مقاربة في السياسة وتطوراتها في السودان وإثيوبيا (١-٤)

بقلم: البروفيسور حسن مكي محمد أحمد

بقلم: البروفيسور حسن مكي محمد أحمد
تحاول هذه الدراسة، فهم قضايا الدين والهوية والعرق والقبيلة وكذلك فهم أطروحات الجماعات السياسية وأثر ذلك على البنية الاجتماعية والتماسك الوطني والسلام والتنمية وقضايا الجهل والفقر، ومدى نجاح السياسة في البلدين مواصلة بناء نسيج وطني، يستوعب قضية المواطنة ويسوق المجتمع في اتجاه التماسك ويسخر مطلوبات التدين والهوية والعرق والجهوية في اتجاه التصالح والتسامح والتعافي ويضع الطاقات في اتجاه السلام والتنمية.
معلومات عامة عن البلدين
مساحة إثيوبيا أقل من مساحة السودان بنحو 782 الف كلم2 – أي مساحة إثيوبيا تعادل تقريبا ثلثي مساحة السودان، ولكن سكان إثيوبيا، يعادلون مرتين ونصف سكان السودان، بمعنى أن السودان ليسكنه حوالي أربعين مليون نسمة – بينما تجاوز سكان إثيوبيا مائة وستة ملايين نسمة، والكثافة السكانية في كلم2 في السودان 16.4 بينما في إثيوبيا 92,7 ولغة السودان الرسمية هي اللغة العربية بينما اللغات الرسمية في إثيوبيا هي الأمهرية والإنجليزية، ومع إنه لا توجد إحصائيات دقيقة عن نسب المسلمين والمسيحيين إلا تقديرات متفاوتة، فيمكن القول إن نسبة المسلمين تتجاوز
الـ 90% في السودان بينما تتفاوت التقديرات في إثيوبيا، ولكن يمكن القول أيضاً أن المسلمين قد يكونوا نصف السكان وأن المسيحيين لا يقلون عن 40% والديانات المحلية لا تقل عن 5% ويعني ذلك أن عدد المسلمين في إثيوبيا أكثر من جملة مسلمي السودان ولكن وزن مسلمي إثيوبيا السياسي والثقافي أقل بكثير من وزن مسلمي السودان محلياً وإقليمياً ودولياً.
سبقت إثيوبيا السودان لاعتماد دستور يقوم على الديمقراطية الإثنية، منذ أغسطس 1995م، بينما لا يزال السودان يتعثر في أمر الدستور ويعمل بدستور انتقالي هو دستور عام 2005م، وينص الدستور الإثيوبي بالإضافة إلى اللغتين الرسميتين في إثيوبيا الأمهرية والإنجليزية، إلا أن هناك لغات عاملة على مستوى الحكومات الإقليمية في التعليم والإعلام كلغات الأورومو والعفر والأمهرا والتجرينيا والهراري والسيدامو، والصومالي والولايتا بينما السودان ليس فيه لغة عاملة غير العربية، باستثناء استخدامات الإنجليزية كلغة تدريس لبعض المواد في بعض الجامعات.
ويبدو أن الفقر في إثيوبيا أشد من السودان، كما أن أسعار المواد الاساسية كالمحروقات والدقيق ضعف ثمنها في السودان على ما شهدته إثيوبيا من تنمية اقتصادية في العشرين سنة الأخيرة، لأن الناتج المحلي الإجمالي في السودان يقدر
بـ (117) مليار دولار بينما في إثيوبيا لا يتجاوز الـ (80) مليار دولار، وكذلك تتفاوت متوسطات دخل الفرد ولكنه في السودان قد يكون في حدود ثمانمائة الدولار – وربما في إثيوبيا يكون في حدود خمسمائة الدولار – ويصعب إعطاء أرقام دقيقة لتفاوت القوة الشرائية للدولار في كل من البلدين، كما أن السودان تبدو الدخول فيه متقاربة ولا تفاوت اجتماعي كبير، بينما الوضع يختلف في إثيوبيا التي ما تزال تطغى عليها اقتصاديات التريف، بينما السودان يقوم على اقتصاديات تمدن وتريف وكذلك فإن مدخلات المغتربين والذهب أحدثت تحولات كبيرة في المجتمع السوداني .
الخزانات المائية
في العشرين سنة الماضية ركز البلدان على بناء الخزانات المائية لتوليد الكهرباء- حيث بني السودان خزان مروي وقام بتعلية خزان الرصيرص، ومجمع سدي أعالي عطبرة وستيت ومن السدود المقترحة دال والشريك وكجبار، وبينما اعتمدت الحكومة السودانية على الخبرتين الصينية والألمانية، فإن الحكومة الإثيوبية كذلك اعتمدت على الصين وشركة ساليني الإيطالية.
ومن أهم المشاريع تحت الإنشاء سد النهضة، وهو على مقربة من الحدود السودانية، وكذلك فإنّ على مقربة من الحدود السودانية سد ناكيزي، نهر عطبرة، بالإضافة إلى سدود أخرى على نهر أومو ونهر جبلجل جين وبحيرة تانا ومعظمها لتوليد الكهرباء وإن اكتملت ستكون إثيوبيا قادرة على تغذية السودان وكينيا وربما مصر بالكهرباء.
التجارة وحركة الحدود
انتعشت التجارة في العشرين سنة الأخيرة، نتيجة للربط بالطرق المسفلتة، مابين غندر والمتمة والقلابات حتى القضارف، ومع ازدهار حركة التجارة والنقل، إلا أن السلطات الإثيوبية ظلت تماطل في إكمال ترسيم الحدود، خصوصاً في منطقة إقليم الأمهرا المحاذي لولاية القضارف طمعاً في استكمال سياسة الأمر الواقع والحقوق المكتسبة، القائمة على توسع مزارعي الأمهرة في الاستيطان والزراعة في الفشقة السودانية مما يؤدي إلى احتكاكات بين المزارعين والسلطات المحلية وإن لم تتطور الأمور إلى أزمة بين البلدين .
المسار السياسي وما فيه من ثورات وتحولات وحروب
هل ثمة تشابه في المسار السياسي، خضع السودان لفترتين من الحكم الأجنبي من عام 1821 حتى عام 1885م – أي أربعة وستين عاماً، تحت إدارة والي مصر محمد علي وأبنائه ثم سبعة وخمسين عاماً تحت الحكم الثنائي في إدارة إنجليزية ومجموع ذلك 121 عاماً من الحكم الأجنبي، مما مكن من إدخال إقليم السودان في العالم، حيث أصبح له جيش نظام وإدارة وطنية ونظم حكم مستمدة من ما حدث في العالم من تطور على يد المستعمر وقدر من التعليم الحديث والتنمية كالسكك الحديدية ومشروع الجزيرة والكهرباء من خزان سنار والتوليد الحراري، ولم يشهد السودان منذ استقلاله تحولات سياسية كبيرة سوى تمرد الفرقة الاستوائية في الجنوب أغسطس 1955م والذي لأول مرة يستهدف قتل السودانيين من الشمال، عسكريين ومدنيين ثم تطور إلى حرب أهلية، انتهت بتقرير المصير ثم الانفصال واستقلال دولة جنوب السودان عام 2011م وأصبح لها 32 ولاية وعاصمتها جوبا ولغتها الرسمية الإنجليزية. ومن مشاكلها الصراع القبلي والعرقي، إذ في الجنوب ربما 84 قبيلة 84 لغة.
على عكس السودان، لم تخضع إثيوبيا لحكم أجنبي لأنه كان ينظر إليها دولة مسيحية في محيط إسلامي، ويمكن التاريخ لإثيوبيا الحديثة، التي كانت تعرف بالحبشة عربياًAbyssinian انجليزياً، بمجيء الملك منليك بعد مقتل الملك يوحنا على يد المهدويين في 1889م، بدأ منليك مشروع إثيوبيا الحديثة، وأطلق على الحبشة اسم إثيوبيا، حتى يستدر عاطفة أهل الكتاب المقدس، وإن كان في الكتاب المقدس المعني بإثيوبيا هي مملكة مروي السودانية وعلى أية حال، اختطف منليك الاسم، كما نقل موقع العاصمة من أكسوم وغندور إلى أديس أبابا، كما توسع في فتوحاته جنوبا فضم مناطق المسلمين كهرر وجكجا ومناطق الأورمو وبني شنغول والجنوب .
وتعرضت إثيوبيا منذ موت منليك في عام 1913م إلى أربع ثورات كبيرة، منها التي قادتها الكنيسة القبطية بدعم من القوى الأوربية المسيحية وأدت إلى الإطاحة بوريث منليك ليج أياسو – ومع إنه الوريث الشرعي إلا أنه تمت الإطاحة به لأنه أعلن إسلامه، وتم إحلاله برأس تفري الذي سمي الإمبراطور هيلاسلاسي، والذي قام بتصفية ليج أياسو في ظروف الاجتياح الإيطالي لإثيوبيا 1936.
بعد تحرير إثيوبيا على يد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية 1941م بدأ الإمبراطور هيلاسلاسي مشروع تحديث إثيوبيا، بتحديث الجيش وفتح المدارس الحربية في هرر وأديس والتعليم الحديث وكانت نواته جامعة أديس وكل ذلك في ظل القومية الإثيوبية والهوية الإثيوبية القائمة على فرضيات ثلاث، البعد الشرق أوسطي الناتج من أسطورة تحدر الأسرة المالكة من صلب يهوذا – إذ جاء من صلب سيدنا سليمان عليه السلام بزواجه بملكة مكادا ” سبأ بلقيس ” والديانة الأرثوذكسية في شخصيتها الحبشية واللغة الأمهرية، وجاءت أول محاولة للتخلص من النظام الإمبراطوري حينما كان الإمبراطور في عام 1960 في زيارة للبرازيل، حيث قاد ضابط الحرس الجمهوري منجستو نواي وشقيقه انقلاباً لم ينجح نسبة لتشويش الاستخبارات الأجنبية ولعدم مباركة وحدات الجيش الأخرى، مما أدى لانتحار شقيق منجستو وإعدام منجستو .
ولكن هذا الانقلاب، مكن لانقلاب آخر بعد 14 عاماً وهو انقلاب صغار الضباط (الدرك) بقيادة باطن مثلها منجستو هايلي ماريام في عام 1974م – وتم إخراج الانقلاب تحت قيادة ضابط كبير هو أمان عندوم ” من أصول إريترية ” والذي تم تصفيته وحل محله تفر بنتي والذي تمت كذلك الإطاحة به والجنرال اوكيلو لإفساح الطريق لقائد الانقلاب الحقيقي منجستو هايلي ماريام، والذي قتل الإمبراطور ودفنه في مرحاض القصر في عام 1974 ورغم بشاعة نظام منجستو واعتماده لغة الحديد والنار والتصفيات والحروب المستمرة في إريتريا إلا أنه في الواقع مثل أول خطوة في سبيل إقامة دولة وطنية إثيوبية علمانية اشتراكية، ومثل ذلك ثورة كبيرة، حيث تمت تصفية الإمبراطور وأعوانه والإقطاع، وتملك ثرواتهم وأراضيهم للدولة كما تمت مصادرة أراضي الكنيسة التي تعادل ربما ثلثي أراضي إثيوبيا وتمليكها للتعاونيات، ولعل إصلاحات منجستو هي التي فتحت الأبواب للقوميات الإثيوبية لارتياد مطلوبات المواطنة الإثيوبية بعد أن كانت كأنها مفصلة على قوميتي الأمهرا والتجراي .ولعل أكبر المصائب التي جرها نظام حزب العمال الاشتراكي ولجنته العسكرية بقيادة منجستو وأصبحت لها تأثيرات مصيرية على حركة الدولة الإثيوبية.
الحروب المستمرة وتجييش الجيوش المستمر على إريتريا والتجراي، مما أدى إلى إنهاك الجيش وفقده لصفوة الضباط، مما سهل مهمة حركة تحرير التجراي وتحالفاتها لإلحاق الهزيمة المرة بالدولة الإثيوبية عام 1991م وتصفية الجيش الإثيوبي وقياداته لأول مرة في تاريخ إثيوبيا .
ثانيا: سلط نظام منجستو استخباراته على المجتمع السياسي الإثيوبي بما فيه من نخب وطلاب وتمت تصفية الأحزاب السياسية وقاداتها، مما أدى إلى فراغ سياسي ملأته حركة القوميات والعرقيات والجهويات، وما عاد هناك تنظيم سياسي موحد للرابطة الإثيوبية.
ثالثا: بما أن المسلمين موجودون في القوميات، جاءت حركة القوميات بالمسلمين، عفر، صوماليين، أورمو، قرافي، هررين وأصبح لأول مرة هناك وجود مركز للمسلمين في الوضعية الإثيوبية التي كانت تقرأ كوضعية مسيحية خالصة لا وجود لمؤثر إسلامي فيها.
( قراءة مقارنة في الستين سنة الأخيرة عن أوضاع البلدين).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق