ردة فعل القادة إزاء إتهامات الشارع… حمدوك حميدتي أنموذجاً

تقرير: هبة محمود

بينما  يعلق يونيو (الثورة) منتصفه على مشجب الترقب الشعبي، استعداداً لمليونية الثلاثين منه، المنددة بالنظام والداعية لاسقاطه، أعقاب الزيادات الكبيرة على أسعار المحروقات، خرج رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، أمس الأول في خطاب للشعب السوداني ليوضح التداعيات التي دفعت حكومته لإتخاذ القرار. الخطاب على الرغم من الإسهابات التوضيحية، التي جاءت فيه، وعلى الرغم من (عاديته)، إلا أن أكثر النقاط استيقافاً كانت هي الدفوعات التي قدمها (حمدوك) عن نفسه نافياً إتهامه بـ(الضعف) وعدم الإحساس بالشعب، ليبدو لأول مرة ومنذ توليه منصبه قبل ما يقارب العامين غاضباً مما يقال عنه، آبه بصورته لدى شعب هو متخوف من مآلات الفجوة التي بدت تتسع بينه وبينهم، مادفع كثيرون للوقوف حول هذه الجزئية تحديداً، مطلقين تساؤلاً حول من أذا بالجليد لدى رئيس الوزراء؟

حمدوك في خطابه كان أشبه بحميدتي الذي خرج الأسبوعين الماضيين أيضاً مدافعاً عن نفسه مندداً بالإتهامات التي توجه إليه وإلى قواته، ليلتقي الرجلان عند قاسم مشترك واحد مع إختلاف التهم وتوحد الدعومات.

حمدوك ومقام الثورة

ربما هي الأقدار التي جعلت، رئيس الوزراء د عبد الله حمدوك يتسنم هذا المنصب، عقب رفضه تولي حقيبة وزارة المالية في أشهر الإنقاذ الأخيرة. هذا الرفض جعله كبيراً في عين الشارع الذي تحيطه الإنطباعات حول من يرفض المناصب بالمثالية والقوة، ومن هذا المنطلق جاء ترشيحه لرئاسة الوزراء أعقاب سقوط النظام وأيضاً لإنتمائه الحزبي المعروف الذي تلونت به الثورة. جل التوقعات حينها، ذهبت عقب توليه سدة الجهاز التنفيذي إلى أنه سيحيل معه السودان إلى سودان آخر، لا يقل عن أحلام الشباب شيئاً، فكهذا هي التوقعات عند قيام الثورات ترتفع سقوفها، لكن سرعان ما بدأ الحديث تتغير نبراته عن رئيس الوزراء وإنحيازه للمكون العسكري، وقد بدا الأمر يتجلي في أعقاب المليونية التي رفض فيها حمدوك الخروج إلى الثوار الذين طالبوا بملاقاته، وهنا بدأت أسهمه في التناقص. ولعل ما دفع الشارع لتغيير نظرته تجاه د. عبدالله بحسب مراقبين، هو البطء في التعامل مع الكثير من القضايا، ليتضح لهم مع مرور الأيام أنه لم يكن بمقدار ثورتهم، لتبدأ لاحقاً عبارة (شكراً حمدوك) بالتوقف والاستعاضة عنها بـ (يسقط) حمدوك. لكن وبحسب موالين لرئيس الوزراء فإن طبيعته وطبيعة عمله في الأمم المتحدة تجعله يبدو بالشكل الذي عليه، وهذا ما يراه الشباب لا يتسق وثورتهم المدفوع بحماس الغيرة على وطنهم. ووفقاً لمقربين من رئيس الوزراء، فإن طبيعته هي التعامل مع القضايا بهدوء دون التعجل في إتخاذ القرارات، والتعامل بسياسة النفس الطويل، وهو ما يتنافى مع قضايا الثورة.

الشارع يريد

حمدوك في خطابه أمس الأول، وكأنما أراد من خلال نفيه صفة ضعفه القول أنه أراد المحافظة على المكونات السياسية على البلاد، فخرج في خطاب مكاشفة موضحاً ما حدث. وعلى الرغم من شفافيته في الحديث إلا أنه لم يجد استعطافاً من الشارع السوداني، بل ربما جاءت النتائج سالبة وعلت نبرة التهكم.

وبحسب المحلل السياسي نصر الدين بابكر فإن حمدوك خرج غاضباً عندما وصلت غضبة الشارع منتهاها.

وأتهم نصر في حديثه لـ(الإنتباهة) حمدوك بإطلاق الوعود وذلك من خلال وعوده التي أطلقها بوجود معالجات والتي توقعها الشارع في اليوم التالي غير أن ذلك لم يحدث.

وقال: حمدوك وعد بمعالجات، توقعها المواطنون أن تكون فورية، لكن لم تكن سوى وعود.

في مقابل ذلك أجمل المحلل السياسي محمد علي فزاري حديث رئيس عن ضعفه في بعض النقاط.

هذه النقاط بحسب فزاري لـ(الإنتباهة) تتمثل في تناقص شعبية حمدوك لدى الجميع، وإختفاء عبارة (شكراً حمدوك) إضافةً إلى الحديث عن أنه دمية في يد المكون العسكري وإتهامه بعدم إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب،

وقال: رئيس الوزراء أراد من خلال حديثه عن ضعفه القول إن وراء صمته حديثاً وليس ضعفاً، وأنه أزاح الألغام من الفترة الإنتقالية من خلال الحفاظ على مكونات الحكومة المختلفة في ظل وجود فلول النظام السابق والدولة العميقة.

وتابع: هو أراد القول أنه نجح وحقن الدماء بمثالية، لكن المثالية لا تجدي مع الشعب السوداني، لأنه رئيس وزراء ثورة وليس منتخباً والشارع يريد قرارات وليس شكوى.

 قاسم مشترك

ذات الأقدار التي ساقت حمدوك إلى سدة المشهد في الفترة الإنتقالية، هي نفسها التي وضعت النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في ذات المشهد. ولعل هذه الأقدار هي التي جعلت بين الرجلين قاسماً مشتركاً وهو الوقوف في خانة الدفاع عن النفس عقب الإتهامات التي وجهت إليهما وإن كانت الإتهامات التي صوبت نحو حميدتي ينوء عن حملها الكثير. فقد ظل حميدتي ومنذ إنشاء قوات الدعم السريع مثار تهكم الشارع السوداني بمكوناته المختلفة، وإزدادت التهكمات والإتهامات عقب الثورة وضلوع قواته في فض الإعتصام الذي أحال الرجل إلى عدو الشعب. وعلى الرغم من محاولاته الجادة في كسب الشارع إلا أن الإتهامات لم تبرح مكانها ما جعله يخرج الأسبوعين الماضيين مدافعاً عن نفسه وقواته بعد إشتداد الهجمة عليه، ولأول مرة بدا حميدتي شفافاً مع نفسه والشارع حين إنتقد إطلاق لقب (فريق خلا) عليه كما إنتقد الطاعنين في سودانيته.

وطبقاً لخبراء فأن الرأي العام لعب دوراً كبيراً في إذابة جليد قادة الفترة الإنتقالية وإخراجهم عن طوعهم، بخلاف ما كان يحدث في الإنقاذ التي كان يعمد فيها قادتها إلى استفزاز الشارع وإخراجه عن طوعه من خلال التظاهرات، لتتسم الإنتقالية بتبادل المواقف. وقد شهدت الإنقاذ الكثير من عبارات قياداتها الاستفزازية للشارع العام، التي لم تتوقف حتى إبان الإحتجاجات واللحظات الأخيرة من عمر النظام وهو ما ولد كراهية شديدة وبغضاء ظلت موجودة حتى عقب السقوط.

ردة فعل

وفيما يرى البعض ضرورة تحلي القائد بالصبر وعدم الإنجرار وراء الأقاويل والشائعات، يرى المحلل السياسي عبد الرحمن أبوبكر أن الإنسان عبارة عن مادة مطاطية تصل حداً معيناً ثم سرعان ما تنفجر.

ويذهب عبد الرحمن في حديثه لـ(الإنتباهة) إلى أن حديث رئيس الوزراء عبارة عن ردة فعل عقب إحساسه بالاستهداف.

وقال: حمدوك شعر بأنه مستهدف وبالتالي أراد أن يوضح، ولم يتهم أحداً بعينه، سوى النظام السابق.

وتابع: ما حدث لرئيس الوزراء هو تقصير من مكتبه الإعلامي الذي جعله في دائرة مغلقة بعيداً عن الشارع أو همومه وسعى إلى حجب كل المعلومات، ما جعله في نظر الشعب يعيش في جزيرة معزولة.

في سياق متصل يرى المحلل السياسي نصر الدين بابكر أن درجة التعاطف مع حميدتي من الشارع أكبر من درجة التعاطف مع حمدوك على الرغم من شفافية الرجلين.

وقال لـ(الإنتباهة): حديث حميدتي أحس فيه كثيرون بصدقه، وقد وجد تعاطفاً كبيراً رغم أنه أطلقه في فعالية محددة إلا أنه وجد إنتشاراً واسعاً.  

وتابع: في نهاية الأمر نجد أن إتهام حمدوك أخف وطأة بعض الشيء من الإتهامات التي تكال إلى حميدتي والتي وصلت حد هويته، لكن في نهاية الأمر فهما في مركب واحدة وهي الفترة الإنتقالية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى