8000  مريض في الاستصفاء الدموي.. الفشل الكلوي.. أرقام وقصص حــزيــنـــة

تحقيق: إنتصار فضل الله
بينت إحصائيات الربع الأول من العام 2021م، للمركز القومي لأمراض وجراحة الكلى، أن بالسودان  يوجد حوالي (12.500) مريض مصاب بالفشل الكلوي النهائي، أي ما يعادل حوالي 250 مريضا لكل مليون نسمة، وهو رقم مماثل للمتوسط العالمي، ويخضع حوالي 8.000 مريض من هؤلاء المرضى للمعالجة في الاستصفاء الدموي، وحوالي 80 مريضا يعالجون باستعمال الصافية الجوالة المستمرة، وحوالي 4.300   مريض يعيشون اعتماداً على كلية مزروعة، في وقت تواجه فيه المراكز العلاجية ضغطا كبيرا وقد أصبحت  غير قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المنتظرين للعلاج.
صعوبات عديدة
وتعاني نسبة كبيرة من المصابين بالمرض،  من صعوبة الحصول على العلاج لضعف الخدمات المقدمة وعدم توفر الكادر المتخصص والمعدات الطبية  خاصة في الولايات  والأطراف مما قاد البعض للجوء الى الخرطوم من أجل الاستشفاء ، غير أن زيارة لوزير  الصحة الاتحادي عمر النجيب صالح للمركز القومي للكلى، قد كشفت عن مشاكل تواجه المركز وغيره من المراكز بالخرطوم ،  الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهود لمجابهة المرض والتقليل من حجم الإصابات التي شهدت زيادة مخيفة خلال الربع الأول للعام الحالي مقارنة بإحصائية العام الماضي 2020  حيث بلغ حجم الإصابات (7000) حالة.
إهمال وتجاهل
وشكا عدد من المرضى لـ» الإنتباهة « معاناتهم مع المرض وقالوا إن تكاليف العلاج مرتفعة جدا والخدمات الطبية المقدمة ليست بالمستوى المطلوب مما يضطر بعضهم العلاج بالخارج وهو ما يكلفهم كل ما يملكون من مدخرات  وممتلكات من أجل الشفاء ، واتهم البعض الحكومة بالقصور وعدم الاهتمام بمرضى الفشل الكلوي، وقالوا كل ما يتم تقديمه عبارة عن « مكنة ومحاليل» ، وشكوا من عدم توفر الأطباء بالمراكز الحكومية  وعدم دقة المتابعة  .
معاناة أسرة
(راوية)  في السادسة عشر من العمر ظهرت عليها أعراض المرض منذ ثلاث سنوات والبداية كانت صداعا حادا تبعه تقيؤ مستمر ،  تم تشخيص الأعراض من  الطبيب المعالج بأنها ملاريا مزمنة وبدأت المريضة في  استخدام العلاج حتى مرحلة أخذ «الكينين» ، تقول والدتها حواء حسن ،  لاحظت الأسرة تدهور الحالة  الصحية لابنتهم الأمر الذي منعها من الذهاب إلى المدرسة فقرر والدها  الذهاب بها الى خارج البلاد وتحديدا مصر وهناك اتضح أنها مصابة بالفشل الكلوي . مرحلة صعبة
الحالة النفسية التي أصابت راوية زادت من حجم معاناة الأسرة التي بحثت عن متبرع ولم تجد، وفي النهاية تم التصرف في المنزل الذي يملكونه وكل المدخرات وتمت استدانة مبالغ مالية من المعارف والأصدقاء لزراعة كلية لابنتهم الوحيدة وسط 4 أشقاء يكبرونها سنا ، عادت راوية بصحة جيدة، تقول لـ» الصحيفة» إنها عانت كثيرا واعتبرت مرض الفشل الكلوي كابوس العصر  وأنها كانت مع الأموات ولكن بفضل دعوات والديها وأخواتها تماثلت للشفاء وحاليا تعيش فترة نقاهة على أن تعاود الطبيب بعد شهر لإجراء عدد من الفحوصات.
طفولة هرمة
الطفل  (إيهاب)  في التاسعة من العمر ، ظل يعاني ويلات المرض منذ عامين  ، حيث يمضي ساعات طوالا تحت سيطرة ماكينة الغسيل  وهو يتألم   حتى  تحولت تقاسيم وجهه البريء الى شيخوخة هرمة جراء المرض ، تقول والدته  ظهرت عليه أعراض المرض في منتصف العام 2018م ،  بعد أن أكمل عامه الدراسي الأول أساس ولا تدري ماهي الأسباب لكنها لاحظت شحوبا عاما على  وجهه  وجسده وارتفاع حرارته وكثرة الأعياء ظنت  أنها  حالات عرضية ،  غير أن طبيبا مختصا أخبرها بإصابة طفلها بضمور في الكلى  ولا يمكن إجراء عملية له لصغر سنه وقتها ،  بعدها ظهرت عليه أعراض الفشل بشكل متسارع  ليخضع لعملية الغسيل القاسية .
أنواع المرض
وعرف أطباء مختصون ،  الفشل الكلوي بأنه تدهور في قدرة الكليتين على أداء وظائفها نتيجة إصابتها بعطل  مما يؤدي لتراكم الفضلات وتجمع السوائل لتظهر الأعراض ، ويشير الاختصاصي في أمراض الكلى د. محمد عبد الكريم الى تعدد أنواع المرض وهي الفشل  الحاد ، والمزمن والفشل في المرحلة النهائية، وأوضح أن الفشل الحاد  وهو الفقدان المفاجئ لوظائف الكلى الذي يؤدي لتراكم السوائل والعضلات داخل الجسم يتبعه  اختلال لتوازن  الأملاح  والمعادن بالتالي يزداد احتمال الوفاة بسبب الفشل الحاد خاصة  وسط المسنين والأشخاص الذين يتناولون عقاقير مثبطة لجهاز المناعة وأصحاب الأمراض المزمنة الرئتين والكبد والقلب ، وأردف  يمكن الشفاء منه حال تم التوصل للسبب الرئيسي . داعيا لضرورة الاهتمام بالقطاع الصحي وتطوير مراكز الكلى ودعم المرضى .
عوامل الإصابة
وقال عبد الكريم ، تتمثل عوامل الإصابة بالفشل الحاد  وهو الأكثر شيوعا في  الهبوط المفاجئ لتدفق  الدم في الكليتين وهو أكثر أسباب المرض، ويأتي نتيجة حدوث النزيف الشديد أو الصدمة والجفاف الشديد أو الإصابة بنوبة قلبية وتناول الأدوية المسببة للالتهاب الكلوي أو العقاقير السامة للكليتين اضافة الى فشل وظائف الكبد وتضييق الشريان الكلوي او انسداد مخارج البول من الكليتين في حالات تضخم البروستات أو أورام المثانة وأكد ازدياد الإصابة به وسط مرضى السكري  وضغط الدم ، وأردف « تشمل الأعراض الشعور بالغثيان والتقيؤ وفقدان الشهية والإحساس الزائد بالنعاس وغيرها من الأعراض المنتشرة  ، مشيرا إلى تشابه الأعراض غير أن المزمن يتطلب زراعة كلى وفي حال العدم يؤدي إلى الوفاة مثل الفشل في المراحل النهائية.
تشخيص خاطئ
وتحدثت استشاري أمراض الكلى والمسالك البولية د. إيمان سليمان عن جانب آخر حيث  قالت لـ» الإنتباهة»،  بلغت نسبة الوفاة وسط كل مائة حالة   ( 29%)  العام الماضي ، وإن الزيادة السنوية وسط المرضى بنسبة (٣٥%) أما الزيادة وسط الأطفال من عمر خمس  الى عشر  سنوات   (٢٠%) ،  وبينت أن عددا كبيرا من مصابي الفشل الكلوي بالسودان خضعوا لتشخيص وتناول أدوية علاجية خاطئة أثرت سلبا على الكلى وأدت لحدوث  المرض ، وأشارت الى مايفوق نسبة الـ (60% ) من المرضى  يخضعون للعلاج بالخارج ،  وهو ما يكلف أسرهم مبالغ كبيرة ويدخلهم في طائلة الديون.
من المخاطر
اعتبرت  إيمان ، النظام الغذائي الذي يتبعه البعض أحد المسببات بالاضافة أن تناول الوجبات الجاهزة والاعتماد الكامل على المياه المعدنية ، وأردفت « تعد المياه المالحة من أكبر المخاطر التي تحيط بإنسان بعض المناطق  بالسودان ، وقالت إن الفشل الكلوي محصلة نهائية للعديد من الالتهابات والأمراض التي تصيب الجهاز البولي والتي تظل مهملة العلاج أو لم يوضحها التشخيص الطبي ، وأكدت أن أغلب المرضى لا يتبعون الغذاء الصحي العلاجي  ،  وأوصت بالإكثار من تناول الخضروات التي تقي من المرض مثل « البقدونس « ، وضمت صوتها لمطالبة د. عبد الكريم  وتخصيص نسبة مقدرة من ميزانية الدولة لدعم المرضى.
أثر اقتصادي
وفي تحليله للأثر الاقتصادي على زيادة الإصابة بالمرض يقول  الخبير الاقتصادي دكتور عادل عبد المنعم لـ» الإنتباهة « ،  الوضع الاقتصادي  الصعب بالبلاد والذي يتضمن تضخما جامحا وانخفاضا في قيمة الجنيه لاشك يترك أثرا سالبا ويزيد من معاناة مرض الكلى وهم كثر في بلاد تزيد فيها معدلات  الفقر بصورة كبيرة حتي لو قامت الدولة بد عم مراكز الكلى ، فهنالك تكاليف إضافية يتحملها المريض وذووه من تحاليل وحقن وأدوية ومعاش وتكلفة الانتقال لمراكز الغسيل لذا فسياسات التحرير الاقتصادي للدواء يجب مراجعتها ولابد من دولار مدعوم للدواء حيث أن 80 بالمائة من الشعب السوداني من محدودي الدخل مما يتطلب إنشاء مؤسسة عامة وطنية لاستيراد الدواء وتخفيف العبء على مرضى الفشل ،  ويؤكد ان احتكار استيراد الدواء بدولار مدعوم يحل مشكلة اقتصادية وصحية لقطاع كبير من المواطنين وعلى رأسهم مرض الكلى.
جهود قادمة
مؤخرا شعرت الدولة ممثلة في وزارة الصحة الاتحادية بخطورة الوضع ، فأعلنت عن زيادة عدد المراكز العلاجية والوقوف على المشاكل العميقة، تجلى ذلك خلال زيارة الوزير عمر النجيب ومناقشته مع المدير العام للمركز القومي  نزار حسن زلفو المشاكل التي تواجه المركز من الناحية الإدارية وعلاقته بوزارتي الصحة الولائية الاتحادية بالاضافة لمناقشة   قضية العاملين ولاسيما أن 80% منهم متعاقدون ومتعاونون، وتم الاتفاق على أن يمنح المركز والمراكز القومية الاخرى استقلاليتها الإدارية ويشرف عليها مجلس إدارة ومجلس أمناء تحت رعاية الصحة الاتحادية.
برنامج جديد
وكان مدير المركز قد أشار إلى الجهود التي ظلت تقدمها إدارته في خدمة المرضى على الرغم من ضعف الإمكانيات والوضع الصحي العام، فيما أبدى الوزير إعجابه بالبرنامج الحاسوبي الذي تم تصميمه من قبل العاملين بالمركز والذي مكنهم من حصر المرضى بكل البلاد مع  تحديد أماكن سكنهم  وأعمارهم .
إضراب تقنيي الغسيل
ورغم حديث المدير عن إنجازات إدارته في تقديم الخدمة للمرضى إلا ان الإضراب المستمر لتقنيي الغسيل يعكس خللا في العلاقة بين مراكز الغسيل  وإدارة المركز القومي لأمراض وزراعة الكلى تتمثل في الحقوق والواجبات يدفع ثمنه المرضى بحرمانهَم من الغسيل الأمر الذي لا تطبيقه أجسادهم المرهقة  بسبب المرض ، الأمر الذي يتطلب تدخلا عاجلا من وزارة الصحة والمالية في حلحلة مشاكل مراكز الغسيل، ولفت نظر إدارة المركز القومي للسعي الجاد باتجاه الحلول حتى لا يكون هناك مزيد من الضحايا .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى