(موسكفيتش) حسن تاج السر يفتح سحارة الذكريات ويحكي لـ(نجوع) عن والده الشاعر ووالدته الروسية: عاش الوالد في الاتحاد السوفيتي حياة ممتلئة بالنشاط العلمي والثقافي والرياضي

حادثته: تيسير حسين النور
بداية يحكي حسن الحسن عن طفولته قائلاً: يطلق الروس على كل من ينتمي الى موسكو لقب (موسكفيتش) وقد صرت كذلك حين انتميت اليها بالميلاد في احدى مستشفياتها في يوليو 1965 م وترعرعت فيها حتى بلغت السابعة حينها جاء موعد القدوم الى السودان..وبعد عامين انتقلنا الى اليمن .. وبتحفيز وتشجيع من الوالد رحمه الله وبنفس خطاه توجهت شمالاً الى مصر للدراسة الجامعية والتحقت بكلية التربية بجامعة عين شمس قسم اللغة الانجليزية متخرجا منها في 1988 ..ولاحقا وبعد سنوات طوال نلت درجة الماجستير في مناهج وطرق تدريس اللغة الإنجليزية من جامعة النيلين.
بعد تخرجي لم امكث طويلاً في السودان فغادرتها الى اليمن السعيد وعملت مترجما ثم معلما وبعد سنوات سبع انتقلت الى السعودية معلما في وزارة التربية والتعليم ووكيلا لاحقا في احدى المدارس الاهلية واخيرا معلما ومدربا للغة الإنجليزية في وزارة الدفاع وعدت الى السودان نهائيا 2014..وبعد عودتي كان لي شرف الانضمام لفريق مؤلفي منهج SMILE للغة الإنجليزية لمرحلة الاساس وتقديم ما نلناه من المعرفة والخبرة للوطن.
رزقني الله بنتا وولدين. آرام خريجة الاعلام و عمر وأحمد اللذان لا يزالان في الجامعات هم احفاد الشاعر الدكتور تاج السر الحسن والذي كان حريصا دوماً على متابعتهم وتشجيعهم وتحفيزهم على القراءة والاطلاع.
= الجنسية الروسية :
فيما يخص الجنسية الروسية فقد حملت الجواز السوفيتي وسافرت به الى موسكو
مع الوالدة (البينا ميرتس) في المرتين التي زارت فيهما موطنها, وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي كان لزاما على مواطنيه السابقين تغيير جوازاتهم الى الجوازات الروسية او الى جوازات الدول التي استقلت عنها..وحقيقة لم أعر الامر اهتماما ً ولم اسع اليه فقد كنت حينها في اليمن ..ولم اسع اليها لاحقا و يبدو ان للوراثة اثرها..فقد اعتذر الوالد رحمه الله عن العرض الذي قدم اليه للحصول على الجنسية السوفيتية برغم من طيبة وبساطة وكرم الشعب الروسي وتشابهم معنا في كثير من الصفات حتى في عشقهم للشاي.. اعتذر وتشبث بسودانه وعض عليه بالنواجذ.
= أبرز الذكريات مع الوالد رحمه الله..
في جادة لينين (لينينسكي بروسبيكت) في موسكو العاصمة السوفيتية حينها..تأتي اولى اضاءات ذكرياتي مع الوالد رحمه الله حيث كنا نقطن في احد المجمعات السكنية في الطابق السابع..مسكننا لم يكن يخلو يوماً من أصدقاء و معارف الوالد من كافة الجنسيات ولعلي اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر العم حسين سعيد من العراق والعم عمر الجاوي من اليمن والسماني عبدالله يعقوب من السودان..هذا غير علاقته الوطيدة مع الجيران واذكر منهم العم كاسّا و زوجته ابيبا من اثيوبيا وابنهم اندريا صديقي الودود.
عاش الوالد في الاتحاد السوفيتي حياة ممتلئة بالنشاط العلمي والثقافي والرياضي حتى..حيث كانت له ندوات ومحاضرات يتقاطر اليها العديد من المهتمين روساً كانوا ام اجانب..وترجمات من والى الروسية و كتابات في دوريات عدة هذا بالاضافة إلى عمله في معهد موسكو للعلاقات الدولية حيث تتلمذ على يديه العديد من الدبلوماسيين السوڤيت انتشروا لاحقا للعمل في كافة انحاء العالم العربي ومنهم من عمل بالسودان..
الوالد رحمه الله كان محباً للرياضة بالفطرة ولم تمنعه ثلوج روسيا وصقيعها من ممارستها… وكما كان سباحا ماهرا في ارتولي يقطع النيل سباحة ..توالف وتوائم مع الثلج واستمتع به تزلجاً و تقاذفاً وتشكيلاً.
ومنذ الصغر وانا دون السابعة وفي موسكو ايضا حرص الوالد والوالدة على تشكيل علاقة خاصة لي بالكتب والقراءة.. وكنت رفيقهما الدائم الى متجر الكتب القريب من المسكن..اختار ما يناسب عمري من قسم الاطفال..وتكونت لدي مكتبة خاصة باللغة الروسية لا يزال العديد منها موجودا في مكتبتي حتى الآن..منها موسوعة مبسطة اهداها لي الوالد حرصاً على توسيع افقي و زيادة معرفتي..ومن ايامها بفضلهما صرت مدمناً للكتب وحروفها وعبقها..
في 1972 عاد الوالد نهائيا ً الى السودان حاملا معه شهادة الدكتوراه والكثير من الخبرة والتجربة والكثير من الآمال العراض لمنح هذا الوطن من علمه وتجربته..ولعل من ابرز همومه كان الحاقي بالتعليم في السودان وتعلمي للغة العربية التي لم اعرف فيها إلا القليل والقليل جدا..فقام بإلحاقي بالمدرسة الإنجيلية ببحري و بالتوازي مع المدرسة كان يحضر لي كتب القراءة المبسطة للأطفال ويساعدني في تهجئة حروفها وقراءتها وعند انتقالي الى الصف الثاني تعرفت على كتب نجيب الكيلاني للأطفال ولاحقا مجلات ميكي وسمير.. ولعل من احب الذكريات لي معه في ذلك الوقت هي قراءتنا معا لكتاب او مجلة..حيث كان يفترش لرأسي ذراعه الأيسر ويمسك بالكتاب بيده اليمنى ويقرأ صفحة وأنا أقرأ الصفحة التالية.. او يتقمص شخصية في مجلة وانا اتقمص الأخرى ونقرأها سويا قصة قصة وعند النهاية نتبادل الادوار.. كان الوالد يتقمص الشخصية تقمصا حقيقيا ويغير صوته ونبرته حسب الموقف مما يعطي القصة بعدا آخر وهذا كان يضحكني كثيرا احيانا..وصرت افعل المثل وأقلده وبات مشهدا تمثيليا اكثر من كونه قراءة عادية..وأسوأ مافي الأمر ان الكتب والمجلات تنتهي قراءتها سريعا مع الوالد في رقدتي الجميلة تلك مهما فعلت أو تحايلت..
في عام 1974 انتدب الوالد رحمه الله للعمل في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية محاضرا بكلية التربية العليا بعدن وكالعادة كان وجوده هناك حافلا بالنشاط الاكاديمي والثقافي، واذكر انه ذات مرة استضاف الشاعر اليمني الفذ عبدالله البردوني مع كوكبة من الادباء كما كانت تنشر له مقالات بصورة منتظمة في مجلة الحكمة..وفي بيتنا هناك بحي خور مكسر الشهير علمني الوالد الشطرنج وانا في الصف الثالث الابتدائي..كنا نتبادل الانتصارات..كنت اسعد بالفوز..لكنني حين كبرت قليلاً شككت بانتصاراتي تلك ..وفي عدن ايضا ً في شاطئ قولد مور حيث صخرة الفيل الشهيرة وفي مياه بحر العرب..تعلمت السباحة على يدي ذلك السباح النيلي البارع..
وبعد انقضاء عامين عاد الوالد للسودان ليواصل عمله في المجلس القومي للتعليم العالي..لم يغادر بعدها الوالد السودان الا للمشاركة في مهرجانات شعرية او مؤتمرات تخص العمل..و كما كان الحال دائماً واصل تشجيعي وفتح ابواب المعرفة لي..ففي المرحلة المتوسطة قرأت المستطرف في كل فن مستظرف والف ليلة وليلة في مجلداتها الأربعة بالاضافة لكثير من كتب نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعي بالإضافة للاشتراك في مكتبة المجلس البريطاني التي كان يحرص أن اذهب اليها اسبوعيا واستعير منها ما يناسب عمري..كان يشجعني على الانضمام للجمعيات الادبية والعلمية في المدرسة و يتابع الانشطة بشغف ويبدي اقتراحاته احيانا..لم يتدخل يوما في توجهاتي الدراسية والاكاديمية او اختياراتي مع انه قد يبدي ملاحظاته و رأيه لكن حرية الاختيار يتركها لي..
لم تكن القراءة هي وسيلة الثقافة الوحيدة..السينما كان لها يوم في الاسبوع وتحديدا سينما النيل الازرق حينما كان الفيلم جديرا بالمشاهدة ويناسب الاسرة كلها وغالبا يكون هذا البرنامج خميسيا بعد اسبوع مضن من العمل والدراسة..
كان تاج السر الحسن عاشقا للفنون بكل انواعها و يجد في كل واحد مذاقه الخاص..ففي الفن المسرحي كان يحب عبد المنعم مدبولي و امين الهنيدي وفؤاد المهندس وعادل امام و يتابع مسرحياتهم بشغف و يضحك حتى تدمع عيناه وفي السينما كان يحب اداء انطوني كوين والسينما الصامتة لتشارلي تشابلن..وحين كان في موسكو كان حاضرا بانتظام في عروض الباليه والاوبرا..اما الموسيقى الكلاسيكية لبتهوفن وباخ و تشايكوفسكي و غيرهم فهي طقس ملازم لجلوسه في مكتبته للقراءة اليومية والكتابة..
من أجمل ذكرياتي معه الجلسة الصباحية معه كل يوم بعد ان يكمل طقوسه الصباحية من رياضة وحلاقة ذقن وحمام والتي يبدأ بعدها بالاطلاع على الصحف الاسفيرية والكتب الإلكترونية بمصاحبة كوب القهوة المظبوطة ام وش..يؤنسني بخبر ما في صحيفة او معلومة ما وجدها في احدى الكتب وقد يدونها ليضيفها لاحقاً لاحدى المقالات او لاحدى المحاضرات التي يعدها بحرص لطلابه وطالباته في الجامعة الأهلية.. وللكمبيوتر والوالد ولي قصة طريفة سويا..حين دخل الحاسوب الى منزلنا اول مرة وبدأ الوالد تعلم التعامل معه اتخذني مُعلما ومناديا لي بـ(استاذ ابوعمر) في نبرة لاتخلو من جدية وفخر في آن واحد..وحين اضحك يقول مبررا (انت مش بتعلمني الكمبيوتر تبقى أستاذي) والحقيقة كان افضل طلابي على الاطلاق.كان يسجل كل ما اقوله في خطوات واضحة مفصلة في دفتر خاص وحين ينتهي الدرس يقوم بتطبيق ما تعلمه حتى يجيده ويشكرني مصافحا وقائلاً (شكراً استاذي)..كان رحمه الله طالب علم ومعرفة طوال حياته ووجد في الحاسوب بابا جديدا للمعرفة دلف منه على عوالم المكتبات القصية بشغف ولهفة..ترتسم على محياه السعادة والغبطة وربما تسمع (يا سلااااام) من أعماق القلب كل ما يجد كتاباً او مخطوطا كان يبحث عنه زمنا طويلاً بين ارفف المكتبات وبالامكان الآن ان يكون عنده كاملاً في دقائق..دون تعب..بنقرة ..البينا ميرتس..الجندي المعلوم الوالدة ( البينا)..وهو اسم من اصل لاتيني بمعنى المُشرق او الأبيض ..وهي كانت كذلك طوال عمرها بيضاء القلب مُشرقة بالامل و مشعة بالتفاؤل و الرضى فريدة و معتدة في شخصيتها دون عناد..صريحة دون حدة و واضحة بطبعها.. كانت البينا ميرتس الجندي المعلوم في حياة الوالد والتي ولدت وعاشت صباها في الريف الروسي الاخضر برغم جذورها الاستونية(نسبة لجمهورية استونيا المطلة على بحر البلطيق وكانت حينها تنتمي الى الاتحاد السوفيتي) ولشغفها بالآداب؛ روسيةً كانت ام اجنبية.فقد التحقت بمعهد جوركي Gorky للآداب بموسكو وهو معهد يستقبل فقط الطلاب الموهوبين والادباء الموعودين من كافة جمهوريات الاتحاد السوفيتي و من خارجه وهناك التقت برفيق دربها وشريك حياتها و بلا شك توأم روحها الطالب السوداني تاج السر الحسن ..عندما سئل الوالد ذات مرة في جلسة ود وصفاء مع احد الأقرباء المقربين الى قلبه..ماهو اول شيء لفت انتباهك اليها؟ رد بغير تردد..سعة أفقها…فكانت سعة الافق هي بداية التناغم والانسجام والحب والمودة التي دامت العمر كله..
= تأثير البيئة الأدبية ..
منذ ان بلغت الوعي وجدتني بين والدين محبين للعلم واسعي الافق.. عشق القراءة والبحث والاطلاع من فطرتهما..وجدت مكتبة لاتحصى كتبها باللغتين العربية و الروسية و موسوعات وقواميس بخلاف الدوريات والمجلات..وجدت تشجيعا وتحفيزا لا حدود له منهما لحب المعرفة..بالتأكيد يستحيل ان لايترك هذا كله اثرا عميقا في بناء الشخصية معرفياً وخُلقيا..فمثلا وبرغم خلوي من جِين كتابة الشعر لكنني اتذوقه وأحبه واستمتع بالجميل منه واحيانا اكتب النثر.. في دراستي الجامعية لم اتوجه بعيدا عن المسار الادبي اللغوي المحيط لكنني اخترت مسارا ثالثاً.. وبرغم معرفتي بالروسية اخترت الانجليزية حباً وصرت معلما لها وصارت هي اللغة الثالثة في البيت.
= مشاريع طباعة إنتاج الوالد الشعري والنثري وكذلك إنتاج العم الحسين الحسن..
سيصدر قريبا عن دائرة الثقافة بامارة الشارقة بالتعاون مع بيت الشعر بجامعة الخرطوم ديوان الوالد الاخير(الشعر في زمن القهر) ولاحقا بإذن الله سيتم طباعة اعماله الشعرية الكاملة في مجلد واحد..ومن ناحية اخرى وبالتنسيق مع الاستاذ الأديب الناقد ابوعاقلة ادريس سنعمل على تجميع مقالات الوالد التي نشرت عبر السنين في مختلف الصحف والمجلات مع تلك التي كتبت ولم تنشر بعد لتُضمن في كتاب او سلسلة كتب بإذن الله.
أما عمي الحسين رحمه الله فقد اصدرت له دار جامعة الخرطوم ديوان حبيبة عمري منذ سنوات ونفد من المكتبات..
(لا علم ان كان سيعاد طبعه أم لا .. الخبر اليقين في هذا الأمر عند ابنه محمد الحسين).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى