ودوشكا واسلحة ثقيلة اخرى. وكشفت التقارير الواردة ان الشرطة حتى الآن تمكنت من القبض على (19) متهماً بينهم (6) نظاميين ينتمون لاحدى القوات النظامية. وافادت مصادر الصحيفة بان الهجوم تم بالمواتر، وكان كل موتر على متنه (3) اشخاص من افراد العصابة، حيث يكون هنالك سائق الموتر فى المقدمة يليه حامل البندقية ثم حامل المدفع، ونسبة لوعورة المناطق فإن العصابة تستغل المواتر لتأمين تلك المزارع، واشار الشهود الى ان عدداً من منفذى الغارة وعدداً من تجار المخدرات فروا باستخدام المواتر الى افريقيا الوسطى وآخرون فروا الى داخل حدود دولة جنوب السودان. وروى مصدر من سكان المنطقة لـ (الإنتباهة) انه قبل فترة تم ترشيح احد تجار المخدرات المعروفين وانتخابه من قبل سكان احدى القرى المحيطة بغابة الردوم، ليعمل فى مجال الذهب ويكون على رأس قوة تقوم بتأمين وادارة احد اضخم مواقع التعدين الاهلى الغنى بالذهب ويقع بمنطقة حفرة النحاس. وكشف المصدر انه تم تمويل تاجر المخدرات وتمكينه بتخصيص قوات ضاربة تعمل تحت إمرته وقيادته، وتم تسليمه اسلحة متطورة بغرض تأمين مربع الذهب، الا انه بات يستغل تلك القوة المسلحة بكامل عتادها الحربي فى تأمين مزارع الحشيش التى يمتلكها.
حفرة الذهب
وحسبما ورد فإن حفرة النحاس باتت من اغنى المناطق بالذهب، وظهرت فيها انشطة تعدين اهلى متعددة. وتشير الرواية التاريخية الى ان الانجليز منذ عهد الاستعمار وبعد ان تنامى الى علمهم بأن المنطقة غنية بالذهب، قرروا صرف الانظار عنها، وحتى لا يقترب منها احد اطلقوا عليها اسم (حفرة النحاس)، ولكن فى وقت قريب تم اكتشاف الذهب فيها. وطالبت مصادر من سكان المنطقة بتفعيل التعدين الاهلى بالمنطقة كنشاط بديل لزراعة الحشيش (البنقو).
ومحمية الردوم بها طرق وعرة وهي منطقة ذات طبيعة قاحلة، وعلى الرغم من ذلك نجدها تقع على بعد نحو (500) كيلومتر جنوب غربي نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، وهى عبارة عن محمية طبيعية تمتد لمسافات وتقع على حدود دولتى افريقيا الوسطى وجنوب السودان، وهذه المحمية تحيط بها العديد من القرى مثل سنقو وبرام وغيرها من القرى.
وتستغل محمية الردوم الواقعة على اراضٍ وعرة يصعب الوصول اليها فى زراعة نبات القنب المحظور عالمياً، وتتم زراعته داخل الغابة، حيث تستغل مساحات واسعة فى تلك الغابة لزراعة هذا النبات، وتقدر اعداد العاملين فى زراعة الحشيش داخل غابات الردوم  بالآلاف بينهم تجار وممولون ومزارعون وعمال وكوادر مساعدة، بالاضافة الى قوات الحماية التى تدعم عصابات الحشيش وتوفر لها الدعم والحماية، وتتصدى للقوات الحكومية التى تعمل فى مجال محاربة المخدرات.
تصنيع القناديل
وتحتوى كل مزرعة بالردوم على مصنع متكامل لتصنيع البنقو، ويتكون كل مصنع من مطاحن واحواض تخمير واقسام للتصنيع، حيث يتم تصنيع البنقو بعد اضافة مواد متفاوتة مثل العسل والموز او الويكة، بالاضافة الى استخدام حبال تعرف محلياً بـ (الدبارة)، وقطع من قماش الدمورية تستغل فى تصنيع القندول عقب خلط الحشيش باضافة مواد اليه ومن ثم تصنيع القندول، وحسب معلومات مصادر ذات صلة بزراعة الحشيش فإن اسعار البنقو تتراوح وتتفاوت تبعاً لنوعية المواد التى استغلت فى تصنيعه والتى تؤثر على جودته واسعاره فى السوق.
وبحسب الاحصائيات الرسمية للدولة فإن مساحة محمية الردوم تقدر بـ (13) الف كيلومتر مربع، الا انه يصعب تحديد المساحات المزروعة التى تعتبر مساحات شاسعة، وحسب التقارير العالمية فإن المساحات المزروعة بالحشيش تقدر عالمياً بـ (الهيكتار)، ولا يمكن تحديد مساحاتها على الطبيعة الا عبر الاقمار الاصطناعية المتخصصة التى تحتوى على ماسحات بصمة ضوئية لها القدرة على تحديد ومعرفة المساحات التى تستغل فى زراعة القنب، وامثال تلك الماسحات لا تتوافر الا لدى كبريات المنظمات العالمية، وربما منظمة (الفاو) فقط التى تمتلك تلك الماسحات، لذلك يصعب تقدير حجم المساحات المزروعة بالقنب بطريقة عشوائية، كما انه تصعب ابادتها باستخدام الطيران باعتبارها محمية طبيعية، ويحظر دولياً التعامل بالطيران فى مناطق المحميات، كما انه يصعب على المركبات دخولها، لذلك تستغل الشرطة الحمير والدواب للوصول الى تلك المزارع وابادتها.
مصادر التمويل
وبحسب افادات سكان محليين اكدوا ان تجاراً بولايات اخرى يقومون بتمويل مزارعين داخل محمية الردوم ويدفعون اموالاً طائلة لزراعة الحشيش لما لها من عوائد كبيرة، وذكرت مصادر خاصة ان من بين المتورطين فى زراعة الحشيش بمزارع الردوم تجار كبار ورجالات اعمال معروفون باحدى الولايات، حتى انهم اصبحوا جزءاً من واجهات المجتمع ويسهمون فى دعم تلك الولاية واقامة المشروعات فيها وهو ما يسمى (غسل الاموال)، حيث تستغل اموال المخدرات فى دعم المشروعات المحلية واقامة المشروعات الربحية بطريقة قانونية وتدوير الاموال الناتجة عن زراعة القنب الهندى.
واعتبر خبراء ان جميع المشاركين فى زراعة نبات القنب بمحمية الردوم ليسوا سوى عصابات محلية تهدف الى تحقيق مكاسب شخصية وارباح طائلة، بدليل ان القنب يستخدم محلياً ولا تصدر منه الا اجزاء بسيطة يتم تسريبها الى مناطق افريقيا الوسطى او الى حدود جنوب السودان، واشار ذات الخبراء الى ان هنالك عدداً من تجار وممولى زراعة البنقو يقيمون بولاية شرق دارفور، حتى ان اجزاءً كبيرة من انتاج الردوم يتم تخزينه فى مخازن بشرق دارفور.
البيئة والحدود
ويصعب على القوات المكوث بالردوم نسبة لطبيعتها السيئة، وتعيش فيها قبائل بعينها هى التى تقوم بزراعة الحشيش وعمليات التأمين، وقادرة على تحمل الظروف البيئية بتلك المحمية والتعامل معها، كما ان الردوم تكثر فيها الثعابين والعقارب السامة، وكثيراً ما فقدت الشرطة عدداً من منسوبيها بسبب تلك اللدغات السامة، كما تنتشر فيها الاوبئة والامراض الفتاكة، وفوق كل ذلك تطورت اساليب التجار والمزارعين، وباتت هنالك قوات نظامية تقوم بتأمين زراعة الحشيش والتعامل مع القوات الحكومية وادارة المعارك، ونجد ان تلك القوات النظامية مسلحة تسليحاً متطوراً وقادرة على ادارة معارك طاحنة، والدليل على ذلك الحادثة الاخيرة، رغم ان الحملة الاستباقية التى تستمر لاكثر من اربعين يوماً كانت فى بدايتها، لذلك لا بد من تطوير سلاح وآليات الشرطة لتمكينها من التعامل مع مثل تلك العصابات.
وحسب المعلومات الواردة فإنه يصعب التوصل للتجار الحقيقيين اصحاب تلك المزارع، وايضاً كبار المزارعين الذين يستغلون المواتر ويفرون الى داخل جنوب السودان او افريقيا الوسطى، وهو ما يتطلب اتفاقيات ثنائية وقوات مشتركة لمحاربة تجارة الحشيش، وبحسب التقارير الواردة فإن تجار المخدرات يستغلون عربات نظامية لتهريب المخدرات ونقلها من مناطق الزراعات الى داخل الخرطوم والمدن المستهدفة، اضف الى ذلك ان عدداً من كوادر القوات الموقعة على السلام وعقب عودتها للبلاد، انضم عدد من منسوبيها بعتادهم الحربي الى تلك العصابات.
ترتيبات خاصة
وكشف الخبير فى مجال مكافحة المخدرات والعمل الجنائي العميد شرطة (م) د. ابراهيم التجاني احمد، ان الردوم باتت تتطلب ترتيبات مشددة خاصة، لاسيما ان تلك العصابات اتجهت للتنظيم والتطور فى مواجهة القوات الحكومية، ومن المفترض ان تكون هنالك حملات بقوات مشتركة تضم كل القوات النظامية لعملية المداهمة، ويتم خلالها توقيف كل التجار والعصابات خاصة انهم معروفون لدى المكافحة، ومن ثم يتم انفاذ الحملة، ولا بد ان يضم المتحرك قوات مشتركة مؤهلة ومدربة على مواجهة مثل هذه المواقف والتعامل مع العصابات بامكانات عالية، ومنطقة سنقو تضم بعض مخازن البذور والمحاصيل، والآن اصبحت مافيا المخدرات فى مناطق الزراعات تستغل الاوضاع الامنية الحالية والظروف التى تمر بها البلاد، اضف الى ذلك ان تلك المافيا تمتلك المعلومات، ولها مصادر تمكنها من معرفة القوة الحكومية ونوع تسليحها وكل المعلومات المحيطة بها، وهذا الأمر يشير الى ضرورة تمكين ادارة المخدرات بتوفير المعينات اللوجستية والمادية وتوفير السلاح والعتاد الحربي اللازم لمكافحة تلك العصابات.
واضاف الخبير د. ابراهيم انها ليست المرة الاولى التى نشهد فيها معارك مع تجار وعصابات المخدرات، وانه سبق ان وقعت عدة معارك بين الطرفين فى عدة حملات ولكن لم تحدث مثل هذه الخسائر، داعياً الى ضرورة الاهتمام بالادارة العامة لمكافحة المخدرات ودعمها حتى تتمكن من الاضطلاع بدورها كاملاً.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى