منصور يوسف يكتب: نحو سلام شامل وعادل في السودان (14)

د. منصور يوسف العجب أبو جن/ وزير الدولة بالخارجية الأسبق
الدخول الممرحل في السوق العالمي :
الحجة الإقتصادية لذلك ، تركز على أهمية الإستقرار السياسي للإستثمار الإقتصادي . فالإستقرار السياسي كما هو معروف يمثل الهم الأساسي لأي مستثمر جاد . ولكن المتبع للأوضاع السياسية في السودان ، يتضح له أن عملية الإستقرار السياسي ربما تتطلب وقتاً من الزمن لكي يبدي المستثمرين الإستعداد الجاد للإستثمار بالسودان .
لذلك من الضروري إن يتم الدخول في السوق العالمي على مراحل تتوافق مع درجة الإستقرار السياسي والإقتصادي ، لتجنب الصدمات التي تنتج عن سلبيات العولمة في حالة ضعف درجة الإستقرار السياسي والإقتصادي بالبلاد .
عليه لابد من الدراسة الدقيقة لأثار العولمة على كل القطاعات الإقتصادية وأثرها على الإستقرار السياسي .
من المفهوم أن يحذر السودان الإندفاع نحو العولمة (rapid globalisation) ، وأن يعترض على العولمة السريعة كما أوضحنا سابقاً . ولكن في نفس الوقت هنالك عوامل يتميز بها السودان تدعو للتفاؤل ، والتي يمكن حصرها في الآتي :
أ) يمثل مستوى تعليم القوى العاملة ، أهم رصيد لأي بلد يتعامل مع الإقتصاد العالمي . فكلما تميز البلد المعين بمستوى تعليم رفيع ومهارة عالية ، كلما حظى بوضع أريح في مواجهة الطلب المتغير بسرعة في الإقتصاد العالمي .
في هذا الخصوص نجد أن السودان وبحمد الله ، يتمتع بأعداد مهوولة من المتعلمين مما يبشر بالخير . ولكن من المهم أيضاً تبني سياسات تعليمية مستنيرة وفاعلة ، لتساهم مساهمة رئيسية في رفع القدرات (capacity) ، ليتسنى للسودان الإستفادة مستقبلاً من الواقع الإقتصادي الجديد .
ب) هناك مجموعات غفيرة من السودانيين المتعلمين ورجال الأعمال ببلاد المهجر . على الرغم من أنها تمثل خسارة للوطن ، لكن من الممكن أن يستفاد منها بحسبان مستواها التعليمي العالي ونشاطاتها الإقتصادية المتعددة . ولكن الإستفادة من إمكاناتها مشروطة بتبني السياسات السليمة للتحويلات المالية، والإستثمار، والتجارة،والتعليم ، والهجرة والجنسية.
ج) موارد السودان الطبيعية الضخمة والتي جذبت العديد من الشركات عابرة القارات، خاصة في مجال البترول والمعادن والزراعة .
في تقديرنا أن التجاوب الفعًال مع تحديات العولمة ، يتطلب من بين عدة إجراءات أخرى ، تبني السياسات الإقتصادية السليمة وإستهداف مجالات تعليمية معينة كأسبقية إستثمارية . هذا الأمر يستدعي القيام فوراً بإجراء الدراسات الدقيقة لتحديد الفرص المتاحة والتحديات المتوقعة .
ضرورة تطوير القطاع الصناعي :
أ) ضرورة تكامل قطاعي الصناعة والزراعة :
الحديث عن تنمية أي قطاع من القطاعات الإقتصادية المنتجة ، خاصة القطاعين الصناعي والزراعي ، يجب أن يتجاوز الفهم الضيق وغير العلمي الذي ينظر لها من منظور الخيار بين تنمية هذا أو ذاك (either or) . صحيح أن بعض الإقتصاديين أولوا أسبقية لتنمية القطاع الصناعي ، وبعضهم أعتبر أن هنالك أهدافاً متناقضة بين تنمية القطاعين . ولكن الخبير الإقتصادي Sutcliffe عام 1971 يؤكد ، أن التناقض ليس حتميا ، كما أن مفهوم (أسبقية ) المستعمل في الحوار ، مفهوم مضلل . فيقول ” إعطاء أسبقية لشئ ما ، لا يعني بالضرورة الصرف عليه بأكثر من زيادة قليلة في الوقت والمال . فمسائل الأسبقيات يمكن أن تكون صغيرة أو كبيرة . إعطاء أسبقية للزراعة لا يعني بالضرورة بأن الإستثمار ، أو الإستخدام (employment) ، أو الإنتاج والإنتاجية في الزراعة ستنمو أسرع من الصناعة أو أن الإستثمار العام في الزراعة يجب أن يكون أكبر في الزراعة من الصناعة .. من الممكن جداً إذا كان هدف الحكومة تشجيع النمو الأقصى للصناعة في فترة عشرة سنوات ، أن تعطي الأهتمام الأكبر للزراعة في السنوات الخمسة الأولى ، والتي بدورها يمكن أن توفر وبفعالية المواد الخام للصناعة والطلب على منتجاتها . الأسبقية للصناعة بهذا المفهوم تعني الأسبقية للزراعة “.
لذلك نعتقد أن تنمية القطاعيين الصناعي والزراعي إلى حد كبير لابد أن تمشي جنباً إلى جنب . فالزراعة توفر السوق للسلع الصناعية ، والإحتياجات الغذائية لسكان المدن والعمالة ورأس المال للقطاع الصناعي ، والعملات الصعبة لإستيراد الآلات والمواد الخام . وفي المقابل توفر الصناعة المدخلات الزراعية كالتركترات والأسمدة ..الخ ، الضرورية لتحديث القطاع الزراعي والسلع الاستهلاكية لمقابلة الطلب لجماهير الريف . كما أنها ستوفر سوقاً لجزء من الإنتاج الزراعي من خلال الصناعات التحويلية لإنتاج المواد الغذائية للإستهلاك المحلي والتصدير .
عند النظر إلى تجارب الدول خاصة الإشتراكية منها ، نجد أن النموذج الصيني أنسب للسودان من النموذج السوفيتي . فبينما يعمل النموذج السوفيتي على إخضاع القطاع الزراعي لخدمة القطاع الصناعي والتركيز على الصناعات الثقيلة لإنتاج السلع الرأسمالية ، نجد النموذج الماوي الصيني للتنمية يعمل على تنمية الصناعات الثقيلة والخفيفة والزراعة في آن واحد . ولكن عند التحيز لنموذج الصيني لا يغيب علينا أن الصناعات الثقيلة ما زالت تمثل فيه المحور الاساسي للجهد التنموي ، ولكن في نفس الوقت لا يتم تطويرها على حساب قطاعي الصناعات الخفيفة والزراعة . فعلي عكس النموذج السوفيتي ، عمل النموذج الصيني على توسيع الصناعات الخفيفة لتعمل على رفع المستوى المعيشي للجماهير العريضة ولكي تسمح بتخفيض مساهمة القطاع الزراعي في دخل الدولة (state revenue) والذي يمثل مصدر التمويل للتوسع الصناعي .
يتضح لنا من أعلاه ، بأن المقولات التقليدية المستعملة في فرز وتبويب نشاطات هذين القطاعين لابد من التعامل معها بحذر .
فبعض النشاطات مثلاً كصناعات المواد الغذائية ، تتكامل مع القطاعين الصناعي والزراعي مما يدحض الفصل (dichotomy) بين الصناعة والزراعة . كما يجب في نفس الوقت وفي حالة القطاع الصناعي نفسه ، أن نميز بين صناعات إنتاج السلع الرأسمالية وصناعات إنتاج السلع الإستهلاكية . فالإتجاه السائد بصورة شائعة الآن للتمييز بين الصناعات الثقيلة والصناعات الخفيفة إتجاهَ غير مرضى ، لأنه لا يشير للغاية من أو الوجهه لإنتاج هذه الصناعات . فالصناعات الرأسمالية والتي تستعمل لإنتاج سلع رأسمالية أخرى (machines that make machines) ، ليس بالضرورة أن تكون ثقيلة . فمثلاً الوسيطة ، كالحديد والصلب يمكن أن تقع في أي من هذه الفصائل ، كما أيضاً السلع الإستهلاكية . ومع إقرارنا بوجود بعض المشاكل في التعريف ، إلا أن التمييز بين السلع الرأسمالية والإستهلاكية يمثل أقل مشكلة .
ب) معالم عامة لإستراتيجية صناعية ذات توجه داخلي (inward – looking industrialisation strategy ( : (راجع : David Colman + Fred Nixson، Economics of Change، 1994 page 333).
يوضح الحق ((Ulhaq ، عام 1973 من المهم لتحقيق إستراتيجية التصنيع المتجهة داخلياً ، تحديد الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية المتوافقة مع الموارد ، وتطلعات وإلتزام الجماهير بالتنمية . يتطلب ذلك في نظره تبني البرامج التي تعمل على قلب العلاقة بين التجارة والتنمية ، من خلال رسم السياسات التجارية لتحقيق الأهداف التنموية .
إضافة لذلك يؤكد لنا إقتصادي آخر ، الأستاذ سنق Singh عام 1979 خلافاً لبعض الإقتصاديين الكلاسيكيين الجدد ، بأنه لا يوجد خلاف حتمي بين مقابلة الإحتياجات الأساسية للجماهير كالغذاء والملبس ، والمآوى والإحتياجات الأسرية المنزلية .. الخ وبين تغيير الهياكل الإنتاجية من خلال التصنيع . فحقيقة ، التصنيع الذي يتضمن قيام صناعات السلع الرأسمالية الإستراتيجية ، ضروري جداً لمقابلة الإحتياجات الأساسية .
وعلى مستوى آخر يقول سينجر Singer عام 1988 أن هنالك حاجة لإستراتيجيات صناعية تمزج بين أحسن عناصر سياسة بدائل الواردات وسياسة تشجيع الصادرات وتتنفع من تكاملهما ببعضهما البعض ، وتتجنب في نفس الوقت أخطاء الماضي .
هذا النوع من الإستراتيجيات الصناعية ، سمي بالتصنيع المتكامل ( Integrated (industrialisation والذي يولي إهتماماً أكبر لهيكل structure ولجودة التصنيع بالتركيز على مقابلة الإحتياجات الأساسية ، ويتجنب الإزدواجية التي إتسمت بها الإستراتيجيات السابقة ، مع الإهتمام بالسياسات المناسبة للإقتصاد الكلي .
أما الأستاذ لال عام 1991 ، فيعتبر التصنيع الناجح نتاجاً للمزج بين عدة عوامل ، كالحوافز ، والقدرات والمؤسسات والتي تتكامل بصورة معقدة ، وتتأثر جميعها بسياسات الدولة . فالتصنيع الناجح ، وفي هذه الحالة يشير إلى تجربة دول جنوب شرق آسيا ، يتسم بالتدخل الإنتقائي المباشر. بمعنى تدخل ليس فقط لخلق طاقة إنتاجية جديدة ، بل للتأكد من أن الطاقة الجديدة يتم إستغلالها بكفاءة وأن النمو يحافظ عليه بصورة مستدامة في المدى البعيد من خلال الزيادة في الإنتاجية والقدرة على المنافسة . عليه يصر بأن القطر المتسم بالتصنيع الناجح ، لأبد أن يظهر العمق المتزايد والتعقيدات الملازمة للنشاط الصناعي ، ومعها النمو المتزايد للمحتوى المحلي ، العضوي والإنساني منه والمدخلات التكنولوجية .
عليه يمكن حصر الجزئيات الأساسية لاستراتيجية التصنيع ذات التوجه الداخلي في الآتي :
أ) ضرورة التوازن بين التنمية الصناعية والزراعية ، على أن يدفع القطاع الزراعي عملية التنمية في البلاد .
ب) إستغلال الفرص المتاحة حالياً مع تنمية الفرص الجديدة للتصدير .
تؤكد الدلائل على أهمية توفر العملات الصعبة لنجاح أي إستراتيجية صناعية . في هذا الخصوص لابد من الإستغلال الأمثل لعائدات الصادرات وبالأخص البترول والزراعة .
ج) الإستمرار في سياسة بدائل الواردات في القطاعات الإستراتيجية في الإقتصاد (الوسيطة، والإستثمار ، وقطاع السلع الرأسمالية ) على أساس وطني أو إقليمي .
د) هذه القطاعات الإستراتيجية لابد من السيطرة عليها وطنياً ، أما بالقطاع العام أو الخاص السوداني . نشير هنا بالتحديد لموقف مجلس الحكم الإنتقالي العراقي الحالي من ضرورة بقاء صناعة النفط في أياد عراقية على الرغم من وجود الإحتلال الأجنبي .
هـ) إعادة تقييم دور رأس المال الأجنبي في عملية التصنيع ، مع ضرورة الإعتراف بالحاجة لتحقيق التوازن بين إستيراد التكنولوجيا المتقدمة وبين تطوير القدرات المحلية للتكنولوجيا المناسبة .
و) ضرورة التوازن المناسب بين التدخل الحكومي من خلال عملية التخطيط وبين عملية السوق ، بهدف التوزيع العقلاني للموارد الشحيحة لتحقيق التنمية بأسرع وأكفأ ما يمكن .
صحيح إن مؤشرات السوق والمنافسة محركات هامة للنمو الصناعي الناجح ، ولكن ضرورات مواكبة تطور المعرفة المتسارعة والتجاوب مع المؤثرات الخارجية والتغلب على تخلف المهارات والنظم المساعدة ، كلها أشياء تستوجب التدخل الحكومي الإنتقائي للتغلب على إخفاقات السوق .
ح) وتضيف منظمة Justice Africa ، لهذه العوامل عاملاً آخراً يتمثل في أهمية التركيز على إنتاج السلع الإستهلاكية التي تلبي الإحتياجات الضرورية للقطاعات العريضة من المواطنيين وإنتاج السلع المرتبطة بإحتياجات القطاع الزراعي ، كالأسمدة والمبيدات الحشرية والعلف الحيواني والالآت الزراعية . لكن مع التركيز أيضاً على عدد من الصناعات المنتقاه والمتميزة بالكفاءة العالية .
من المهم أن ندرك أن تبني مثل هذا النوع من الإستراتيجيات الصناعية للتنمية الموجهه نحو الداخل ، يتطلب تغييراًً سياسياً جذرياً وتحولاً في العلاقات بين السودان والدول المتقدمة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى