سليمان الماحي يكتب: يستصرخون الوطن

من المؤكد أن أعداء الثورة أينما كانوا  وخصوصا (الكيزان) هم أكثر الناس ارتياحا  الان والسبب في ذلك ما يشهده الوطن طولا وعرضا من الإخفاقات غير المسبوقة التي طالت كل مناحي الحياة معيشيا واجتماعيا وسياسيا  وأيضا أمنيا وتلك وغيرها شكلت عنوانا بارزا للفترة الانتقالية بقيادة د. عبدالله حمدوك ورهطه من القحاطة والمكون العسكري الذين ما فتئوا ينهكون المواطن بأزمات اقتصادية طاحنة  ولا يعبأون بالبحث عن حلول علاجية لها وهو الشيء الذي أسفر عن تذمر شعبي واسع لم يتردد المواطنون في الافصاح عنه قولا أو شعرا في الجلسات والمقابلات والمناسبات وأيضا عبر مواقع التواصل الاجتماعي .

من الواضح  تماما أن تلك الأزمات  بلغت ذروتها باجراءات وقرارات  تزيد الطين بلة من قبيل رفع الدعم عن الوقود  وانقطاع الطاقة الكهربائية عن ربوع البلاد وانعدام  مياه الري عن مشروع الجزيرة وهو الشيء الذي انعكس بحالة إحباط  باتت تسيطر على المواطن داخل وخارج السودان وتعاظمت المأساة عندما لم  يجدوا بارقة أمل في نهاية النفق تعزز لديهم حلم العبور الذي كانت تبشر به حكومة الفترة الانتقالية كمرحلة  لتحقيق الطموحات الوطنية وإيجاد حلول مقنعة لمعاناة الوطن والمواطن وان بدا الشعب السوداني الان على قناعة راسخة  بان القادم ربما يكون الأسوأ ومن شأنه أن يثقل كاهل المواطن بالمزيد من المصاعب فيبلغ به الحال ما يجعله يحاكي ظريف مدني  (كلك وأري اللو).

ونتيجة  لقساوة مصاعب الحياة  وتفاقمها بصورة مستمرة فقد عيل  صبر السودانيين على العيش في وطن بات  طاردا بامتياز فلا طعام يحميهم الجوع ولا أمن  يجنبهم الخوف ولا أمل عندهم في قيام دولة الديمقراطية  المدنية التي خرج الشباب لأجلها وضحوا بدمائهم في ثورة حملت شعارات (حرية سلام عدالة).

لكن عندما لم يجد الكثيرون في وطنهم  من خيار اخر أمامهم فقد اثروا النجاة من لهيب  المعيشة برمضاء الاغتراب فمنهم من حط رحلهم على أرض الاغتراب ومنهم  من لم يصل أو هو لقي حتفه غائصا في أعماق البحار وتلك كانت هجرة اجبارية  قاسية من غير اكتراث للأخطار المحتملة وإنما كان المهم هو الرحيل إلى حيث  العيش بهدوء .

والمتصفح لمسيرة  الوطن في الفترة الأخيرة   يجدها حبلى بالكثير من المتاعب   المزعجة بعدما خطر للناس انها صفحة من الماضي  تم تمزيقها مع زوال نظام الانقاذ و لعل أبرز  تلك المتاعب ضنك المعيشية التي عنوانها صفوف الرغيف والغاز ووقود السيارات وانقطاع الطاقة الكهربائية والدواء  والأمن وشح المياه في العديد من المناطق وان بدت أشد قساوة في أحياء أم درمان ومدينة الأبيض وفي مشروع الجزيرة  لا يزال المزارعون يستصرخون بصوت مسموع عن الفشل يلاحق خططهم الزراعية نتيجة جفاف الترع والجداول .

وليس  بالبعيد عن تلك المتاعب المؤلمة  القومسيون الطبي حيث يتجمهر الناس الذين  جاءوا من كل حدب بعيد وقريب طمعا في الحصول على شهادة الخلو من ( كوفيد – 19  ) والمشكلة العويصة هي تتمثل في أن الحصول على تلك الشهادة تحتم على الباحثين عنها رجالا أو نساء خوض معركة  الازدحام أولا ثم مواجهة استهتار موظفي القومسيون الطبي ثانيا وما بين هذا وذاك يواجه أبناء الوطن الكثير من  الممارسات التي تمثل ضربا من الإهانة والإذلال وفي الغالب الأعم يغادر الجميع القومسيون ( بخفي حنين ) مما يضطرهم  للعودة يوما بعد اخر وتلك هي (أم المشاكل ) لمن جاءوا من الأقاليم فهم يفترشون أرض ألقومسيون كخيار أقل كلفة مادية وبدنية من العودة إلى ديارهم  وبالنسبة لمن هم على موعد قريب من السفر خارج السودان فهؤلاء يتعذر عليهم ذلك بسبب عدم حصولهم على شهادة الكورونا بحسب قولهم أنفسهم.

والحقيقة أن  الازدحام الفظيع  أمام القومسيون الطبي وما  يرافقه من ممارسات ضارة بمصالح المراجعين يرسم  صورة سيئة للطريقة التي يتعامل بها القائمون على خدمات الدولة مع  المواطنين وبخاصة إصدار شهادة كورونا حيث لا خدمات فورية ولا نظام  ولااحترام والمشكلة الأسوأ من كل ذلك التلكوء في إصدار تلك الشهادة وهو ما كان سببا في إلغاء حجوزات  السفر لكثير من الناس علاوة على الغرامات التي تفرضها شركات الطيران على التذاكر غير المستخدمة في الوقت المقرر للسفر.

والقومسيون الطبي  هو الوجهة الرسمية التي  تزود الراغبين في السفر خارج البلاد  بشهادة تثبت خلوهم من الاصابة بمرض ( كوفيد -19 ) وتكتسب تلك الشهادة أهميتها من كونها  تعد رسمية ومعتمدة لدى الجهات المختصة في الخارج في حال صدورها من القومسيون الطبي ونتيجة  لعدم وجود جهات أخرى تصدر تلك الشهادة فإن من شأن ذلك يكون سببا في حدوث الازدحام وفوضى الممارسات والظواهر  السالبة مثل الواسطة والمحسوبية والرشاوى وعلى ذكر الرشا وى فقد انتشرت كخدمة تقدمها بعض الجهات من خارج القومسيون ن  لمن يرغب في الحصول على شهادة كورونا وذلك مقابل رسوم تتراوح ما بين 20 إلى 40 ألف جنيه وفقا لما يذكر بعض مراجعي القومسيون الطبي.

إنه لأمر غريب حقا ان يكون السودان هذا الوطن الأفريقي العربي العريق الذي أنعم الله على أهله بأرض خصبة واسعة  وسماء تمطرهم ماء عذبا سنويا فيزرعون ويأكلون ويشربون ويتمتعون بحياة مستقرة يهنأ المواطنون فيها بالكثير من النعم  التي تمكنهم من العيش بهدوء لكن المصيبة أن يتحول السودان إلى بيئة مشحونة بالمتاعب التي يكون من الصعب على أهله العيش فيه  ولعل الأكثر غرابة من كل ذلك أن يكون السودان ساحة مخيفة بعد الثورة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى