من أجل سلام عادل وشامل ودائم في السودان (11)

بقلم د. منصور يوسف العجب أبو جن/ وزير الدولة بالخارجية الأسبق
إعادة هيكلة جهاز الدولة:
ونعني به الخدمة المدنية والقوات النظامية. كما ذكرنا سابقا لقد عمد النظام الحالي إلى إفراغ جهاز الدولة من غالبية الذين لا ينتمون له بتبنيه نظاما آحاديا ، حزبيا، وعقائديا لا سابق له بالسودان. كما عمل على استبدال الكوادر المؤهلة بعناصر حزبية تقل تأهيلا وخبرة. النظام الحالي اتبع نهج الفاعلية (effectiveness) في تحقيق الهدف ولم يأبه بالكفاءة (efficiency) في الوصول للهدف بأقل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية. استمرار هذا الوضع نتج عنه سوء في إدارة الاقتصاد وتفشي الفساد واعادة توزيع الدخول بصورة غير عادلة، عمقت من تهميش الأغلبية في البلاد وأعاقت الاستقرار السياسي وتحقيق السلام. إن الأمانة العلمية تتطلب نقد وإدانة ممارسات التطهير التي مارستها الأنظمة السابقة وتسيسها لجهاز الخدمة المدنية حتى في النظم الديمقراطية.
عليه لابد من إعادة هيكلة جهاز الدولة على أسس وطنية، ودراسات علمية يتفق حولها، وبإرجاع كل المفصولين عن العمل او تعويضهم خاصة الذين بلغوا سن المعاش.
إصلاح قطاع الخدمات بما فيه القطاع غير الرسمي (informal sector):
يمثل قطاع الخدمات حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي، اي ما يزيد عن مساهمة القطاع الزراعي فيه. وعلى الرغم من ركوده بصورة عامة ، الا ان بعض قطاعاته تنمو نموا سريعا كمجالات تجارة التجزئة (القطاعي) ، والاتصالات السلكية ، والخدمات المالية، والتعليم والتدريب الخاص، والملاهي ، والفنادق والخدمات الأخرى كالإنترنت والبريد الإلكتروني والتي يتوقع لها ان تتسع في المستقبل. من المهم تكامل هذا القطاع مع القطاعات الإنتاجية الأخرى من خلال الاستراتيجيات والبرامج. وكما هو معروف يتمركز القطاع الرسمي للخدمات (formal service sector) في المناطق الحضرية، ويتسم بكثافة الواردات فيه (import intensive) وكثافة المهارة العالية (skill intensive) . ولكن على الرغم من انه يوفر فرصا واسعة لتطوير المهارات لرجال الأعمال بالمدن، إلا ان النمو في هذا القطاع لا يتوقع منه أن يؤثر أثراً مباشرا على إزالة الفقر ، مع تسليمنا بأهمية اتساع شبكة الاتصالات الهاتفية لخارج المدن مما يساهم في تخفيف التفاوتات الإقليمية ويسهل تحويلات المغتربين المالية لذويهم بالريف.
أما القطاع غير الرسمي للخدمات (informal sector) فيمثل جزءً كبيراً من الاقتصاد الوطني، ويشتمل على نشاطات لرفع دخل الفقراء. تمثل هذه النشاطات شريان الحياة بالنسبة للأعداد الكبيرة من قطاعات الفقراء الواسعة بالبلاد. وتعتبر بذلك من اهم الآليات للبقاء ومواجهة المجاعات. وعادة ما تشتمل هذه النشاطات بالريف على العمالة في المزارع الصغيرة المملوكة للقرويين الأقل فقرا، وعلى بيع الحطب وفحم الحطب للوقود والبناء والأعشاب والبرسيم كعلف الحيوانات، وعلى جمع وبيع ثمار الأشجار الخلوية، وعلى حمل وتوزيع المياه، وعلى العمالة المنزلية على أعمال أخرى مشابهة. هذه النشاطات من الممكن ان تعين أعدادا قليلة بالريف في الظروف العادية. اما في ظروف نقص الغذاء ، فالطلب على هذه الخدمات ومنتجاتها ينخفض في الوقت الذي يزداد عرضها. يجب ان نعلم أيضا ان هذا القطاع لا يقتصر فقط على الريف، بل ينتشر بصورة واسعة في المدن . كما انه لا يقتصر على الفقراء . فهنالك العديد من أفراد الطبقة الوسطى من المهنيين العاملين في جهاز الدولة يضطرون للعمل في هذا القطاع في وظائف موازية لوظائفهم كسائقي سيارات أجرة، او باعة. ولكن الغالبية التي تعتمد على هذا القطاع هي الفقراء، خاصة النازحون الذين يوفرون عمالة رخيصة في مجال التشييد ، ويعملون كباعة متجولين. واجه هذا القطاع إجراءات تعسفية من قبل الحكومة، ولكنها لم تنجح في الضغط عليه، وعلى العكس تولد عن ذلك الضغط تحايل على القانون وتشجيع لافساد القائمين على تنفيذه. فعادة ما يتحايل أفراده على نظم الرقابة ، اذا توفر العرض والطلب.
عليه نرى من المفيد في المدى البعيد، التسامح معه وتشجيعه. وذلك للفوائد التي يمكن أن تجنيها الدولة إذا تراكم فيه رأسمال كاف يساعد في تحوله للقطاع الرسمي، او إذا انتعش بالقدر الذي يشجع أفراده على تسجيله للاستفادة من الحماية والفوائد التي تتبع ذلك ، وبالتالي دفع الضرائب والرسوم كمقابل.
لذلك نقترح ان تبنى السياسات الموجهة لهذا القطاع على الاعتراف بأهميته وتشجيع نموه.
من الإجراءات الهامة لتطوير هذا القطاع نقترح الآتي:
توفير التدريب المهني اللازم.
إعادة تعمير المناطق الريفية.
تطوير الصناعات الصغيرة والحرف اليدوية.
كل هذه ستلعب دورا اقتصاديا هاما في تنمية القطاع غير الرسمي.
أهمية السياسة النقدية واصلاح النظام المصرفي:
أ) السياسات النقدية
تلجا الحكومات لاستعمال السياسات النقدية لتنظيم عرض النقود وعرض الائتمان (credit) ، ومستوى وتركيبة (structure) سعر الفائدة، بهدف تحقيق الأهداف الاقتصادية. ولكن تلعب السياسات النقدية في العديد من الدول النامية دورا اقل اهمية من السياسات الضرائبية، نسبة لضعف تطور المصارف والبنية المالية فيها.
عادة ما تهدف السياسات النقدية لشيئين:
التأثير على الطلب الكلي من خلال تنظيم أسعار الفائدة، وتوفير الائتمان وتوزيعه. هذا الدور يعني بالتركيز او الاستقرار (stabilization). لكن هنالك خلاف حول درجة تدخل الحكومات في سياسات التركيز للسيطرة على الأدوات النقدية، ودور السوق في ذلك.
كما للسياسات النقدية أيضا دور في تشجيع النمو. المهمة الأساسية هنا تتمثل في تحويل الموارد لأغراض الإستثمار من المجالات التي لديها فائض في العرض للتي بها طلبً زائدً. وعموما يكون الدافع في عملية التحويل هذه، تحسين الربحية للاستثمار.
ان الوسيلة الأساسية لتطبيق السياسة النقدية هي من خلال التغييرات في عرض النقود. كما هو معروف يحدث التغيير في عرض النقود، عندما يحدث تغيير في الأساس النقدي (monetary base) والمتمثل في حجم العملة المتداولة في الاقتصاد، واحتياطي المصارف التجارية بالمصرف المركزي ، إضافة لعملية خلق الودائع (deposit creation) بالمصارف التجارية. يجب ان نذكر ان عملية خلق الودائع بواسطة المصارف التجارية، مسالة في غاية الأهمية لعملية عرض النقود ومن المهم التحكم فيها.
ب‌) أهمية النظام المصرفي:
يمثل النظام المصرفي عنصرا هاما في ادارة الاقتصاد من خلال السياسات النقدية المقررة للسيطرة على عرض النقود والمرتبطة بدور المصرف المركزي في ذلك، وعلاقته بالمصارف التجارية. هذه العلاقة ترتبط بالموجهات التي يفرضها المصرف المركزي على المصارف التجارية في تحديد حجم ودائعها الائتمانية، واحتياطياتها النقدية بالمصرف المركزي ، والنسبة القانونية بين الاحتياطي والودائع.
عادة ما يسيطر المصرف المركزي على عرض النقود من خلال حجم الائتمان الذي يوفره لقطاع المصارف والحكومة ، وبفرض الاحتياطي اللازم ، وبإقناع المصارف التجارية لتغيير سلوكها.
وللمصرف المركزي أيضا القدرة على تغيير الائتمان بإعادة النظر في التسهيلات المالية المقدمة للمصارف التجارية والمستحقين من المقترضين. يلجأ المصرف المركزي في تحقيق ذلك للحدود الائتمانية ، ولتعزيز احتياطي المصارف بالمصرف المركزي، ولسعر الفائدة المسمى بالفئة القاعدية (base rate).
إن اللجوء للفئة القاعدية ، يقصد منه تحديد مسار السياسة النقدية في واحد من اتجاهين. اما توسعي او انكماشي، وذلك برفع او خفض هذه الفئة. عليه يعمل المصرف المركزي على السيطرة على الائتمان من خلال الفئة القاعدية للمصارف. ففي حالة الرغبة في تقييد عرض النقود، يعمل المصرف المركزي على رفع هذه الفئة للمصارف التجارية. ومن الوسائل المتاحة ايضا للمصرف المركزي للتأثير على الائتمان ، هي بيع السندات الحكومية. تتوقف فاعلية هذا الإجراء على مستوى سوق السندات ونوعيته.
وسيلة اخرى للمصرف المركزي، هي التمويل بالعجز للحكومة، باعتبار المصرف المركزي مصرفا للحكومة. فعادة ما تلجا الحكومة لتمويل عجز الميزانية بالاستدانة من المصرف المركزي.
ان لجوء الحكومة للمصرف المركزي لتمويل منصرفاتها ، يؤدي لزيادة العرض المحلي للنقود من خلال الدفعيات (payments) للسلع والخدمات. ولكن الأثر على عرض النقود الكلي، يعتمد على حجم معامل أو مكثر النقود (money multiplier). من الممكن ايضا ان يؤثر المصرف المركزي على حجم العرض من النقود بتنظيم الاحتياطي المطلوب من المصارف التجارية، وبفرض السقوفات الائتمانية على المصارف التجارية لتقييد امكاناتها في خلق الائتمان.
ويمكن أيضا اللجوء لمعدل سعر الفائدة (interest rate)، الذي يلعب دورا هاما في السياسة النقدية بالتأثير على سلوك الادخار والاستثمار. لكن اللجوء لسعر الفائدة يواجه بمشكلتين:
الأولى ، تتعلق بتحديد مستوى سعر الفائدة، هل يكون عاليا او منخفضا؟ ففي حالة ارتفاع سعر الفائدة باعتبار الشح النسبي لراس المال ، ربما يساعد ذلك في تشجيع الادخار المحلي ولكنه سيضر بالاستثمار لانه يرفع من تكلفته.
المشكلة الثانية، ترتبط باستعمال سعر الفائدة كأداة للسياسة النقدية. فعلى الرغم من الرغبة في تخفيض سعر الفائدة لتشجيع الاستثمار ، لكنه عادة ما يتحقق ذلك من خلال زيادة كمية النقود والتي من الممكن ان تقود للتضخم. عليه فان التوسع النقدي من المحتمل ان يقود بدوره لسياسة نقدية اكثر تقييدا (restrictive monetary policy)، تقود لرفع سعر الفائدة، مما يقيد استعمال سعر الفائدة كاداة للتنمية الاقتصادية في المدى الطويل.
كل هذه الأدوات عادة ما تستعمل على درجات متفاوتة ، اعتمادا على وضع الأسواق المالية ومستوى تطور مؤسساتها. ولكن التجارب توضح ان أنجعها في الدول النامية هي وسيلة نسبة الاحتياطي (reserve ratio) لضبط عرض النقود.
من الضروري أن نذكر أيضا أن من الممكن أن تلجا الحكومة للمصارف التجارية والقطاع الخاص في تمويل منصرفاتها.
ان لجوء الحكومة للاستدانة من المصارف التجارية من الممكن ان يزيد من عرض النقود، في حالة زيادة المصارف التجارية لاعارتها للحكومة من دون ان تخفض سلفياتها للقطاع الخاص. ويمكن تحقيق ذلك اذا كان للمصرف المركزي الاستعداد في زيادة عرض الأصول الاحتياطية للمصارف التجارية او في حالة ان تكون للمصارف التجارية احتياطيات زائدة.
ان زيادة عرض الأصول الاحتياطية بواسطة المصرف المركزي ، عادة ما تنتج عن ضغط المصارف التجارية، او الحكومة او المصرف المركزي نفسه، لتخفيض الآثار المترتبة على مديونية الحكومة على سعر الفائدة او لتوفر التسليف لبقية القطاعات الاقتصادية. بهذه الطريقة يصبح الممول الحقيقي لدين الحكومة، هو المصرف المركزي ، لان زيادة عرض الأصول الاحتياطية يعني قرارا بالتدخل بين استدانة الحكومة وطريقة التسليف بالمصارف التجارية.
أما في حالة لجوء الحكومة للاستدانة من القطاع الخاص، فان ذلك لن يقود مباشرة لتغيير في عرض النقود، اذ ان الهدف الأساسي منه هو تحويل (displace) للاستهلاك والاستثمار الخاص. فالأثر الحقيقي له يعتمد على الموجهات للقطاع الخاص في تمويل الدين الحكومي. وفي هذا الخصوص تعتبر السندات طويلة الأمد ، والتي تمثل أصولا ذات سيولة منخفضة (low liquidity) وعائداً عالياً (high yields)، اكثر فاعلية لتحويل المنصرفات الخاصة (displacing private expenditure) عن التي تعتمد الأدوات قصيرة الأمد.
من المهم ان ندرك أيضا ان عرض النقود في الاقتصاد المنفتح (open economy) يتأثر أيضا بالتغيير في مستوى الاحتياطي من العملات الصعبة. والمرتبط بالعجز او عدمه في ميزان المدفوعات، ونظام تحديد سعر العملة.
(راجع: Paul Cook and Colin Kirk Patrick, macro economics for developing countries, 1990).
من كل ما سبق ذكره تتبين لنا أهمية المصرف المركزي في السياسة النقدية وأهمية العلاقات المؤسسية والمنضبطة بينه وبين الحكومة والمصارف التجارية، لضبط التمويل بالعجز، والسقوف الائتمانية ، وعملية خلق الودائع بالمصارف التجارية (deposit creation)، تفاديا لزيادة عرض النقود وما يترتب على ذلك من تضخم مالي يضر ضررا بالغاً بإمكانات التنمية الاقتصادية بالبلاد.
من المهم ان نوضح ان عملية خلق الودائع بالمصارف كما ذكرنا سابقا، وعدم التقيد في بعض الأحيان بالسقوفات الائتمانية ، مع توفير التسهيلات المصرفية للبعض من عضوية الحزب الحاكم، لعبت دورا أساسيا في تمكين وتصعيد استحقاق الأقلية ، وفي تحريك نشاطاتهم الاقتصادية الطفيلية التي دمرت الطبقة الوسطى والمنتجين الحقيقيين ، وفاقمت من تكاليف المعيشة ، وهمشت وافقرت قطاعات عريضة من جماهير الشعب السوداني. كما أن الإعفاءات الضرائبية الضخمة التي منحت لهذه المصارف المسماة بالإسلامية في وقت من الأوقات ، أهدرت الفائض الإقتصادي بالبلاد .
المتابع لاداء هذا القطاع في فترة السنوات القليلة الماضية ، يتضح له انه استغل استغلالا سيئا ، وأنه اتبع في سياسته التمويلية معاييرً غير علمية ، ومارس فسادا واسعا انعكس في تجاوزات مالية كبيرة. هذه التجاوزات المالية أضرت بالاقتصاد بصورة عامة، وركزت الثروة في مناطق محددة وفي اياد محدودة، كما أضرت سياساته التمويلية أيضا بالمنتجين الزراعيين وأدت لإفقار معظمهم الذين زج بهم في السجون، باستغلال أجهزة القمع غير المحاسبة بالقانون والمتسم بها النظام الحالي.
ان الفساد الذي شهدته هذه المصارف اشتمل أيضا على درجة عالية من غسيل الأموال المشبوهة، وتجاوزات كبيرة في عمليات التسليف. ارتبطت هذه العمليات بدعم النشاطات المخربة والأخرى غير الإنتاجية وتركيزها على تخزين السلع الأساسية، مما فاقم من معاناة الجماهير والتفاوتات الإقليمية. هذه الممارسات غير المنضبطة، أفقدت هذه المصارف ديونا ضخمة على بعض عملائها والتي أصبحت ديونا هالكة، مما افقد البلاد موارداً طائلة. من اهم العوامل المساعدة في هذه الممارسات ، احتكار إدارات هذه المصارف التجارية بواسطة أعضاء الحزب الحاكم والمقربيين منه وتمتعها بإعفاءات مالية ضخمة لا تجد مبررا اقتصاديا لها.
لابد ان نذكر هنا التحقيقات القانونية في هذه المصارف خاصة التي تسمى بالإسلامية في عهد الديمقراطية الثالثة والتي طالت بعض القيادات السياسية آنذاك.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى