رشحته الجبهة الثورية.. ترشيح (حميدتي) لجائزة نوبل للسلام.. مغامرة أم حظوظ منطقية؟!

الخرطوم: أحمد طه صديق

أعلنت الجبهة الثورية تحالف السودان بقيادة خميس عبد الله، ترشيح النائب الأول لرئيس المجلس السيادي، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) القائد العام لقوات الدعم السريع لنيل جائزة نوبل للسلام هذا العام، وذلك للجهد الكبير الذي بذله وقام به في تحقيق السلام بدارفور وإقناع حركات الكفاح المسلح بالانضمام لمفاوضات سلام جوبا.

ووصف الجنرال فرح رزق القيادي بالجبهة الثورية تحالف السودان بقيادة خميس عبد الله (حميدتي) برجل السلام الأول في السودان، وأنه بعزيمته وإصراره وجهوده الكبيرة تحقق السلام.

وعبر هذه المساحة نطرح تساؤلات حول حظوظ الترشيح من عدة نواحٍ ونقدم تعريفاً للجائزة وشروطها، لكننا في البدء سنقدم لمحة من سيرة المرشح للجائزة محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع.

من التجارة إلى الحرب

بحسب المصادر وُلد محمد حمدان دقلو عام 1975 في قرية الرزيقات وترعرع هناك. وانقطعَ عنِ الدراسة في سنّ الخامسة عشرة بعدما توجّه لممارسة تجارة الإبل والقماش وحماية القوافل. وعُرفت عنه في طفولتهِ قيادته لمجموعة صغيرة من الشباب التي كانت تعملُ على تأمين القوافل وردع قطاع الطرق واللصوص. وخِلال تلك الفترة كان محمد دائم التنقل بين تشاد وليبيا ومصر تارةً لبيع الإبل وتارة أخرى لحماية القوافل، فنجحَ في جمعِ ثروة كبيرة مكّنتهُ في وقتٍ لاحق من تأسيس مجموعة مُسلّحة عرفت لاحقاً بقوات الدعم السريع، وزادت شهرتها خاصّة بعدما استعان بها الرئيس المخلوع عمر البشير لمقاتلة حاملي السلاح ضد الحكومة في ولاية دارفور، وصارت قوّة موازيّة مكوّنة من حوالى (40) الف مُقاتل ومجهزة بالعتاد والسلاح.

وبالرغم من أن مقاتليها لم يتلقوا كورسات في اسس قيادة الحرب وتكتيكاتها، لكن الدعم السريع بقيادة دقلو التي اعتمدت على عنصر السرعة والمباغتة وجرأة الاقتحام دون التفات للخسائر، شجعت حكومة المركز آنذاك على تقديم دعم كبير لتلك القوات، بل مكنت قائدها حميدتي من أن يكون من المقربين للبشير.

وكان دقلو القائد العام للقوات يرفض آنذاك تدخل القوات المسلحة في قيادة قواته أثناء العمليات، ويرى أن طريقتهم العفوية في القتال تتناسب مع مقدرات قواته.

حرب اليمن

ومنذ عام 2015م تحوّل محمد حمدان دقلو إلى لاعب مهم في السياسة الإقليمية، حيثُ دفعَ إلى مشاركة السودان في حرب اليمن من خِلال قوات الدعم السريع. وفي سبتمبر 2017م صرح دقلو بأن (412) جندياً سودانياً قد قتلوا في الحربِ باليمن.

وبعد أن قامت التظاهرات الشعبية بإسقاط البشير من سدة الحكم، علت الأصوات المطالبة برجوع القوات السودانية من اليمن، لكن دقلو ــ بصفته نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي ــ صرح بأن القوات السودانية ستبقى مشاركة في التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن حتى تحقق أهدافها هناك.

كما شارك في إيقاف ما يعرف بالاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، وهي خطوة وصفها البعض بأنها تمثل تحالفاً بين الدعم السريع والاتحاد الأوروبي الذي تقلقه الهجرة غير الشرعية، الا إن الاتحاد نفى أي تعاون بينه وبين حميدتي، في حين مصادر نقلت أن حميدتي هدد بوقف مكافحته لتجارة البشر والهجرة غير الشرعية ما لم يعترف الاتحاد الأوروبي بهذا الأمر، غير أن الاتحاد الأوروبي لم يرضخ لكنه كما يقول المراقبون إنه يدعم تلك التوجهات وإن لم يفصح عنها علناً.

حميدتي بعد ثورة ديسمبر

عندما اتفقت اللجنة الأمنية في نظام البشير المخلوع التي تضم قيادة الجيش والأمن والشرطة على الاستيلاء على السلطة بعد التظاهرات القوية التي انتظمت في البلاد في العاصمة والولايات ثم اختتمت باعتصام المتظاهرين في محيط القيادة العامة، في ذلك الوقت اتفقت اللجنة مع رئيس قوات الدعم السريع للمشاركة في إنجاح عملية تسلم السلطة وتأمينها.

وبعد رفض الثوار تنصيب الفريق ابن عوف كقائد للمجلس العسكري تقدم باستقالته وتسلم الفريق عبد الفتاح البرهان السلطة وهو المقرب من الفريق حميدتي قائد الدعم السريع، وبعد فترة قليلة تسنم حميدتي منصب نائب البرهان في مجلس السيادة بعد تكوينه عقب التوقيع على الوثيقة الدستورية.

حظوظ الترشح للجائزة العالمية

من المتوقع أن تقدم الجبهة الثورية تحالف السودان بقيادة خميس عبد الله ترشيح محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع للجنة الجائزة في دولة النرويج بواسطة إحدى المنظمات، علماً بأن لجنة الجائزة لا تفصح عادة عن أسماء المتقدمين لكنها تعلن فقط أسماء الفائزين سواء كانوا أفراداً أو منظمة معنية بحقوق الانسان وتدعيم السلام، مثل المنظمات الحقوقية أو منظمات الأمم المتحدة، وربما يرى بعض المراقبين أن جبهة تحالف السودان ربما ارادت بإعلان نيتها من أجل تثبيث مواقف سياسية أكثر من كونه موقفاً جاداً ستقوم به بالفعل.

لكن في حالة أن تم الترشيح وسلم إلى الجهة المشرفة على الجائزة، فمن المنتظر أن تستند الجهة المقدمة للطلب لعدة أشياء تدعم بها موقفها لعل في طليعتها هي دور حميدتي في قيادة مباحثات السلام مع الحركات المسلحة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وتوقيع اتفاق السلام بمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان.

وكذلك ربما تستند لبعض تصريحاته المؤيدة للسلام. وفي الخامس عشر من شهر نوفمبر 2020م نشر حميدتي فيديو كليب على صفحته الرسمية بالفيسبوك باسم (السلام سمح) يحكي عن حياة الحرب والدمار، ويدعو للتسامح ونشر السلام والتسامي على الخلافات وتوطيد ثقافة السلام وتحقيق الأمن.

كذلك حديثه في لقاء بقناة (سودانية 24) قال: (إن النظام كان يخطط لتصفية المعتصمين بالقيادة العامة، وإنهم حركوا دبابة لهذا الغرض لكننا اوقفناه، ولولا ذلك لتحول المعتصمين إلى رماد)، بالاضافة إلى تصريحاته بحماية الفترة الانتقالية، الا إن التصريحات عادة يمكن أن تستأنس بها اللجنة لكنها لا تعتبرها قرينة قوية تحتكم اليها، مما يعني أن المراهنة القوية تتمثل في مساهمة حميدتي في قيادة عملية السلام بجوبا، بالاضافة لمشاركته في عملية مكافحة تجارة البشر والهجرة غير الشرعية، لكن هناك عقبات أخرى نفصلها في الآتي:

عقبات في الطريق

لعل أكثر العقبات التي تواجه فوز دقلو بالجائزة الاتهامات التي طالت قواته إبان مشاركتها في قتال الحركات المسلحة ضد النظام البائد، حيث وجهت لها بعض المنظمات الدولية اتهامات بالقيام باعمال انتهاكات في دارفور، حيث قالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) الحقوقيّة في بيان في أحدِ تقاريرها: «إنّ قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي مُتهمة بارتكاب عددٍ منَ الانتهاكات، فضلًا عن سمعتها السيّئة في دارفور وفي مناطق أخرى»، فيما طالبت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين المحكمة الجنائية الدولية بإدراج محمد حمدان دقلو ضمن قوائمِ المطلوبين لدى المحكمة وتقديمه للعدالة، غير أن المحكمة الدولية لم تدرج دقلو في اجندتها.

كما أن الاتهامات التي وجهت لقوات الدعم السريع بفض الاعتصام الذي قتل فيه الثوار المعتصمون بوحشية وتعرض بعضهم للضرب والاغتصاب، قد تكون لها تأثير لكنه ليس قاطعاً، باعتبار أن لجنة التحقيق لم تحدد حتى الآن الجهة التي ارتكبت المجزرة.

كذلك فإن مشاركة قوات الدعم السريع في فض التظاهرات بعد فض الاعتصام والتي وثقتها صور الفديوهات، قد يكون لها تأثير سلبي على حظوظ دقلو في الجائزة بالرغم من أنه صرح في حوار تلفزيوني سابق قائلاً: (إن التجاوزات الفردية قد تحدث من قوات الدعم السريع وإنها ليست ملائكة، لكننا نقوم بالتحقيق والمحاسبة)، كما أن الناشطين وجهوا اتهامات لقوات الدعم السريع بأنها شاركت في قمع تظاهرات 2013م، وهو ما نفاه حميدتي في لقاء تلفزيوني، ووجه كما تقول المصادر اتهامات مبطنة لقوات جهاز الأمن آنذاك.

غير أن هذا الاتهام حتى وإن كان صحيحاً لكنه لا يشكل بينة قوية، سيما ان المشاركين في اعمال القتل عن طريق القنص كانوا على متن سيارات بدون لوحات كما أشار رئيس لجنة الدفاع في نظام المخلوع في منصة البرلمان.

جائزة نوبل للسلام

تمنح جائزة نوبل للسلام سنوياً في العاصمة النرويجية أوسلو في العاشر من ديسمبر من قبل اللجنة النرويجية لجائزة نوبل، ومنحت لأول مرة سنة 1901م.

ويتم اختيار المترشحين للجائزة من قبل هيئة يعينها البرلمان النرويجي، وذلك حسب وصية نوبل، حيث يتم منحها للذين (قاموا بأكبر قدر أو أفضل عمل للتآخي بين الأمم، من أجل إلغاء أو تخفيض الجيوش الدائمة، ومن أجل الحفاظ على السلام وتعزيزه).

وتُعرف جائزة نوبل للسلام بأنها جائزة تمنح للشخصيات أو المجموعات التي تسعى لتحقيق هدف ترسيخ وتنمية علاقات الإخاء بين الأمم، ونشر قيم السلام والخير والإنسانية، وتشمل حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية والحرية والنضال من أجل السلام، وتمنح الجائزة وفقاً لرغبات ألفريد نوبل ضمن خمس جوائز مذكورة في وصيته.

وذكر موقع نوبل للجوائز أنه يجوز تقديم الترشيح لجائزة نوبل للسلام من قبل أي شخص تتوفر فيه معايير الترشح، ولا يشترط خطاب دعوة للتقديم، حيث أنه لن يكشف أسماء أو أية معلومات عن المرشحين حتى بعد مرور (50) عاماً.

ويتم منح الجائزة لشخصيات صاحبة تاريخ عريق في نشر السلام والعمل الإنساني والنضال ضد القمع السياسي أو الدفاع عن تساوي الحقوق والحريات بين المواطنين مثل مارتن لوثر كينج، الأم تيريزا، الأبرت شفايتزر، وتعتبر عملية الترشيح صالحة إذا قدمت من قبل شخص يندرج ضمن فئة من الفئات التالية:

ــ أعضاء المجالس الوطنية وحكومات الدول.

 ــ أعضاء المحاكم الدولية.

ــ عمداء الجامعات وأساتذة العلوم الاجتماعية والتاريخ والفلسفة والقانون، ومديرو معاهد البحوث للسلام، ومعاهد السياسة الخارجية.

ويمكن أن تُقسم الجائزة على اثنين أو ثلاثة من الأفراد أو المؤسسات التي تقدم خدمات إنسانية للأمم وتتبع الاساليب الدبلوماسية، ووصل عدد المرشحين للجائزة هذا العام الى (273) مرشحاً، (68) من المنظمات و (205) من الأشخاص، ويعتبر هذا الرقم هو ثاني أكبر عدد من المرشحين أكثر من أي وقت مضى، بعد عام 2014 الذي تقدم فيه (278) مرشحاً لجائزة نوبل للسلام.

ويتم اختيار الفائزين بجائزة نوبل للسلام من قبل لجنة يعينها البرلمان النرويجي، ويتم اختيار الفائزين بالجوائز الأخرى من قبل المؤسسة الأكاديمية السويدية، وينعقد الاجتماع الأول للجنة بعد الموعد النهائي للترشح في الاول من فبراير لتقديم الترشيحات، ويقدم الأمين الدائم للجنة قائمة المرشحين للعام، ويجوز للجنة إضافة المزيد من الأسماء إلى القائمة لتبدأ مناقشة مرشحين معينين، وتوجه اللجنة قائمة قصيرة تحتوي على (20) إلى (30) مرشحاً للنظر بأكثر شمولية.

وتتكون هيئة من أساتذة الجامعات النرويجية والمستشارين لتضع بعد عدة أشهر تقاريرها حول من يستحق الجائزة، وتُعرض تلك التقارير على اللجنة التي عينها البرلمان النرويجي لمناقشة مستفيضة عن المرشحين، وتصل اللجنة لقرار في الاجتماع الأخير للإعلان عن الفائز بالجائزة في بداية شهر أكتوبر من كل عام.

اتهامات بتحيز الجائزة

افتتح كتاب (خيانة نوبل) Betraying the Nobel  بتفجير من مايكل نوبل، حفيد ألفريد نوبل مؤسس جائزة نوبل العالمية، رئيس مجلس إدارة جمعية عائلة نوبل لمدة (15) عامًا، أن معهد نوبل للسلام قد خان الشروط الأصلية لإرادة ألفريد نوبل ونواياه. فعملية الاختيار التي يعتمدها سطحية للغاية ويقول: (أصبحت الجائزة تعكس المصالح السياسية الخاصة للجنة النرويجية، في حين شمل الفائزون السابقون إرهابيين معروفين سيئي السمعة). وأشار إلى انشطة شملت الجائزة خارج إطارها المعروف بالمساهمة في توطيد السلام.

وعليه ربما يراهن البعض على المراهنة على تلك التحولات السلبية التي صاحبت معايير الفوز بالجائزة، والتي لا تنفصل بالطبع عن تقاطعات التوازنات والمصالح الدولية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى