د. منصور يوسف العجب أبو جن يكتب: من أجل سلام عادل وشامل ودائم في السودان (3)

سمات الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية:

الانتشار الخطير للنشاطات الاقتصادية الطفيلية للدولة وزبانيتها على حساب الإنتاج أضر بالتوازن البيئي ودمر الاقتصاد المعيشي للملايين بالمناطق الريفية النائية من دون توفير البدائل المناسبة لهم. وأدى هذا الوضع لتهميش هذه القطاعات ودفع بأعداد ضخمة منها إلى الهجرة للمدن لتعيش تحت ظروف إنسانية صعبة.

إن تعداد الخرطوم الآن قد تجاوز سبعة ملايين وغالبيتهم إن لم يكونوا جميعاً يعيشون في ظروف قاسية، خاصة بعد تراجع الدولة عن مسؤولياتها التاريخية في تقديم الخدمات الاجتماعية. ولقد زادت نسبة سكان الحضر للسكان بالسودان من 8% في عام 1955 إلى اكثر من 30% عام 1993. كما زادت نسبة سكان الخرطوم لإجمالي سكان الحضر وسكان الشمالية من 30% و32% على التوالي عام 1955 إلى 39% و43% علي التوالي في السنوات القليلة الماضية، ويتوقع أن تزيد نسبة سكان الحضر بالخرطوم بأكثر من 85%. (راجعDavies   H.R.Jص. 34 مجلة الدراسات السودانية لندن).

استياء وتذمر قطاعات واسعة من أداء الدولة مما يهدد بتفتيت السودان.

اتساع رقعة الحرب المدمرة لأجزاء أخرى بالسودان والتي تزيد تكلفتها اليومية عن المليون دولار أدى لموت حوالي مليونين وتهجير 4.3 ملايين كنازحين، كما أدى لتدمير واسع لرأس المال الاجتماعي والإنساني وتدمير البنيات التحتية وإهدار الفائض الاقتصادي، وهجرة أعداد كبيرة لخارج الوطن طلباً للحماية الدولية من الاضطهاد السياسي والديني والعرقي. ونجد الآن على حسب الإحصائيات أن من كل ثمانية لاجئين بالعالم واحداً سودانياً.

وتدنٍ حاد للدخول الحقيقية للمواطنين، حيث سجل معدل دخل الفرد انخفاضاً قدره 40% مقارنة بعام 1998م، ويعاني الناتج المحلي الإجمالي (GDP) من انكماش على الرغم من إنتاج البترول.

وركود اقتصادي بالبلاد أدى لان يعيش اكثر من 95% تحت خط الفقر. وفي نفس الاتجاه توضح إحصاءات منظمة الغذاء والزارعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) إن هنالك حوالى 8.4 مليون سوداني يعانون من عوز غذائي مزمن (Chronic food insecurity) وليس بمقدورهم الوصول للغذاء خاصة بمناطق كدارفور وجبال البحر الأحمر والجنوب وجنوب النيل الأزرق.

انتشار المجاعات والأمراض والأوبئة كالنزلات المعوية المؤدية لموت الأطفال والإيدز والسل والملاريا والعمى الليلي والدودة الغينية والكلزار والغدة الدرقية.

الضرائب الباهظة والتي تمثل الضرائب غير المباشرة التي يقع عبئها على ذوي الدخول الدنيا حوالى 78% من عائد الضرائب.

فوارق حادة في الدخل

ويوضحالبروفيسورمحمدهاشمعوضان 9% يحصلون على 60% من الدخل القومي في الوقت الذي يقتسم الـ 91% الباقون ال 40% المتبقية. وهذا الوضع يزيد سوءاً في غرب البلاد وجبال النوبة والشرق وجنوب النيل الأزرق وجنوب السودان، ويدحض كل الدعاوى الرسمية بالمساواة.

التفاوتات الإقليمية الناتجة عن تمركز نسبة عالية من الدخل القومي والخدمات الأساسية العامة بالمركز خاصة الخرطوم والمدن الكبرى الأخرى. إن الصراع المسلح في العديد من المناطق المهمشة هو نتاج للتنمية غير المتوازنة التي كانت سمة ملازمة للسودان منذ الاستقلال.

معدلات عالية للعطالة لأكثر من 20% من القوى العاملة في وقت انعدم فيه الدعم للسلع الأساسية.

التدني الحاد في الخدمات العامة، حيث تواجه البلاد تدنياً خطيراً في خدمات الصحة والتعليم والخدمات الضرورية الأخرى. وهنالك 33% من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من نقص في الوزن و 34% من عجز في النمو و13% يموتون عند الولادة أي 130 من كل ألف مولود وحوالى خمسة ملايين يعانون من النقص في فيتامين A الذي يؤدي النقص فيه إلى العمى الليلي و75% يواجهون نفس الخطر. كما تعاني البلاد من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب وخدمات التصريف الصحي. وتؤكد الإحصاءات إن 49% فقط يحصلون على المياه الصالحة للشرب و 53% يتمتعون بخدمات التصريف الصحي. إن الآثار السالبة علىي الصحة المترتبة عن النقص في هذه الخدمات المهمة لا تغيب على أحد. لقد تقلصت ميزانية الدولة للصحة إلى 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي مما نتج عنه تقلص في حملات التطعيم من 82% إلى 20% وفي توفير السوائل تعويضاً لفقدانها خاصة وسط الأطفال من سبعة ملايين كيس إلى مليونين (راجع البرنامج القطري لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ( UNDP (Country Programme. أدى التقلص الحاد في ميزانية الدولة للصحة مع ارتفاع تكلفة العلاج بتحويل العلاج الصحي إلى سلعة لصعوبة الحصول علي الخدمات الصحية ومعها فقدان القدرة علي العمل والإنتاج. فالان لا تزيد نسبة الحاصلين علي الخدمات الصحية بالريف عن اكثر من 20%.

العجز المستمر في الموازنة الداخلية والخارجية:

تؤكدإحصاءاتوزارةالماليةوالاقتصادالوطنيالمبنيةعلىتقريربنكالسودانلعام 2000 أن العجز في الميزانية العامة يمثل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي أي حوالى 57 مليون دولار باعتبار الناتج المحلي بالأسعار الجارية يساوي 11.4 بليون دولار أمريكي لعام 2000. وفي نفس الاتجاه سجل الحساب الجاري في ميزان المدفوعات عجزا حجمه 517.47 مليون دولار في عام 2000 علي الرغم من ارتفاع قيمة صادرات البترول والتي بلغت 1240.7 مليون دولار لنفس العام. الشيء المخيف حقيقة هو إهمال القطاعات الأخرى بالتركيز على صادرات البترول ومشتقاته، حيث بلغت نسبة عائدات الصادر من البترول للعائد الكلي من الصادرات حوالى 74.7% عام 2000 في الوقت الذي انخفضت فيه نسبة عائدات السلع التقليدية كالمواشي والصمغ العربي واللحوم والسكر والذرة والى حد ما القطن.( راجع تقرير بنك السودان لعام 2000).

ويعكس ذلك فشل برامج التكييف الهيكلي في رفع الإنتاجية ومن خلالها الصادرات. وعلى الرغم من انخفاض العجز التجاري نسبياً نسبة لتصدير البترول في السنوات الأولى منذ عام 1999 لكن هناك احتمال وارد في المديين المتوسط والبعيد أن ترتفع قيمة الجنيه السوداني ارتفاعاً وهمياً مما يضعف قدرة المنتجات الزراعية على المنافسة في الأسواق العالمية وبالتالي يضر بالاقتصاد الزراعي أسوة بالتجربة النيجيرية، حيث تركز الاعتماد على تصدير البترول. زد على ذلك فإن الاعتماد الشديد على سلعة واحدة كالبترول يعرض البلاد لتقلبات أسعاره في الأسواق العالمية، كما ليس هنالك ضمان لإعادة توزيع العائد منه بصوره عادلة.

انكماش العون الخارجي، حيث انكمش من حوالى 1,129 مليون دولار عام 1985 إلى حوالى 136.5 مليون دولار عام 1997

تدهور الإنتاج الصناعي:

سجل القطاع الصناعي تدهورا في معدلات نموه السنوية من 7.3% عام 1996 إلى 3.1% في عام 1999 (راجع الـ IMF) .

ويعاني هذا القطاع من مشاكل عدة من بينها :النقص في المدخلات وقطع الغيار ، انقطاع التيار الكهربائي، ظروف العمل القاسية، الفساد البيروقراطي، القيود الشديدة، الضرائب الباهظة، انكماش التمويل والمحسوبية في التسهيلات المصرفية، ضعف البنيات التحتية، ارتفاع تكلفة وصعوبة المواصلات، سوء ورداءة التصريف الصحي وهجرة العمالة المدربة. لذلك يواجه القطاع الصناعي ضعفا شديدا في طاقته الإنتاجية التي لا تزيد عن ال30% في احسن الحالات. انعكس ذلك سلبا علي تكلفة الإنتاج وبالتالي أسعار السلع الاستهلاكية، وعلي تكلفة استبدال الماكينات القديمة وعلي إمكانية استيعاب الأعداد الغفيرة من النازحين وضحايا الحرب، وعلي الترابطات الخلفية والأمامية لهذا القطاع مع القطاعات الأخرى الهامة كالقطاع الزراعي.

إن الاستراتيجية المتبعة في هذا القطاع ، تتخذ من مرحلة بدائل الواردات لإنتاج السلع الاستهلاكية نقطة أساسية ، كمرحلة مقررة تاريخيا (historically determined). ولكن التاريخ الاقتصادي للدول المتقدمة صناعيا ، يشير لشئ مختلف . فصحيح أن صناعات السلع الاستهلاكية في هذه الدول التي بدأت فيها الثورة الصناعية ، قد ساهمت مساهمة هامة نسبيا في القيمة المضافة بهذه الدول . ولكن هذه الصناعات أيضا ، قامت في ذلك الوقت بانتاج وسائل الانتاج الخاصة بها ، كما وجدت في نفس الوقت صناعات أخرى لانتاج وسائل الانتاج لصناعات السلع الاستهلاكية . الفهم الخاطئ لهذه الحقيقة التاريخية ، قاد للحيرة الزائفة (false dilemma ) في السودان لاختيار مساره في التصنيع . لذلك كانت الربكة بين تطوير صناعات السلع الاستهلاكية أو صناعات وسائل الانتاج، وبين تطوير صناعة بدائل الواردات أم الصناعات الموجهة للتصدير، وبين الصناعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية أو الصناعات ذات الكثافة العمالية العالية . وفي النهاية كان الخيار لصناعات السلع الاستهلاكية ، الذي صاحبه اهمالا تاما للصناعات الأساسية والمساعدة وضرورة تحقيق التوازن النسبي المطلوب اقتصاديا بين هاتين الصناعتين .

/ وزير الدولة بالخارجية الأسبق

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى