في حوار حول قضايا السياسة الخارجية.. وكيل وزارة الخارجية الأسبق السفير عبدالغني النعيم لـ(الانتباهة): قرارات فصلنا من الخارجية دافعها الكراهية والحقـد والتشفـي

حوار: أميرة الجعلي
يعتبر السفير عبدالغني النعيم من الجيل الوسيط للسفراء، حيث التحق بوزارة الخارجية في العام ١٩٨٥ وعمل في سفارات السودان، في جنيف، دمشق، إنجمينا، وسفيرا للسودان في البرازيل. ثم وكيلًا لوزارة الخارجية، وتم ترشيحه سفيرا للسودان لدى بروكسل والاتحاد الأوروبي، وتم فصله بموجب قرارات لجنة إزالة التمكين.  بحكم منصبه رأس السفير عبدالغني الجانب الفني للسودان لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، وكذلك مع الجانب المصري على مستوى اللجنة الوزارية المشتركة. يطوف بنا من خلال هذا اللقاء على علاقات السودان الخارجية، وحصاد مؤتمر باريس والعلاقات مع أمريكا ومصر، بعد التغيير في السودان وقرارات الفصل الجماعي التي طالت السفراء والدبلوماسيين والإداريين، ودور ومستقبل وزارة الخارجية المؤسسة المعنية بتنفيذ السياسة الخارجية ..فإلى مضابط الحوار :
] بداية ما رأيك في مؤتمر باريس خاصة وهل هو إعادة تطبيع لعلاقات السودان مع المجتمع الدولي أم أن السودان لم يكن معزولا عن المجتمع الدولي من خلال موقعك السابق كوكيل لوزارة الخارجية ورئيس الجانب الفني في التفاوض مع الأمريكان، هل بدأتم التطبيع مع   المجتمع الدولي في ذلك الوقت؟
= بلا شك فإن مؤتمر باريس يمثل خطوة مهمة على طريق معالجة قضية الديون وهي قضية ظلت حاضرة في علاقات السودان الخارجية منذ أمد بعيد ،وستسمح القروض التجسيرية لعلاقات مع مؤسسات دولية مهمة على رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الإفريقي، كما أن المؤتمر أتاح فرصة سانحة للترويج للفرص الاستثمارية في السودان وتعهدت العديد من الدول النافذة في المجتمع الدولي بدعم الحكومة الانتقالية وجهودها في مجالات الإصلاح الاقتصادي والتدريب وجذب الاستثمار. ولتحقيق الاستفادة المطلوبة من المؤتمر فإنه لا بد من متابعة التعهدات الدولية حتى تجد حظها من التنفيذ علماً أن هناك مطلوبات قاسية ستلقي بآثارها على مجمل حياة الشعب ومنها رفع الدعم عن الوقود وتوحيد سعر الصرف والذي يعني تخفيض قيمة العملة السودانية كما على الحكومة استكمال الهياكل المدنية للحكم والمتمثلة في المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للنيابة العامة وتنفيذ اتفاق سلام جوبا والكف عن فصل وتشريد العاملين وتحديد موعد قيام الانتخابات والقيام بما يلزمها من إعداد وترتيبات.
] هل يمكن أن تساعد فرنسا في انضمام عبد الواحد محمد نور لعمليه السلام؟
= المأمول  أن تسهم فرنسا، وهي العضو بمجلس الأمن ، وذات المصالح الكبيرة في منطقتنا، في أمن واستقرار السودان وانضمام حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور لعملية السلام والمساعدة في عودة اللاجئين والنازحين وتشجيع الاستثمار والتبادل التجاري.
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن كل ما تقدم سيعتمد بدرجة كبيرة على جهود الحكومة لتحقيق الوفاق الداخلي والمصالحة الوطنية إذ أن التماسك الوطني الداخلي من العناصر الحاسمة لإقامة علاقات دولية متوازنة تحقق مصالحها العليا .
] كنت رئيسا للجانب الفني في الحوار مع الأمريكان، هل كان الحوار في ذلك الوقت أم مجرد مراوغة من الجانب الأمريكي؟
= كان الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية حواراً جدياً  أجازته مؤسسات الدولة برعاية من رئيسي البلدين وبآليات متفق عليها واجتماعات دورية وزارية وفنية .
كانت المطلوبات من كل طرف واضحة وتخضع لمراجعة شهرية ولهذا كانت هناك نتائج عملية للمرحلة الأولى ذات المسارات الخمسة والتي توجت برفع العقوبات الاقتصادية الثنائية وبدأت المرحلة الثانية والتي كان هدفها رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية لدعم الإرهاب، وهذا ما استمرت فيه الحكومة الحالية إلى أن تحقق .
ويبقى بالطبع حتى الآن تفعيل تنفيذ القرارات الأمريكية لجني الثمار المطلوبة حتى لا تكون قرارات قانونية فنية تفتقر للجانب التنفيذي العملي المفيد للشعب.
وبالطبع عملت الحكومة على تحقيق أفضل النتائج من هذا الحوار للأهمية المعلومة والتأثير الكبير للولايات المتحدة هذا مع سعي الحكومة في المحيط الدولي الواسع لتحقيق وحماية مصالح البلاد .
] هل تعتقد أن العامل الخارجي كان سببا في التغيير السياسي الذي حدث؟
= بلا شك فإن البلاد قد تعرضت لضغوط غير مسبوقة من الدول الغربية وحلفائها بالمنطقة إذ عدوا  الحكومة القائمة مهددة لمصالحهم الحيوية، وبالمقابل فإن الحكومة قد ابتدعت لنفسها الوسائل الكفيلة لبقائها واستمرارها والمضي في برنامجها وتحقيق أهدافها إلى أن وصلت كل الأطراف لأهمية الحوار لمعالجة القضايا الخلافية وتحقيق الأهداف والمصالح المشتركة.
وأظن  أن العوامل الداخلية كانت هي العوامل الأهم في التغيير وتضافرت معها في اللحظات الأخيرة العوامل الإقليمية والدولية. ما يجب أن ندركه أن التطور السياسي السوداني منذ الاستقلال مروراً بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في ٢٠٠٥ وحتى آخر عهد حكومة الإنقاذ  قد وصل إلى محطة وطنية عظيمة وهي ترسيخ الاعتراف بالتنوع السياسي والإقرار بالتنافس السلمي على السلطة. والتحدي الآن للحكومة الماثلة هو أن تلتزم بالشعارات المرفوعة وأن تجري مايلزم لتأسيس نظام تعددي يلتزم بحكم القانون وبالرجوع لصناديق الاقتراع والحذر من الانزلاق لدكتاتورية مدنية .
] حسب خبرتك السابقة حيث كنت رئيسا للجانب الفني للجنة الوزارية مع مصر  كيف تقيم العلاقه الآن، وهل يتوجب على السودان ان يختار بين إثيوبيا أو مصر  حليفا له؟
= الخيار الأفضل لهذه الدول الثلاث السودان ومصر وإثيوبيا هو  أن تتعاون أو تتعاون أكثر فما بينها من روابط ووشائج وتأريخ ومصالح عليا مشتركة وتأريخ وجغرافيا كفيل بأن يهيئ كل عناصر الحوار الإيجابي المثمر وأي خسارة لأي طرف هي خسارة للآخرين وعليه لا بد من التحلي بالحكمة والصبر وسعة الأفق لتعظيم الفوائد بما يجلب الخير لهذه المتطقة الإستراتيجية الحيوية وإفريقيا .
] استغرب البعض أن يشملكم قرار الفصل من الخارجية وأنت التحقت بالوزارة قبل الإنقاذ، ما تفسيرك لذلك؟
= ليس لي من تفسير إذ أن هكذا قرار يجب ألا يخضع للهوى وللتفسيرات الذاتية بل يجب أن يكون نتيجة تقصي وتحقيق ومحاسبة وفقاً لقانون الخدمة العامة وقانون التحقيق وقانون المحاسبة. ولم يخضع أي من المفصولين تعسفيا  لأي من هذه القوانين ولكنها قرارات عشوائية دون معايير أو مقاييس دافعها الكراهية والحقد والتشفي ومن اتسم بهذه الصفات الذميمة لا يمكنه أن يقيم عدلاً أو يبني وطناً.
وزارة الخارجية وهي الوزارة السيادية وزارة الاستقلال لها سجلات للعاملين منذ دخولهم حتى المعاش ولها كذلك تقارير لعمل جميع العاملين بالرئاسة والبعثات ولذلك من السهل أن تعرف جهود أي من العاملين وإنجازاته. لقد تعرضت الوزارة لهجمة تدميرية ويمكن زيارة رئاسة الوزارة والاطلاع على أحوال البعثات لتعرف أثر فصل ما يقارب نصف السفراء والدبلوماسيين والإداريين .
] هل لائحة الخارجية تمنح الحق على سحب الجوازات الدبلوماسية من المفصولين؟
=عند بلوغ سن المعاش أو الفصل فإن الجواز الدبلوماسي حق لمن عمل خمسة عشر عاماً ووصل درجة السفير.
المفصولون تعسفياً لم يستكملوا بعد مراحل الاستئناف ومراجعة القرار والقضاء الإداري .
خطوة سحب الجوازات الدبلوماسية  تصرف غير كريم يتجاهل حقيقة أن من حرموا من هذا الحق هم من لم يبخلوا بشيء لخدمة وطنهم بالداخل أو بالخارج، ودونكم تقارير الأداء.
] أين تقف قضيتكم الآن، وهل تثق في آليات العدالة لإنصافكم أم لا تزال العدالة مسيسة؟
= قضيتنا الآن رفعناها لرب العالمين وإنه لناصرنا، أما حكومتنا فإنها تمارس التمييز  وتوصد كل باب لتحقيق العدالة والإنصاف فلجنة الاستئناف لم تكتمل عضويتها وليس فيها من يسمعنا سوى طيبة الذكر د. رجاء نيكولا وهي لا تستطيع أن تجتمع وتقرر لوحدها، ولم نسمع شيئاً بشأن طلباتنا لمراجعة لجنة التمكين، والطريق مقفول أمام القضاء الإداري.
فأين نجد العدالة فليس بالبلاد مجلس تشريعي حتى ولو بالتعيين وليس هنا مجلس أعلى للقضاة ومجلس أعلى للنيابة… لقد شردوا آلاف العاملين ولا يأبه أحد بتسليمنا حقوقنا الفورية وليس هناك من يسأل عن مصير آلاف الأسر والأمهات والشيوخ والأبناء وحقوقهم في العيش الكريم والصحة والتعليم..وعند الله يجتمع الخصوم .
] لماذا صمت المجتمع الدولي عن مجزرة الفصل والاعتقالات…؟
= طبعاً تقصدين بالمجتمع الدولي الدول النافذة وذات التأثير في الساحة الدولية. علينا أن نرى العالم كما هو وليس كما نتمناه أو نشتهيه.. هذه الدول تهتم بمصالحها العليا بالدرجة الأولى وكثير منها يهتم بالقضايا الداخلية مثل قضايا حقوق الإنسان والمسائل الإنسانية والتمييز والفصل التعسفي وغيرها لكيما تمارس بها ضغوطاً على الحكومات لتحقيق أهدافها وأجندتها وهكذا كلما عظمت مصالحها غضت الطرف عن قضايا حقوق الإنسان وغيرها. ومع هذا يعمل المفصولون تعسفياً على إيصال قضيتهم العادلة للدول المؤثرة والمنظمات  الإقليمة والدولية المختصة وغيرها .
] كيف تنظر لوزارة الخارجية كمؤسسة وهل اختيار سيدة سيساعد على في الانفتاح على العالم؟
= وزارة الخارجية بإيجاز شديد وزارة سيادية وهي الذراع التنفيذية للسياسة الخارجية ويتعاظم دورها في مناخ معقد كثيف العلاقات والاتصالات تقوم بالتنسيق بين الجهات السودانية المختصة لتعظيم الفوائد من العلاقات الخارجية المختلفة وتعنى بشئون المواطنين السودانيين بالخارج وتمثل البلاد في المنظمات  والمؤتمرات الإقليمية والدولية بالتعاون مع الجهات المختصة خدمةً وحماية للمصالح القومية والقيم العليا للبلاد. وكلما حظيت الوزارة بدعم قوي من رئاسة البلاد ووزارة المالية وبنك السودان والتعاون مع الوزارات والهيئات والموسسات المختصة ، كانت الوزارة أكثر قوة ونفوذاً ومبادرة في الساحة الدبلوماسية الإقليمية والعالمية.
لا أظن أن اختيار السيدة الوزيرة د.مريم الصادق المهدي قد تم لكونها سيدة وإنما لموقعها وكسبها وخبرتها داخل حزبها الذي آلت إليه وزارة الخارجية. من المؤكد أن الدول والمنظمات تقدر تولي سيدة لهذا المنصب الرفيع الذي يعنى بعلاقات بلادها ووجهها للعالم ولكن الثابت أن الحكم النهائي سيتوقف على السياسة الخارجية المعتمدة للدولة والأوضاع الداخلية في البلاد والمنهجية والأسلوب الذي تدار به الدبلوماسية بما في ذلك الوضع الذي تتميز به الوزارة في داخل المنظومة الحكومية .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى